يسير العبد إلى ربه في طريقٍ قد بَيَّنَ العليم الحكيم معالمها الكبرى في كتابه الكريم وعلى لسان رسوله الرحيم ﷺ. فهو طريق تَحفُّه المكاره، وتزينه المحن، ويملأ الصبر أرجاءه، وتمهده طاعة الله ورسوله ﷺ، وتصفو سماؤه بفعل الخيرات. غير أن تفاصيل السير لكل عبد مكتوبة في لوح الغيب، لا يطَّلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل. فيسير العبد في خفاء المشيئة، لا يدري متى يُقبِل البلاء، ولا كيف يُرفَع، ولا أين تختبئ المنح في طيّ المحن. فالعبد في قبضة أقدار الله قائم أبداً؛ لا يفارقه سلطانها، ولا يُفلت من دائرتها، إذ لا تمر عليه لحظة إلا وهي منسوجة بخيوط المشيئة الإلهية، تحييه، وتبتليه، وترزقه، وتهديه، وترده إليه. وهذا الخفاء المحيط بأقدار الله فينا يشمل النعماء والضراء، واليسر والعسر، والهداية والضلال، والاجتباء والإبعاد، والجهاد والقعود، والحياة والموت.
لقاء القدر بين المقاومة والمعانقة
فإذا عرفت ذلك، وأحسست بالقدر وهو يلفك بثوبه، ويحتويك في كنفه، أيقنت أنك تتعامل معه آناء الليل وأطراف النهار. ولا يخرج التعامل معه عن أحد طريقين، إما مقاومة ورفض ومعارضة، أو تسليم وقبول ومعانقة. فمن سلك طريق المقاومة ومحاولة الفكاك ازداد أسره، وضاق صدره، وغشيه وجع العناد، حتى لا يرى في تدبير الله له ولا في تدبيره لنفسه إلا التعب والخسران، وما يزيده ضرب الريح بسيف الوهم إلا عجزاً وعسراً وألماً. أما من عانق القدر مستسلماً ومحباً، وألقى سلاحه بين يدي مولاه، انقلبت القيود في يديه أساورَ من نور، وصارت قبضة القدر عليه رحمةً ولطفاً وحناناً، وما تزيده معانقة القدر إلا فوزاً ويسراً واطمئناناً. فمن ذاق طعم المعانقة علم أن القدر ليس خصماً يُقاتَل، بل حضناً يَحتوي، وأن في باطن كل قهر رحمة، وفي جوهر كل امتحان نداء حب من الله لعبده.
إن معانقة القدر حالٌ يذوب فيها القلب بين الحب والتسليم والرضا والتوكل، فلا يبقى للاضطراب مكان. هي حال يغيب فيها العبد عن نفسه بشهود مولاه، فتتلاشى إرادته في إرادته، ويذوب التسليم في الرضا، فيثمر هذا المزيج حباً يغمس القلب في بحار الشوق، وتسليماً يورد النفس موارد الاطمئنان، ورضاً يسقط السخط ويرفع رايات البشر والانشراح، وتوكّلًا صافياً من شوائب الحول والقوة والأسباب. ولا يبقى للعبد إلا أنفاس تسجد، وقلب يُسبِّح، ونفس تسرح في جنان القرب، إذ علم أن كل ما كان، وما يكون، إنما هو بالله، ومن الله، وإلى الله.
بين غموض العلم وشدة العمل
وبقدر جمال ذوق هذا المعنى يخوض العقل والنفس والقلب معركةً مؤلمة لينعم بهذا الجمال المنير الخلاب. فمعانقة القدر يلفها الغموض من حيث العلم بها، ثم هي شاقة على النفس من حيث العمل، وعزيزة ونادرة من حيث التحقق بها. ووجه الغموض فيها من حيث العلم أن التعلق بالأسباب الدافعة للأقدار والاعتماد عليها شرك، ورفضها بالكلية مخالف للشرع، وادعاء الاعتماد على الأسباب من غير رؤية القلب لها يبدو مخالفاً للعقل. فتحقيق معانقة القدر على الوجه الذي يوافق تحقيق التوحيد في القلب ولا يخالف الشرع ولا ينافي العقل من أشد المعاني غموضاً.
فإذا ما زال الغموض وتحقق الفهم، جدت النفس في العمل، وجاهدت لتعانق القدر في كل ما يبرز لها من بلاء أو نعمة. ولا يزال العبد يجالد نفسه، ويكبح جماحها، ويعالج ريبتها وشكها، حتى تلوح له أنوار الأقدار كالبرق في السماء. فيعانقها حين تنير سماؤه، ويقنط ويقاومها لما تظلم عليه، ولا يزال يعاين من جمال المعانقة وشقاء المقاومة ما يعينه على المضي في مجاهدة نفسه. وهؤلاء هم المجاهدون. فمتى أشرقت سماؤه بشموس الأقدار، فما عاد يرى في قدر الله إلا كمالاً وحسناً وحكمةً، فقد كمل له حال معانقة القدر. وهؤلاء هم المقربون. ومن لم يتذوق حلاوة معانقة القدر، لم يكمل له السير في طريق الذوق. ومن ثم كانت “معانقة القدر” أحد أصول الذوق.
