يستعمل إبليس وجنده من الشياطين – لعنهم الله – في حربهم على كل بني آدم تكتيكاً ماكراً خبيثاً، ألا وهو توسيع جبهات المواجهة. وهو ما حذرنا الله تبارك وتعالى منه في محكم آياته بقوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ﴾1. فالشيطان يوقع العداوة بين بني آدم. ولكن لماذا يستخدم الشيطان هذا الأسلوب؟ وما الفائدة التي يرجوها من ذلك؟
العدو والمنافس الطبيعي
لقد خلق الخالق سبحانه وتعالى في الكون الأضداد. فخلق الليل والنهار، وجعل الظلمات والنور، والظل والحرور، والخير والشر. وحتى في عوالم الكائنات جعل لكل كائن ضده أو منافسه وعدوه الطبيعي. فالغزال عدوه الأسد، وهذا بدوره عدوه الضبع، والنمل عدوه آكل النمل، وهكذا في أغلب المخلوقات إن لم يكن في كلها. ومن فوائد هذه العداوة تحقيق التوازن بين فصائل الكائنات المختلفة فلا يطغى أحدها على الآخر مما يهدد التوازن البيئي. كما أنها تجعل الكائنات في حالة حركة دائمة وتيقظ وانتباه مستمر، مما يضمن سلامتها البدنية والعقلية.
والإنسان كغيره من الكائنات جعل الله له عدواً نداً له، وقادراً على التأثير فيه، ألا وهو الشيطان. إذ ما من كائن آخر على وجه البسيطة يمتلك تلك القدرة على عداوة الإنسان ومجابهته. فهو العدو والمنافس الطبيعي لبني آدم في هذا الكون. وبالعودة للنص القرآني نجد أن الله سبحانه وتعالى لم يصف العلاقة بين الشيطان وبني آدم إلا بالعداوة. فهي عداوة قائمة أبدية، لا يمكن محوها أو استبدالها بعلاقة سلام وصلح. بل ونتيجتها الأخيرة محسومة، إذ ذكر الله لنا في القرآن خطبة الشيطان لما قضي الأمر وانتهى الخلق إلى مصائرهم ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ * وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ﴾2. فهي عداوة حتمية أبدية، أرانا الله مشهدها الأخير ﴿أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾3.
إيقاع العداوة
ولما أُهبِطَ آدم وزوجه عليهما السلام إلى الأرض، لم يصف ربنا مهمتهما إلا بوصف واحد، وهو ما ورد إلينا في كتاب الله ﴿وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُوا۟ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّۖ﴾4. ثم سكت القرآن عن ذكر مسيرة آدم عليه السلام في الأرض. وكأن هذه التوصيف قد احتوى كل حياة آدم عليه السلام على الأرض. ولعله أبلى بلاءً حسناً، وأنجز رسالته على أتم وجه بما اجتباه الله. فمن رأى هذه العداوة رأي العين كآدم عليه السلام يوشك أن يكون من الفائزين. ومن غفل عنها كان من الخاسرين.
وهنا كانت خدعة الشيطان، إلقاء العداوة بين بني آدم، فتتسع جبهة المواجهة. إذ لم يعد الشيطان فقط هو العدو، بل تعددت العداوات، فهناك رئيس العمل، وربما الجيران، أو بعض الأقارب والأصحاب، وغير ذلك من أشكال العداوة اتي تنشأ بين الخلق. ثم تختفي عداوة الشيطان تماماً لتحل محلها عداوات أخرى، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. وإذا سئل المرء عن أعدائه ومن ينغصون عيشه فسيذكر قائمة من الأعداء والمنافسين، وتأتي الفاجعة حين لا تجد اسم الشيطان على هذه القائمة. لقد استبدلت عداوة الشيطان بعداوات أخرى تلهي الإنسان وتصرفه عن معركته الحقيقية.
