بحدث أحياناً أن يكون الدفاع عن الخطأ سببه محبة الشخص المخطيء، وإذا استبعدنا الآن كلمة “المخطيء”، فإن محبة إنسان يعتبر من أجمل ما في هذا الوجود، فهل نستخدم الجمال على نحو خاطيء حين نجعله درعاً يحمي الخطأ؟ وليس فقط المخطيء؟
ماذا تفعل إن كنت من أولئك الذين يدافعون عن الخطأ بسبب أنه يحتمي بمن تحب؟! وهنا لا أتحدث عن زلة شخصية، بل أخطاء تمس حقوق الآخرين المادية أو المعنوية.
فور أن تسمع إدانة لشخص تحب؛ غالباً تشعر بنغزة أو ضيق أو رفض داخلي، أليس كذلك؟! فالقلب المتعلق بهذا الشخص يتألم، ثم تبدأ مباشرة الدفاع عنه قبل التحقق؛ فأنت أولاً تداوي ألمك، ويظهر هذا في عبارات مثل: “لا يمكن أن يكون الأمر هكذا”، “أنا أعرفه جيداً”، “لا لا.. هو ليس من هذا النوع”، وكل هذه العبارات قد تكون بالفعل صحيحة، وتثبت تجذر علاقة المحبة، لكن غاب عنها شيء أهم، أن تثبت لنفسك أولاً أن الحق أهم من الأشخاص، لذلك كان يمكن أن تقول: “حسناً.. لنستمع للشكوى ولنتحرى، لأن بمعرفتي بالشخص أنه لا يمكن أن يفعل ذلك”، حينها لا نرفض أن يعبر القلب عن محبته، ولكننا نريده أيضاً أن يعبر عن عدله وقيامه بالحق.
وإذا لم تقم بهذه الخطوة، إعطاء الحق لصاحب الشكوى أن يوضح كل شيء، حينها تكون عوناً على من تحب بتشجيعه على الاستمرار بخطإه، خاصة حين تخفف من أثر الشكوى دون تحقيق، ثم تبرر لمن تحب ما فعل، وتعيد تفسير الموقف بما لا بترتب عليه إدانة لضميرك، فأنت هنا ليست مشكلتك أنك مقتنع تماماً ببراءته، بل أنك لا تود أن تراه مخطئاً، ولا تود أن تسلم عقلك وقلبك لتبعات هذا الخطإ عليك. لذلك تلجأ إلى الهروب، وتبحث يميناً وشمالاً، حتى تجد النظارة السوداء لتضعها على عينك، فقد اخترت أن تكون أعمى.
هنا تحولت المحبة من طاقة نور إلى طاقة ظلام، ومن قدرة على الانتشال من الخطأ، إلى الدفع إليه، والدفاع عنه، هذه النظارة السوداء ترتديها لأنك تخشى أن تنكسر أو تهتز صورة من أحببت أمامك، وتخشى أن تتغير العلاقة، فتختار الغشاوة وتحميها، وتدافع بشراسة عن النظارة السوداءـ، لن تسمح لها أن تسقط، وإلا سقَطَّت معها، حينها ينطبق عليك وصف “محبة الغشاوة”.
ولأن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم- هكذا قد تظن؛ فتبدأ بالنيل ممن يقترب من نظارتك، “أنت لا تعرفه جيداً”، “هو لا يقصد”، “الأمر أعقد”، وأخيراً قد تقول: “ما تقول عنه لم أره قط منه”، لكن ماذا إن كان رآه العشرات غيرك؟ ألا يستوجب ذلك التفكير؟ إنها أقرب لحالة من تأتيه شكاوى متكررة، “فلان يغتصبني”، فترد عليه، “لكنه لم يغتصبني قط”!! إذن فلتنتظر دورك!!
وإن كنت حقاً تحبه فنظارتك ليست أفضل ما تقدمه له، لأتك بذلك تمنحه فرصة ليكرر خطأه، بدلاً من أن تمنحه فرصة ليكون أفضل، أنت فقط تؤخر مواجهته مع الخطأ، حتى يأتي أحدهم يحمل الميزان، يكسر نظارتك، ويكشف خطأ من كنت تحميه.
إن المحبة لا تعني دائماً الدفاع، ولكن المحبة تعني مساعدة الشخص ألا يتورط في مستنقع الخطأ، فيصبح عبداً للشيطان، المحبة لا تعني أن تكون حارس خطأه وشيطانه.
هل فكرت قليلاً؟! إن كنت تحب شخصاً، وتدافع عن خطإه أو تحول دون إظهاره والتحقيق فيه، هل أنت تكره نفسك إلى هذا الحد؟! حين تلبسها ثوب الجبن بدلاً من الشجاعة، وتختار أن تصبح قزماً، في وقت كان يمكن أن تكون فيه عملاقاً، تُشهد الدنيا بأسرها، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها.
وائل عادل
21-04-2026
جميع حلقات السلسلة


اترك رد