لماذا تكره نفسك؟

         أحياناً يكون المحرك الأساسي لسكوتك على الخطأ أنك تكره، فليس الحب وحده هو ما يعمي، ولكن الكراهية أيضاً تعمي، فتدفعك للدفاع عن المخطيء، فقط لأن الصواب في صالح من تكره، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ” (المائدة: 8).

         وعمى الكراهية يسلبك الإرادة الحرة في تقييم المواقف، فلا تتحرى الحقيقة، بل تختصر الطريق لتريح نفسك وترضي كراهيتك، كأن تقول “حتماً ليس معه الحق. لم أسترح له يوماً”، وهنا أصبحت المشاعر هي الحكم لا العدل، وكان الأولى أن تتحرى عن الحق، وتحرر نفسك من قيد الكراهية.

         وتتفاقم الأزمة حينما يجتاحك شعور خفي، “لا أريده أن يكون على صواب”، فتتحول إلى أمنية، فحتى إن كانت الحجة والأدلة في صالحه، فترفض الاستماع لكلامه بقلبك لا بأذنك، وقد تشكك في النوايا، وتبحث عن أي ثغرة لإسقاطه، فتشوش على الحق باقتدار، أو تلعب ببراعة دور محامي الشيطان، الذي يدافع عن الخطأ بشراسة.

         ومن عجائب الكراهية أنها قد لا تعبر بشكل صريح عن موقفها، خاصة إن كانت الوقائع ليست في صالحها، فلن تجعلك تقول “هذا خطأ”، ولكنها ستكون أكثر وضاعة لتقول: “لا تعطه فرصة ليكون على صواب”، وحينها تبدأ في تجاهل ما يقول، وقد تحرفه، وقد تركز على الأسلوب بدلاً من المضمون، في النهاية أنت نسيت هدف القيام بالقسط وإحقاق الحق، لقد أصبح الهدف هو ألا ينتصر من تكره، ففي انتصاره هزيمة لنفسك، وتمريغاً لكبريائك.

         وقد تشعر بضيق شديد، وحصار تود الإفلات منه، حين يظهر في المنتصف من يريد إحقاق الحق، فيقول مثلاً: “يجب أن يتواجه الطرفان أمام الجميع”، “يجب أن نعطي الطرفين فرصة عادلة”، حينها قد تشعر بتهديد من نداء العدل، فتجهض هذه الفكرة، لتبدأ في النيل ممن يحاول إحقاق العدل فضلاً عن كشف الخطأ، لتمنع الناس من التفاعل مع مقترحه العاجل، فتستخدم مقولات مثل: “أنتم لا تعرفون شيئاً.. القضية محسومة”، “إنه يبيت نية سيئة”، وقد تبدأ في مهاجمة من يدعو للقيام بالقسط قائلاً: “أنت تريد ذلك لأنه صاحبك”، “أنتم أصحاب مصلحة مشتركة”، وهكذا تدعو الشيطان لأخذ استراحة، لتقوم أنت بدوره على خير وجه، فينبهر من أدائك.

         لكن الحق قي النهاية يبقى حقاً، سواء أتى ممن تحب أو تكره، وهنا يكون الاختبار الصعب حين يأتي على يد من تكره، أو لصالحه، هل ستُحق الحق أم تنتصر لنفسك؟!

         حينها لا بأس أن تنتصر لنفسك، ليس بمعنى رفض الحق، ولكن بمعنى الارتقاء بها إلى أعلى مستوى من النبل والاحترام، فتنتصر للخير فيها، وتتعالى على دناءاتها، ولا تخضع لها، فتدرك أن الحق يجب أن يظهر، وتختار العدل حتى وإن كان مؤلماً، حتى ولو كان في صالح من تكره، بل حتى إن لم يكن في صالحك أنت، “ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِين” (النساء: 135). فحتى لو كنت تكره شخصاً، فلا تجعل ذلك مبرراً لأن تكره نفسك وتوردها المهالك، حين تخرس فيها نداء العدالة.

         هكذا هي الكراهية، تُسقط صاحبها أولاً قبل أن تُسقط الحق، فكما ترفض ظهور الحق؛ فهي ترفض أيضاً نداء العدل الداخلي في النفس وتقمعه، لتكسر الميزان، وتصنع من صاحبها شخصاً يستحق بجدارة أن يحصل على لقب..  “ظالم”.

وائل عادل

23-04-2026

جميع الحلقات السابقة

Young man with dark smoke covering his eyes and Arabic text saying hatred blinds

اترك رد

اكتشاف المزيد من روح. نت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading