بدأنا رحلة تطوير القدرات الروحية كمجموعة، صحيح أن لكل فرد خصوصيته وتجربته الخاصة، لكن كانت الفكرة أن نخوض هذه الرحلة كمجموعة، في البداية كانت مجموعة صغيرة من ثلاثة أفراد، ثم لاحقاً تم توسيع العدد ليصل إلى نحو عشرين شخصياً أو يزيد، وكانت هناك فكرة من دخول رحلة “المجهول” كمجموعة، وقد أشرت لذلك في سلسلة تصدعات في عالم الغيب في مقال “أهلاً بالهلاوس”، قلت فيه: “حين قررت الاستكشاف لم أكن وحدي، كنا فريقاً من جنسيات وأعمار مختلفة، وكانت الفكرة أن الشخص وحده قد يصاب بالوهم، لكن الفريق سيراجع بعضه بعضاً، خاصة أن كل أعضائه من مشارب علمية ويتمتعون بعقليات نقدية، ولم يكن الكل مقتنعاً بالفكرة، كنا على درجات مختلفة من مقاومتها، فلم نبدأ الرحلة رافعين الرايات البيضاء، وكان من بيننا مهتمون ودارسون لعلم النفس، كما كنت على صلة بطبيب نفسي لم يدخل معنا الرحلة لعلنا نحتاجه للتمييز بين الهلاوس والحقائق. كذلك لم يدخل كل الفريق في التجربة في ذات الوقت، فقد نتوهم كلنا نفس الشيء. لذلك منا من تقدم الصفوف، ومنا من اكتفى بالملاحظة والتسجيل. أيضاً كنا نحاول تجنب مزالق ومنعطفات الطريق، فليقتحم البعض وليرقب البعض الآخر، فإن كان الطريق آمناً تقدم الآخرون. وهكذا حاولنا أن نحتفظ بعقولنا أثناء الرحلة.”
كنت أتوقع أن هذه الإجراءات كفيلة بحمايتنا، وتأمين المسار، فأي شخص سيرى أو يشير إلى خطر أو خلل سنسرع إليه فوراً للاستماع منه، على الأقل لأخذ الحذر، أو إيقاف الرحلة إن استدعى الأمر. فنحن نقتحم عالم غيب لا نعرف عنه شيئاً، والجرأة وحدها لا تكفي، والاعتماد على شخص واحد وهو المعلم أقرب لمقامرة، فملاحظة كل شخص معتبرة، والانحراف يمكن أن يحدث بسبب إشارة صغيرة أهملناها، هكذا كنت أنظر إلى هذه الرحلة والتجربة.
حددت موقعي من البداية، لأكون ذلك الشخص الذي يتحرك بين الصفوف ليرصد الإيجابيات والسلبيات، وكنت مهتماً برصد السلبيات، مع عدم التسرع في الحكم، وشيئاً فشيئاً بدأت أرصد أشياء، وأرى أموراً أخشى عواقبها، أغلبها كنت أناقشه مع المعلم والفريق الإداري للرحلة، لكن الاستراتيجية لم تعمل على النحو الذي توقعت، أننا سنستمع لأي صوت يُحذر، والعلة لم تكن في الحسبان، أن التجربة الشخصية لكل فرد ستطغى على فكرة الرحلة الجماعية.
لم يعد ما أُحذر منه مجالاً للبحث والدراسة، بل كان في الغالب يقابل بمقولات من قبيل “أنت تقاوم”، “أنت تُعمل عقلك”، “أنت لم تصل بعد إلى العلم الكامل”، فلم تعد البيئة صالحة لفكرة التحذير، ولا يكفي أن تطلق إشارة تحذير، يجب أن تلم بها من جميع جوانبها حتى يمكن التفكير فيها بجدية، وربما لا يتم دراستها حتى لو حدث كل ذلك، إنه شيء أقرب للتعجيز، فانهارت الحماية مبكراً جداً، أو ربما ماتت قبل أن تولد فكرة الحماية التي تخيلتها، أو الرحلة الجماعية التي نهتم فيها بكل صغيرة وكبيرة تحدث لأي شخص، حينها أدركت.. لقد استُدرجنا في التجربة!!