معنى معانقة القدر
و”معانقة القدر” تعني رؤية الكمال والحسن في جميع أقدار الله. ألم يخبرنا الله جل في علاه عن نفسه واصفاً ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾1. فما من شيء في هذا الكون إلا وقد أوجده الله وخلقه، وأحسن صنعه، وأتقنه، وأتمه بما يليق بكمال قدرته وإحاطة علمه وبالغ حكمته وواسع رحمته، وأوحى إليه من نور أمره. فإذا شهد القلب ذلك، وأقر أن فعله سبحانه وتعالى تنزه عن كل نقص وقبح، رأى أن الأصل في جميع الأشياء الحسن والكمال من حيث إنها فعل الله وخلقه وأمره، وإنما النقص والقبح والخطأ من جهة امتحان النفس، لأنها مكلفة بالإجابة على كل ما تتعرض له في الدنيا، فإذا استعصت الإجابة رأت النفس في السؤال القبح والخطأ والنقص، وإذا تيسرت الإجابة استبشرت ورأت حسن وجمال وكمال فعل الله وخلقه.
وأقدار الله فينا من جملة خلقه، إذ قال في كتابه الكريم ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ﴾2. فكل ما يصيبنا من خير أو شر، أو نعمة أو بلاء ما هو إلا خلق كريم محكم بديع. فمن نظر إلى الله فيه تحقق بقوله ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ﴾3، ومن انهمك في المصيبة يكاد أن يجاوز الحد في الأسى والفرح. فمن أصابه شيء فليلزم هذه الآية بقلبه ولسانه ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ عسى الله أن يريه من كمال وحسن فعله ما يطمئن به قلبه.
و”معانقة القدر” تعني الانتباه لصفات الربوبية لا بتفاصيل المقدور. فالمولى تبارك وتعالى قادر على أن يسوق العباد إليه بلا ابتلاء ولا امتحان؛ وإنما من جملة أسباب تعرضنا لأقدار الله أن نعرفه بجميع الصفات والنعوت التي وصف بها نفسه وأخبرنا بها. وليس الخبر كالمعاينة، فمن تجلت له صفة ربه الرزاق ليس كمن أُخبِرَ عنها ولم يستطع شهودها، ومن عاين صفات الله الحفيظ النصير اللطيف الرؤوف الرحيم اطمأن قلبه، ولا تدرك الطمأنينة من مجرد السماع. فمن عانق القدر شهد من ربه وعرف عنه ما تذهل به النفس عن بلائها.
و”معانقة القدر” تعني ألا تتعلق بالنتيجة وألا تتعلق بك النتيجة. فالله تعالى له في كل وجود وعدم علم وحكمة وإرادة وقدرة وإحاطة. فلا يصدر شيء إلا عنه، ولا ينعدم شيء إلا منه. فمهما كان ما ترجو من نتائج فلا تتعلق بحدوثها ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾4. واعلم أن حصول الأمر لا تعلق له بك؛ وإنما له تعلق بمراده سبحانه وتعالى. فشاهد فعل صفات الله جل وعلا فيك وازهد في النتائج، إذ هي في حقيقتها ليست سوى قدر جديد يسري عليك، وصفة أخرى من صفاته تتجلى لك.
و”معانقة القدر” تعني مدافعة الأقدار مع زوال كراهية القلب لما يقع على العبد من المحن والبلايا. فالمعانقة ليست استسلامًا؛ بل شهودًا. وليست سكوناً؛ بل فعلاً تغشاه السكينة، ودفعاً تغمره الطمأنينة. هي أن ترى يد الله في كل شيء، وأن تشهد تجلي صفاته لك في مرور الأقدار عليك. وأن تؤمن أن القدر خيره وشره من الله جل ثناؤه، وأن فعل الله كله خير وأن الشر ليس إليه، وإنما الخير والشر متعلق بكراهية نفوسنا أو بحبها لما تمتحن به.
