لنتوقف قليلاً مع مشهد تاريخي عظيم، عليه تأسست حياة البشر والشياطين على السواء، ذلك المشهد الذي أعلن الله فيه قرار الإخراج من الجنة، آدم وزوجه عليهما السلام، وإبليس عليه لعنة الله، وسيساعدنا استيعاب مشهد الخروج من الجنة في إدراك مدى كره الشيطان وحقده على الإنسان، لمجرد أنه كائن فضله الله عليه، كما سيساعدنا في فهم كيف نال آدم من الشيطان بضربة قاضية، فلنتأمل مشهد الإخراج من الجنة، فكلاهما أُخرج منها، ولكن شتان بين الشكل الذي تم به الخروج، أو سبب الخروج، أو الدور المرتقب بعد الخروج، شتان بين الخروج والطرد.
أُخرج إبليس من الجنة ملعوناً، أي مطروداُ من الجنة ومن رحمة الله، “قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّين” (ص: 77-78)، بينما أُخرج آدم عليه السلام محفوفاً برحمة الله وتوبته عليه، “فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ” (البقرة: 37)،
طُرد إبليس من الجنة مذموماً معيباً ومهاناً، وكأنه خرج بفضيحة لطخت سمعته، فكان الحكم الإلهي بالنفي الكامل في الدنيا والآخرة، فلن يعود إلي الجنة مرة أخرى، “قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَّدْحُورًا” (الأعراف: 18)، بينما أُخرج آدم عليه السلام من الجنة من أجل مهمته التي خُلق لها، “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ” (البقرة: 30)، ثم سيعود إلى الجنة مرة أخرى بعد أن تنتهي مهمته.
طُرد إبليس من الجنة بلا ناصر أو معين، فقط لعنة الله تصحبه، بينما أُخرج آدم عليه السلام ومعه زوجه ليبدآ تأسيس الحياة لبني البشر على الأرض، وبشرهم الله أنه سيكون معهما هادياً ومعيناً، فلا يخافا ولا يحزنا من الهبوط للأرض، “قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ” )البقرة: 38).
طُرد إبليس من الجنة وقد تجرد من كل مكانة وشرف له؛ إذ كان في الملأ الأعلى حين أُمر بالسجود لآدم عليه السلام، ثم خفض الله ذكره، فلا نعرف من كلام الله عن اسمه سوى “إبليس”، أي اليائس، بينما أُخرج آدم من الجنة مرفوع الذكر مكرماً، وأعلن الله رفع قدر آدم عليه السلام واجتباءه، “ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ” (طه:122).
طُرد إبليس من الجنة وقد فقد مكانه في الملأ الأعلى،بل حتى لا يستطيع هو وذريته التلصص والاستماع لما يدور هناك، فسيعيشون مرجومين بالشهب، فانتقل من التكريم إلى الرجم، “لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ” (الصافات: 8-10). بينما سيحيى آدم وذريته في حفظ ملائكة الرحمن، “لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ” (الرعد:11).
طُرد إبليس وقد خسر فرصة أن يكون الأفضل بتقواه وطاعته لله وتنفيذ أمره، “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” (الأعراف:12)، بينما حسم الله أمر الخيرية، فأعلن تكريمه لبني آدم وتفضيلهم على كثير ممن خلق، “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا” (الإسراء: 70).
كل هذا وغيره جعل مشهد خروج إبليس من الجنة مشبعاً بالإهانة والإذلال والوعيد، صحيح أنه أخرج آدم من الجنة، لكنه كان سيخرج على كل حال بحكم أن الله خلق آدم للأرض، بل خلق ما في الأرض جميعاً من أجل هذا المخلوق المفضل من قبل أن يكون، “هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ” (البقرة:29)، كانت الملائكة تعلم أن آدم مخلوق لخلافة الأرض، لكن لا تشير الآيات إلى أنها كانت تعلم أن إبليس أيضاً سيغادر الجنة، أو بالأحرى يُطرد منها، فكان قدر الشيطان بغبائه وكبره أن يكون نزول آدم الطبيعي إلى الأرض بسببه، فلو سجد الشيطان لآدم لم يكن ذلك ليمنع نزول آدم للأرض، فربما ينزل وفق سيناريو آخر، ولكن يأبى الله إلا أن يكشف حقيقة الشيطان على يد آدم عليه السلام، وأن تجري الأقدار وفق ما حدث.
