إننا نسير إلى الله بقلوبنا، نحملها بين أكفنا برفق ونحن نتلمس طريقنا في هذه الحياة، نوجهها نحو أي شيء لنرى، ونبصر، ونعقل، “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” (الحج: 46)؛ وعندما نضع قلوبنا على أكفنا، نجدها تنبض حياة، وكأنها كائن حي يتنفس، فتتشكل وتتلون مع كل خطوة أو همسة أو نظرة، توجل ثم تلين، تصِّح وتمرض، تُنير وتُظلم، إنها حياة حقيقة، فكيف يعمل هذا القلب؟ وماذا يؤثر في سلامته؟
أشار القرآن إلى أن القلب يتأثر بما نقوم به، يقول تعالى: “”كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (المطففين: 14)، فما نكسبه يترك أثره على قلوبنا، وقيل في تفسير القرطبي: “هو الذنب على الذنب حتى يسود القلب”،[1] وفي تفسير البغوي: أصل الرين “الغلبة”،[2] فما يكسبه الإنسان هو الذي سيغلب أثره على قلبه، لذلك حين تكثر الذنوب يطبع الله على القلوب، ““كَذَٰلِكَ نَطْبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ” (يونس:74)، “فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ” (الصف: 5).
دورة تشكل المعاني في القلب
ويتأثر القلب يكون إيجابياً أو سلبياً بحسب ما يفعل الإنسان، لذلك كان من المهم الانتباه للمداخل التي بتعرض لها القلب، والبوابات التي تؤثر فيه، ولدينا بوابات حسية وأخرى غير حسية، فالبوابات الحسية مثل العين والأنف والأذن، والبوابات غير الحسية تشمل كل ما يؤثر في الإنسان من خارج هذه الحواس، مثل عالم الملائكة والشياطين، والإلهامات والوساوس، وسأركز هنا على البوابات الحسية.
فالحواس هي وسائل كسب الأفعال الظاهرة، ثم يأتي العقل ليعالج ما يدخل من هذه المدخلات الحسية، فيمنحها المعاني، أو يكسب القلب الشعور، أي أنها ليست مجرد أدوات، بل رسل تحمل إلى القلب ما تلتقطه، ويترجمها العقل إلى معان يسلمها إلى القلب. فالعين تسمع، واللسان ينطق، واليد تلمس، ثم ترسل كل ذلك إلى العقل الذي يمنح المعنى ليلقيه في ساحة القلب.
ولنأخذ على سبيل المثال العين، كمدخل حسي متصل بالقلب، فالنظر في الطبيعة قد يزرع في القلب معنى عظمة الخالق، ورؤية الفقراء والمرضى قد تورث القلب معنى الرحمة، والنظر إلى المحرمات قد يورث الغفلة، هكذا كل ما نراه سيكسب القلب معنى سواء وعينا بذلك أم لا، ثم يترجم ذلك إلى لين في القلب أو قسوة، خاصة مع كثافة التعرض وطول المدة، “أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ” (الحديد: 16).

يبين الشكل أن العلاقة بين القلب والحواس متبادلة، فالعين تؤثر في القلب، والقلب يؤثر في العين، فالنظر إلى الطبيعة سيمنح القلب السكينة، والقلب السليم يمنع العين من إطالة النظر للحرام، وإن كان القلب فاسداً سيطلب من العين المزيد من النظر.
دور العقل
ويأتي العقل ليلعب دور المعالجة، وهو أيضاً يتحرك بتوجيه من القلب، لذلك قد يرى اثنان نفس المشهد، لكنها يختلفان في تفسيره، ليس فقط لاختلاف طريقة عمل العقول، بل لاختلاف ما في القلوب، فنحن نرى بطبع قلوبنا، وحين تتشابه القلوب قد نرى ونردد ونقول نفس الشيء، “وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ ۘ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ۗ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ” (البقرة: 118)، لذلك نفس المشهد قد يثمر في أحدهما رحمة وفي الآخر قسوة، هذا يلتمس العذر وذاك يدين ويهول من الأمور، فكل يرى بقلبه، والسبب هو اختلاف توجيه القلب للعقل في منطلقات التحليل والتفضيل، لذلك قال الله تعالى: “لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَعْقِلُونَ بِهَا” (الحج:46)، وبذلك يمكن القول أننا نتأثر بما نرى، لكننا أيضاً نرى بحسب ما في قلوبنا من معان، وخلف كل عقل ضال، سنجد قلباً فقد القدرة على التوجيه، أو قلباً فاسداً منسجماً مع ضلال العقل ولا يقومه، وخلف كل عقل سليم قلب سليم.