إن الإنسان – كفرد أو مجموعة – يميل بطبيعته إلى وجود عدو أو منافس يدفعه إلى اكتشاف وتطوير واستخدام قدراته وإمكاناته. فإن لم يجد له عدواً اخترع واحداً. وهنا كانت خطة الشيطان اللئيمة بإيقاع العداوة بين بني آدم ثم الانزواء خلفها. حتى تنشغل القلوب عنه بغيره. فتكون كمن يضرب الهواء بسيفه، وعدو في ظهره يغرس رماحه في جسده.
في الخمر والميسر
تشير الآية الكريمة إلى حكم خاص ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ﴾5. ولكن تظل القاعدة عامة، وهي أن الشيطان يوقع بين بني آدم العداوة، فيعادي بعضهم بعضاً. وباب الشيطان إلى ذلك الخمر والميسر، وكل ما يفعل فعلهما في الإنسان.
فالخمر ما خامر العقل وغطاه. ويشمل كل مشروب أو مادة تذهب بالعقل، كما ورد في الحديث “كُلُّ مُسكِرٍ خَمرٌ”6. ومن ثم فيمكن الاستنباط – عقلاً وليس تشريعاً وحكماً – أن كل ما يذهب بمنطق العقل وقدرته على الحكم الأشياء، فهو سلاح كالخمر. مثل التنازع والتباغض والاقتتال بين مشجعي فرق كرة القدم، فهو تناحر وتباعد لا يؤيده منطق عقلي. أو خسارة الزوجة والأولاد والاستقرار مقابل اللهاث وراء امرأة لعوب. أو غير ذلك مما يغطي العقل ويفسده، ويحجبه عن المنطق والتفكير السليم، وتقدير عواقب الأمور. فكل ذلك وأشباهه هو كالخمر عند الشيطان، ويستخدمه لإيقاع العداوة بين بني آدم، وصرفهم عن عداوته ومقاتلته.
أما الميسر فهو المغالبة على المال بلا تعب، مثل القمار وأشكال المراهنات المختلفة. وما يعنينا هنا – خارج إطار التشريع والأحكام الفقهية – هو الصراع على المال بما يخالف ما اعتادته النفس البشرية من الاكتساب القائم على التعب والمشقة وبذل الجهد العقلي أو البدني. فيتنازع بنو آدم على أحقية كسب المال وتوزيع المستحقات، ويحقد بعضهم على بعض، ويعادي بعضهم بعضاً.
ومن ثم فإن كل ما يفسد العقل ويضيع الأموال أو يجعل كسبها لا منطقياً دون جهد وتعب ومشقة هو مما يستخدمه الشيطان لإيقاع العداوة بين بني آدم ليصرفهم عن عداوته. وعموماً فإن الخمر والميسر في ساحة الشيطان ليسا سوى وسيلتين، وأي وسيلة أخرى تحقق ذلك الاقتتال سيلجأ إليها ويستخدمها.
التحييد والتجنب
يستخدم الشيطان هذا التكتيك الخبيث الماكر من إيقاع العداوة بين بني آدم ليصرف انتباههم عن عداوته، ولتتسع قائمة أعداء كل واحد منا فيتشتت جهده ويخيب رميه وتهدر طاقته. وليتغلب المرء على هذا الخدعة الماكرة، عليه أن يضع دائماً عداوة الشيطان نصب عينيه. وليتذكر أن أي عداوة تنشأ مع بني جنسه من الإنس لن تخرج عن احتمالين:
أولهما أنها عملية إلهاء لئيمة وصرف انتباه شيطاني عن العداوة الأصلية الكبرى مع إبليس، ليتشتت جهد العبد ويخيب رميه.
وثانيهما أنها عداوة حقيقية مع الشيطان تجسدت في أحد أوليائه وجنده.
فإن وجدها مكراً وخداعاً وإلهاءً، فليعلم أنها عداوة مزيفة، فليمر بها كريماً، ولينصرف عنها مجاهداً لنفسه ومزكياً لها. وإن كانت حرباً من حزب الشيطان، فليشمر عن ساعديه، ويصرف عن قلبه الوهن والخوف، وليعلم أن حزب الله هم الغالبون.