ومع الوقت بدأت الفجوة تتسع، وتحولت التجربة إلى أيديولوجيا يدافَع عنها، ويوصم مخالفها بالجهل واتباع الهوى وغيرها من الأمور، لم تعد رحلة نحرص جميعنا فيها على أمان الكل، وكأنه اتُخذ قرار ضمني أن نحطم خط الحماية بأيدينا، وأن نطمس كاميرات المراقبة، ونقطع الكهرباء عن مكبر الصوت التحذيري، حتى لا يقلق استراحتنا صوت النداء.
ومن غرائب الأمور أن نقاش النداء التحذيري أحياناً قد يحدث، ولكن مع استبعاد المنادي، فيقرر مثلاً من لا يرون في التحذير خطراً أن يتناقشوا فيه، ويثبتون لأنفسهم أن التحذير غير موجود، فلا تدري إن كان حقاً نقاش بغرض أخذ الحذر، أم بغرض طمأنة النفس؟!في مشهد أقرب لشخصين ضعيفي البصر، أشار أحدهما قائلاً لصاحبه: “أنا لا أرى هذه الكلمات البعيدة على اللافتة“، فرد صاحبه: “وأنا أيضاً لا أراها“، فقالا في صوت واحد: “الحمد لله“. رغم أنهما لو سألا من يدعي رؤية اللافتة بوضوح، واستوضحا منه لأدركا أنهما على خطر، وقد يفقدان بصرهما تماماً.
رأيت كيف يسحب موج التجربة الهادر كل شخص على حدة، لتتحول التجربة الجماعية إلى تجربة فردية، لا يعني كل شخص فيها إلا ما يعيشه أو يحسه هو، فكان نفاذ الشيطان سهلاً، فهو إلى الواحد أقرب.
وحين يأتي تحذير من شخص أو اثنين، تكون الإجابة أحياناً “لكننا لم نعش هذه الإدعاءات، تجربتنا مختلفة تماماً”، نعم.. ربما كان من حظ من حذروا أنهم رأوا الأسد في الغابة، فهل يُعقل أن يكون الرد من البقية الذين يفترشون أرض الغابة للنوم: “دعونا ننام.. نحن لم نره”؟! لا أقول بوجوب تبني التحذير، ولكن على الأقل بمناقشته جدياً والانتباه له، ووضع نقاط اختبار لمصداقيته، لا معاملته كفكرة عابرة.
احتفظت الرحلة بطابعها الجماعي طالما تتشابه المشاهد الفردية ويعزف الجميع نفس السيمفونية، لكنها لم تكن كذلك حين كان يجب أن نستفيد من مزية الجماعة، في أخذ الحذر ورفع مستوى الأمان، فكان الاستمرار مقدم على اختبار المسار، وابتلعت الروح الفردية وظيفة الجماعة، وعجزت استراتيجية التأمين عن العمل. فلم تتضافر جهودنا في تأمين المسار، بل غلبت الخشية من ذلك…
وائل عادل
12-05-2026
جميع المقالات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن
- كلنا “فتنة” يا عزيزي
- رسالة إلى الجن الصالح
- نمتن للبدايات ولا تستعبدنا
- اذهب أنت وربك فقاتلا
- صَدْمَتي مع “العلم اللدني”
- لماذا التزكية أولاً؟
- رحلتي مع هذه السلسلة
- السيناريو الكارثي
- لماذا أتوقف؟
- فزادوهم رهقاً
- لماذا أكتب… رغم الحرج وسوء الفهم؟
- هل أغنت الرحلة الجماعية شيئاً؟
- معايير المشيخة


اترك رد