و”معانقة القدر” تعني التسليم بأنه لا فقد ولا خسارة على الحقيقة، وإنما هو وهم النفس. فالفقد ما هو إلا لُقيا لم يخلقها الله جل في علاه لك، والخسارة ليست إلا كسباً لم يوجده المولى جل ثناؤه لك، فما لك تحزن على ما لم يُخلق وتأسى على ما لم يُوجد. ألم يخبرنا ربنا في كتابه ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾5، ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾6. فمن ذاق قلبه هذا المعنى، وشهد أن ما يظنه خسارةً أو فقداً ما هو إلا محض عدم في ذلك الوقت، إذ لو كان الله بقدرته خلقه وأخرجه من العدم إلى الوجود لما كانت خسارةً ولما كان فقداً، فمن ذاق قلبه هذا المعنى اطمأن، وسكنت نفسه، واستسلمت جوارحه، إذ لا أحد في هذا الوجود يخسر شيئاً. وما تكلم الله عن الخسران إلا وهو يخبرنا عن مصائر الخلق بين الإيمان والكفر، والهداية والضلال، والسعادة والشقاء في الآخرة ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾7.
و”معانقة القدر” تعني الإقرار بالعجز أمام قدرة الله وعلمه وحكمته. فما من حدث يحصل لك إلا وقد أحاط الله به علماً وحكمةً وقدرةً. وعقولنا وقلوبنا لا قدرة لها على أن تحيط علماً بلحظة واحدة في الحياة، فتعلم كل حقائقها واحتمالاتها والحكم المستبطنة فيها، ناهيك عن القدرة على خلقها أو وأدها. فليس للقلب أمام هذا العجز والجهل المطلق في مقابل القدرة والعلم والحكمة المطلقة إلا أن يستسلم. ألم يخبرنا ربنا في أكثر من موضع في كتابه الكريم بأن الله يعلم وأنتم لا تعلمون، وبين لنا قدرته وعلمه فقال ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾8، ﴿إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾9. فالإقرار بالعجز أمام قدرة الله وعلمه وحكمته يورث القلب تسليماً ورضاً.
و”معانقة القدر” تعني الاستسلام لتعاقب الأقدار. فما من لحظة إلا وقدر الله ماض فينا، وما يدفع قدر إلا بقدر، ولا ينتهي امتحان إلا ويعقبه آخر، ولا ينقضي سؤال إلا ويليه غيره، وهكذا حتى يضع العبد بفضل الله تبارك وتعالى قدميه في جنة ربه. فمن استقبل تبدل وتعاقب أقدار الله عليه، أدرك أنّ ما ظنه قيدًا كابحاً هو في الحقيقة جناح يسرح به حيث شاء في عالم الأنوار. فإذا عانق القلبُ القدرَ بلطف المحبة، ذاب الحزنُ في التسليم، وسكنت الروح في ظلّ من كتب لها طريقها بنورٍ لا ينطفئ. فالمحبّ لا ينازع مولاه، بل يحتضن تدبيره، كما يحتضن الطفلُ صدرَ أمّه، آمناً من كل سؤال.
حقيقة الأدب
فمن رأى الكمال والحسن في جميع أقدار الله، وانشغل بصفات الربوبية عن تفاصيل المقدور ذاب قلبه حباً وشوقاً. ومن لم يتعلق بالنتيجة ولم يعلق النتيجة به فقد بلغ حال التوكل وتحقق به. ومن دافع الأقدار وزال من قلبه كراهية ما يقع عليه فقد ذاق حلاوة الرضا. ومن استسلم لتعاقب الأقدار فقد ذاق التسليم.
إن “معانقة القدر” ستار يسدله الله برحمته على عبده. فتسير النفس محجوبة بالأنوار عن البلاء، ويمضي القلب مشغولاً بربه عن الابتلاء. يرجو العبد من مولاه مزيد لطف وكرم وإحسان، فيدعو ربه بقلب ساكن، ونفس مطمئنة، وروح منيرة قوية.
إن “معانقة القدر” من أشد ما ينافح العقل، ويكابد القلب، وتجاهد النفس. ثم هي بعد ذلك من أجمل ما يتذوق العبد في سيره إلى ربه. فالجالس على بساط “معانقة القدر” قد ترك للناس دنياهم وسجد قلبه بين يدي ربه، فلا يشهد إلا واسع لطفه ورحمته وعلمه وحكمته وقدرته، ثم هو قد ترك لهم آخرتهم، وجثا بين يدي ربه في ظل عرشه، لا يبصر قلبه إلا ربه، ولا تنظر عيناه إلا وجهه الكريم.
- سورة السجدة. الآية 7 ↩︎
- سورة الحديد. الآية 22 ↩︎
- سورة الحديد. الآية 23 ↩︎
- سورة البقرة. الآية 216 ↩︎
- سورة فاطر. الآية 11 ↩︎
- سورة التوبة. الآية 51 ↩︎
- سورة الزمر. الآية 15 ↩︎
- سورة الطلاق. الآية 12 ↩︎
- سورة طه. الآية 98 ↩︎
جميع مقالات “أصول الذوق”


أضف تعليق