أثر الجوارح الأخرى
وبمرور سريع على بقية الحواس، ندرك كيف تصنع القلوب، فالسمع إن كان لطيب الكلام قد يورث خشية وخشوعاً ومحبة، وإن كان للغيبة وفحش القول يورث الكراهية والتبلد والقسوة، والشم قد يغذي القلب بذكرى تحرك الشوق أو الحزن، واللسان قد يكسب القلب شكراً وأنساً بالله أو بعداً عنه، واللمس قد يورث القلب معنى المودة والرحمة، أو إن أخذ شكل العنف فيما لا يستوجب ذلك؛ أورث القلب معنى القسوة، والسعي للخير يورث الرضا والقرب، بينما السعي للشر يورث الغفلة.
كانت هذه أمثلة لتقريب المعنى، والمعاني متسعة بحسب حال كل شخص، والخلاصة هنا أنه يمكن النظر إلى أن المدخلات الحسية تبدأ العمل، ثم يقوم العقل بمعالجة ما تأتي به، بناء على مادة القلب وطبيعته، والقلب يؤثر في العقل بدوره، ويؤثر على فعل الجوارح، فالكل يؤثر في الكل ويتأثر به، لذلك كانت “المدخلات الحسية تُثير المعاني في القلب”، فكل جارحة تنقل شيئًا، فيتحول داخل القلب إلى فكرة أو شعور أو دافع، ويلعب الزمن والتكرار دوراً كبيراً في رسوخ المعاني، فما يتكرر يرسخ، ثم يصبح هوية القلب.
بين النفس والقلب
وفي الواقع تتداخل هذه الأمور ولا تتم بهذا الترتيب المنظم، بل هي حالة تفاعلية مستمرة، وأحياناً نزاع على القيادة بين العقل والنفس، فالعقل لا يستمع فقط للقلب، ولكنه أيضاً يستمع للنفس وما وتهواه، لذلك قد يخالف القلب، فالقلب يعلم الصواب، لكن النفس تريد الانطلاق، وستغذي العقل بمبررات فعل الخطأ، قد تغلب النفس القلب وقد يحدث العكس، فالقلب يعرف، والنفس ترغب، والعقل يتردد، وهو ما يفسر فكرة التوبة، وكأنها جلسة لحل هذا النزاع والإقرار بسلطان القلب، والاحتكام إلى ما استقر فيه من إيمان، فالنفس تمردت على نداء الإيمان في القلب، والعقل استجاب، وفي التوبة يعلن المتمردون العودة إلى ثكناتهم تحت قيادة القلب، فتسكن النفس، لكن ماذا لو لم تحدث التوبة ذنباً بعد ذنب؟ سيتم تدرجياً الإطاحة بمادة الخير المسيطرة على القلب لصالح مادة تؤسس للخطأ وتبرره، فلا يحدث النزاع مجدداً بين القلب والنفس، فيتطابقان، ويرفع القلب الراية البيضاء، فلا يبدي أي اعتراض أو مقاومة، بل يبرر، وحينها لا يشعر الإنسان بحاجته إلى توبة، فالنفس تناغمت مع القلب، أو بالأحرى سيطرت عليه.
لذلك كما يؤثر القلب في العقل فإنه يتأثر به، ومن هنا كان تصحيح التفسير العقلي يمنع فساد القلب، فهو ليس مجرد إعادة تحليل، ولكن إعادة تغذية للقلب، أي أن القلب يمكن أن يداوى أيضاً من خلال تصحيح التصورات.
نحو قلب سلبم
إذا أردنا أن تستعيد قلوبنا تألقها، فلابد من يقظة جادة، ومراقبة واعية لا تتراخي، فلنحمل قلوبنا على أكفنا ولا نلتفت عنها طرفة عين، لنراقب نموها وما يعتريها، فنرصد ما تتعرض له كل يوم عبر البوابات، ونسجل ما حاول الدخول عنوة ومنعناه، وما استطاع أن يتسلل بسبب ضعفنا، ولنراقب طريقة تفسيرنا لما نراه، لأنها مرآة تعكس ما في قلوبنا، وستؤثر على قلوبنا عبر الزمن.
[1] القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري. الجامع لأحكام القرآن. تفسير سورة المطففين، الآية (14).
[2] البغوي، الحسين بن مسعود (ت 516هـ).معالم التنزيل. تفسير سورة المطففين، الآية (14)
وائل عادل
13-04-2026
جميع حلقات السلسلة


اترك رد