مركزية الله

الذوق هو تلك الحالة الشعورية والوجدانية والعرفانية التي تغمر العبد في سيره إلى الله عز وجل. وهو محض فضل من الله ونعمة، إذ أنه ليس نتيجة حتمية لممارسة ظاهر العبادات. فمن الناس من يعبد الله تبارك وتعالى ولم يلامس قلبه حلاوة الإيمان، ومنهم من تغشاه الأذواق اجتباءً من الله واصطفاءً، وبين هؤلاء وهؤلاء السواد الأعظم من أهل الذوق، وهم أصحاب المجاهدات وتزكية النفوس وتنقية القلوب وما يكتنفهم من الأذواق والأحوال. ومن ثم فالذوق ليس حالة واحدة أو رتبة واحدة يبينها صاحبه لرفاقه فيفهمونها ويصلون إليها؛ بل إنه ينقسم إلى ما لا حصر له من المراتب والحالات والمشاعر والفيوضات. وأهل كل مرتبة تتفاوت أذواقهم وتتباين إلا أنهم يشتركون في الإدراك العام لطبيعة المرتبة التي يعايشونها. لذلك يمكن القول أن منتهى ذوق العابدين هو ابتداء ذوق الصالحين، ونهايات الصالحين بدايات الأولياء، ونهايات الأولياء بدايات الأنبياء. فلكل منهم ذوقاً لا يدركه ولا يفهم حقيقته من هو دونهم في الذوق.

هذا التفاوت الكبير بين أذواق السائرين، وهذا الطيف الواسع من الحالات والمشاعر والمعاني والفيوضات التي تنتج عن الذوق وما يصحبه من انكشاف بعض الحجب عن عالم الغيب، وهذا التنوع الرحب الممتد من المجاهدات والمكابدات، قد ينشأ عن كل هذا اختلال واضطراب في بوصلة السائرين على الطريق. فبدايتهم كانت “إلى الله”، ثم مالت نفوسهم “إلى المزيد”. فلم يعد الوجه متوجهاً إلى الله؛ وإنما إلى المرتبة اللاحقة، أو المقام التالي، أو الأنس بالأحوال، أو التعلق بما ينكشف من الغيب، وغيرها مما تميل النفوس إليه وترى فيه فائدة ومصلحة لها، مادية كانت أو معنوية أو دنيوية أو أخروية.

وعلى هذا كان أول أصل في طريق الذوق هو “مركزية الله”. ويعني أن حقيقة الرحلة إليه وحده. فراقب نفسك ولا تصرف ناظريك عنه جل في علاه. فرحلتك ليست إلى جديد مجاهدةٍ، أو بريق حالٍ، أو حديث مقامٍ، أو علو مرتبةٍ، أو حكيم معنىً، أو غريب كشفٍ، أو صحيح إلهامٍ، أو صادق رؤىً، أو غيرها مما يرد على القلوب؛ وإنما إليه وحده. فلا تنشغلَنَّ بما وُهِبتَ من العطاء عن الواهب، ولا تلتهيَنَّ بما اسْتُعْمِلتَ فيه عن المُسْتَعْمِلِ لك، ولا تنصرفَنَّ إلى ما أقِمْتَ فيه عن المُقِيمِ لك، ولا تحبسنَّك الطاعات والمجاهدات عن المقصود بها، ولا يُنْسِيَنَّكَ جمال معالم الطريق ومحطاته مُنْشِئَهُ وخالقَه. فإنما هو الله، ولا شيء غير الله.  

و”مركزية الله” تعنى اجتماع القلب عليه سبحانه وتعالى، فلا ينصرف عنه إلى غيره، ولا تقيده غاية سواه. فكل شيء يرد على عقلك فهو سواه، وكل ما يرد على قلبك من أشياء الدنيا أو الآخرة فهي سواه. إذ أن الله سبحانه وتعالى غير مقيد بقيد ولا حد ولا ابتداء ولا انتهاء، فلا تبدأه بدايةٌ ولا تنهيه نهايةٌ، وليس كمثله شيء، ولا تدركه الأبصار، ولا تحيط به الأفهام، ولا تتصوره التخيلات. وكل شيء ترنو إليه النفس من مجاهدة، أو مقام، أو وارد، أو أجر، أو جنة ونعيم، أو قرب هو مقيد بأفهامنا وتصوراتنا. فليكن السير إلى المولى جل ثناؤه غير مقيد بقيد. فالْقُرْبُ منه سبحانه وتعالى لا نهاية له، فكل قرب يليه قرب، وكل مقام يعلوه مقام، وكل استغراق يسفر عن استغراق، وكل وصول يعقبه ابتداء. والقلوب لن تُعْطَى إلا على قدر ما أودع الله فيها من القدرة على الفهم والذوق والتوحيد والمعرفة. فهي رحلة إليه بلا حول، وشوق إليه بلا علم، وسير إليه بلا أين، ورغبة إليه بلا كيف. فلا نهاية لابتغائه فتقصدها، ولا منتهى للقرب منه فترجوه. فانصرافك إلى غيره قيد، وتوجهك إليه وسع.

و”مركزية الله” تعني فعل ما أمر به وترك ما نهى عنه، بلا تعلق بذات الفعل أو الترك؛ وإنما بالآمر والناهي تبارك وتعالى. فنسأله ونطلب منه ما أراد منا سؤاله وطلبه، ونستعيذ مما أرشدنا للاستعاذة منه، ونتقرب إليه بما افترضه علينا، وبما سَنَّه لنا رسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه من النوافل والطاعات والقربات، ونوالي من نظن أنه تولى الله، ونعادي من نحسب أنه يعادي الله وأولياءه، وننصح ما حدسنا أن مراد الله منا النصح، وننتصح متى شاء الله أن تلقي الأفواه إلينا بالنصح، وغير ذلك من كل أشكال الفعل والترك، والحركة والسكون. مع تيقظ القلب وانتباهه إلى أن كل تلك المفعولات والمتروكات ليست غاية في ذاتها، وإنما المراد تمام التسليم والخضوع لله سبحانه وتعالى. ومن انشغل بالأوامر عن الآمر شَقَّت عليه ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾[1]، ومن شغله الآمر عن الأوامر زُيِّنَتْ له  ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ* رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾[2].