ولفهم كيفية كشف آدم حقيقة الشيطان يمكن أن نتصور شخصاً يعمل في مؤسسة، ولا يسبب أية مشاكل، فهو محبوب مقرب من الإدارة، ولكن ما إن تم تعيين موظف جديد أكفأ منه في القسم حتى ظهرت حقيقة نفسية هذا الشخص، إذ بدأ يكيد خشية أن يأخذ مكانه، أو يظهر الموظف الجديد عند مديره خيراً منه، لم يفعل الموظف الجديد شيئاً يُذكر لإظهار قبح هذا الرجل، ولكن مجرد ظهوره في المكان أخرج ما بداخل الرجل من شر، لاحقاً بدأ هذا الشخص يتحرك بدافع الشر، حتى اكتُشف أمره وفساده، فأضر نفسه وطُرد من الشركة، هكذا فعل آدم مع الشيطان، مجرد حضوره أشعر إبليس بالخطر، فتخبط وكُشف أمره وفُضحت حقيقته.
لذلك يمكن أن نرى أن هبوط آدم إلى الأرض كان على متن مهانة ولعنة إبليس، بل وتضييع مستقبله كاملاً بلغة عصرنا، يمكن أن نستنتج أن كليهما كان مقدر له النزول إلى الأرض، وفي الوقت الذي ظن إبليس أنه أهوى آدم إلى الأرض حين نصب له الفخ، كان آدم يجذب إبليس من ياقته ليطرحه أرضاً بذلك الشكل المهين، فلم يسقط في الفخ وحده. فإن كان آدم عليه السلام قد سقط في فخ الوسوسة بجنة الخلد وملك لا يبلى؛ فقد سقط إبليس في فخ “الأنا” التي استثارها خلق آدم. هكذا يمكن رؤية نتائج المشهد إجمالاً، فمجرد خلق آدم أظهر للملأ الأعلى حقيقة إبليس المستبطنة، والتي كان يعلمها الله، “قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ” (البقرة: 30)، وكأن أول دور أراده الله لآدم بمجرد أن تُنفخ فيه روح الله، أن يكشف هذا المتسلل السفيه، وينزله إلى المرتبة التي يستحق، فكان خَلْق آدم سبباً في إهانة إبليس والحط من قدره، وكانت هذه أول مهمة قام بها آدم كجند من جنود الله دون أن يدري، مهمة كّشْف حقيقة إبليس وطرده من الجنة دون رجعة بضربة قاضية.
والضربة القاضية هنا ليست على سبيل المجاز بل الحقيقة، فقد طُرد الشيطان من الجنة بهذه الضربة ولن يعود إليها مطلقاً، بل ستسعر به الجحيم، وكل ما يفعله هو محاولة دفع أكبر عدد ممكن معه إلى أتون الجحيم ليس أكثر، مشروع انتقامي فاشل لن يغير من واقعه هو شيئاً، أن أمره قد انتهى. لقد طُرد الشيطان بينما أُخرج آدم في مهمة، ليعود ومن صلح من ذريته إلى جنان الله التي أعدت للمتقين.
هكذا نحكي الحكاية جيلاً بعد جيل ونحن نتهيأ لعداوة ضروس للشيطان، وهكذا نستلهم منها أن آدم وذريته قادرون بإذن الله على صناعة تاريخ الإنس والجن والشياطين، هكذا طُرد إبليس من الجنة، وهكذا بدأ طريق اللعنة، وكما كشف آدم دون عمد زيف إبليس؛ يمكن أن يستكمل أبناؤه نفس المهمة ولكن عن قصد، خاصة بعد أن أخذوا الإذن الإلهي، “فاتخذوه عدوا”، وتدرعوا بالحصانة الإلهية، “إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ” (الحجر: 40)، وبذلك فكل عبد مُخلَص قادر على كشف الشياطين المتسللين، وطردهم من جناننا إلى أسفل سافلين.
وإن كان الشيطان يفوز في معاركه معنا بالنقاط، خطوة تجر إلى خطوة تليها، وهو مختبيء لا يسفر عن وجهه خشية أن ينكشف أمره؛ فإننا بضربة قاضية مؤيدين بنصر الله ووعده نواجهه، بوجوه لا تعرف للثام سبيلاً، مستلهمين ما جرى في الملأ الأعلى، وليعلم الثقلان أنا بنو آدم قد أفقنا من غفلتنا.
وائل عادل
05/02/2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع حلقات السلسلة


اترك رداً على خالد صالح إلغاء الرد