أما الفوائد التي يرجوها الشيطان من هذا التكتيك فهي ثلاث:
أولاً: تحقيق العمى الاستراتيجي، أي أن يعمى بنو آدم عن عدوهم، فيهاجمهم بلا دراية لهم، ويقاتلهم بلا مقاومة منهم، ويعاديهم بلا مبادلة منهم للعداء، ويأسرهم ولا يعلمون آسرهم، فتمر هزيمتهم من أمام أعينهم وهم لا يبصرون.
ثانياً: تغيير قواعد اللعبة، فبدلاً من الحرب القائمة على الاقتتال المباشر، يضلل الشيطان عدوه، فيقتتلون فيما بينهم، ويثخن بنو آدم بعضهم في بعض، ويجهز بعضهم على بعض، وما على الشيطان سوى أن يحصد انكسارهم وذلهم وخيبتهم.
ثالثاً: استراتيجية الإنهاك، فسهام الإنسان مشتتة بين كثرة الأعداء، وطاقاتهم مستنزفة تحت وطأة المعارك، وعقولهم مشتتة بين كل تلك العداوات، وقلوبهم أوهنها الغل والحقد والكيد. فالعبد منهك مستنزف لا قبل له بمواجهة الشيطان. مثله في ذلك كمن يقاتل بسيفه طواحين الهواء، حتى خدرت ذراعيه، وخارت قوته، فإذا برز له العدو الحقيقي استسلم له، إذ لا قبل له بمقاتلته.
إن الشيطان لا يبرز للعبد إلا بعد أن يتكاثر من الأعداء، ويتشتت عقله، ويوهن قلبه، وتنفد طاقته. حينئذٍ لو واجه المرء فأراً لأعجزته مطاردته، ولاستسلم لوجوده. إنه عبد تثاقل إلى الأرض فلا استطاعة له على المقاومة. فينهزم مستسلماً لا مقاوماً.
اعلم أن عداوة الشيطان أصيلة واضحة في ميزان الوحي، وأخطر ما يفعله الشيطان ليس مواجهتها، بل طمسها في قلوبنا وعقولنا. إنه لا ينتصر على بعض بني آدم لأنه الأقوى؛ وإنما لأنه ينجح في إعادة توجيه عداوتهم، وإفساد خصائص بوصلة عداوتهم. فتذكر دائماً أنك تواجه عدواً واحداً، حتى وإن تجسد في صور وقضايا مختلفة. فما من عداوة إلا وخلفها الشيطان تحريكاً أو تأجيجاً أو استثماراً. وسواءً كانت عداوة مزيفةً أو حقيقيةً، فأعلم أنها شجرة من مارج من نار، تخرج في أصل نار السموم، طلعها وثمارها كأنه رؤوس الشياطين. ﴿فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا﴾7.
- سورة المائدة. من الآية 91 ↩︎
- سورة إبراهيم. الآيات 22 – 23 ↩︎
- سورة الأعراف. من الآية 172 ↩︎
- سورة البقرة. من الآية 36 ↩︎
- سورة المائدة. من الآية 91 ↩︎
- من حديث عبد الله ابن عمر. الراوي: عبد الله بن عمر. المحدث: مسلم. المصدر: صحيح مسلم. الجزء أو الصفحة: 2003. حكم المحدث:) صحيح [ ↩︎
- سورة النساء. من الآية 76 ↩︎
جميع مقالات “فاتخذوه عدواً”
- عداوة الشيطان: الاستهواء
- عداوة الشيطان: إيقاع العداوة
- عداوة الشيطان: الإزلال والاستزلال
- عداوة الشيطان: خبرات العدو المتراكمة
- عداوة الشيطان: ترسانة العدو الخفية
- عداوة الشيطان: رحلة في أعماق العدو
- الشيطان والأحداث الكبرى
- التحصين الشامل.. ليس مجرد رقية
- شيطان على بوابة الأذن
- الغواية المرعبة
- مؤشر درجات الغواية
- 3 خطوات لكشف مداخل الشيطان
- تكبيد الشيطان خسائر فادحة
- عدو مبين
- هل لعنت إبليس اليوم؟


اترك رد