و”مركزية الله” تعني إخراج كل صفات الربوبية من الوسائط والأسباب. فالأصل في دنيانا أنه لا نتيجة بلا سبب. فالنتائج مرتبطة بالأسباب، والأسباب مقدمات النتائج، والسبب هو أبو النتيجة. فتتعلق القلوب بالأسباب تعلقها بالنتائج. لذا مهما حاول القلب الانصراف عن الأسباب والتوكل على الله فتعلقه بالأسباب قوي وشديد. وكلما كان السبب مجرباً من قبل ونتائجه مؤكدة زاد التعلق به والاعتقاد فيه على مستوى القلب والذوق. أما عقلاً فالأصل أن المؤمن يعلم أن الله عز وجل هو مسبب الأسباب، أما القلب والذوق فإدراكهما مختلف. لذلك عندما تنقطع الأسباب بالعبد يضطرب القلب ويجزع، رغم علمه عقلاً أن النتائج من الله وليست من السبب، وسبب هذا الجزع تعلق القلب بالسبب، فإذا انقطع السبب اضطرب القلب وحار.

هذا التعلق القلبي بالسبب أو الواسطة التي تتم بها النتيجة منشؤه إلصاق بعض صفات الربوبية بالسبب. فهذه الوسائط والأسباب فيها النفع والضر، والحفظ والحماية، والجلب والدفع، والنجاح والتوفيق، والإرشاد والهداية. ويظن السائر إلى ربه أنه بعيد عن هذا الخطر، إلا أن انتزاع صفات الربوبية من الأسباب والوسائط أمر عزيز لا يقدر عليه كل أحد. فالقائل لا يقدر، والقادر لا يقول. والسائرون في انتزاع صفات الربوبية من الأسباب والوسائط درجات، فمنهم من اتخذها آلهة من دون الله فشيدوا دنياهم على شفا الهاوية، ومنهم من نزه المولى سبحانه بصفاته تمام التنزيه، وحفظ قلبه من إلصاقها بأحد سواه، وهم الأنبياء والصِّدَِيقون، فخُرِقَت لهم العادات، وأخضع الله لهم الدنيا، وبين هؤلاء وهؤلاء يجتهد السائرون في إصلاح قلوبهم، حتى لا تشهد صفات الربوبية في أي سبب أو واسطة.

و”مركزية الله” تعني أن كل شيء في جنابه قليل لا حقيقة له. فمن كان نظره شاخصاً إلى ربه، ووجهه متجهاً إليه، ونفسه جاثية بين يديه، ذهلت نفسه عن كل ما سواه، وكان كل شيء دونه قليلاً، لا قيمة له إلا بنسبته إلى الله الكبير المتعال. فشهد قلبه أن كل متاع الحياة الدنيا قليل، وأن كل حالٍ ومقامٍ وكشفٍ ومجاهدةٍ وذوقٍ قليل، وأن كل صحبة من إنس أو جن أو ملائكة أو غيرهم مما خلق الله تعالى قليل، وأن نفسه بأمانيها وأهوائها وإراداتها ورغباتها قليلة، وأن كل ما يراه عيناً ويذوقه قلباً وينظر فيه عقلاً في عالم التكليف ما هو إلا زينة وامتحان ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾[3]. فما ثم غير وجه الله ذي الجلال والإكرام. واعلم أن التفات القلب إلى متاع الحياة الدنيا سريع، وإلى النفس وحاجاتها قوي راسخ متين. بينما انتباهه إلى الله فيه تلكؤ وبطء، وتحوله عن النفس إلى ربه عارض متزعزع. فمتى انتبهت إلى الله فلا تشغل قلبك بغيره. فإنك إذا التَفَتَّ صُرِفتَ وفُقِدتَ.

إن “مركزية الله” أصل جامع ضابط على طريق الذوق، وكل الأصول الأخرى هي فرع من هذا الأصل. ومن لم يكن وجهه إلى الله فليس إلا إلى نفسه. ومن كان وجهه إلى نفسه شغلته بنفعها وضرها، وميولها وأهوائها، وتصوراتها وهواجسها، فلم يزده الذوق إلا بعداً، ولم تورثه الواردات إلا ضيقاً. أما من انشغل بربه فهو في رحابة ووسع، إذ كفاه الله هم اجتلاب النفع ودفع الضر، وذهل عن ميول نفسه وأهوائها وتصوراتها وهواجسها، فيغشاه من الذوق ما يغشى، وتسرح به الواردات في جنات العبودية، ويهيم قلبه فيما لا أمد له من القرب. واحذر أن تخدعك نفسك فتنشغل بالله ظاهراً وتُشغِلُكَ بها باطناً. فترفع راية “مركزية الله” وتعلي راية “نفسك” فوقها. فيرتدي جسدك عباءة ذوق واسعة فضفاضة، تحجب عنك حقيقة التحاف قلبك برداء الكبر والاستكبار. وتحسب نفسك صارعاً وأنت مصروع، أو مقرباً وأنت مكروب.


[1]  سورة البقرة. الآية  45  

[2]  سورة النور. الآيات 36-37  

[3]  سورة الكهف. الآية  7  


اترك رد

اكتشاف المزيد من روح. نت

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading