تغشى قلوب السائرين على طريق الذوق واردات من معان وأحوال وخواطر ورؤى وإلهامات وغيرها من أشكال المكاشفات مما يمتن الله به على عباده. والذائق المراعي لأصول الذوق ينصرف أكبر همه إلى الواردات والمكاشفات الإلهية1. وهي أنوار متلألئة تضيء سماء القلب، وأمطار براقة تتساقط على سهوله بغزارة. ويعالج العبد في ابتداء ذوقه كل ما هو لامع براق معالجة واحدة. وما ينتج عنها يصبغ حياته فيسير مسترشداً ومستأنساً بها. وهذا قد يبطئ سيره أو يطرحه أرضاً أو يلقي به في غيابات نفسه. فأنوار الواردات على صنفين أساسين، لوامع الحقيقة وبوارق الأدب.
لوامع الحقيقة
فالحقيقة أن كل فعل في عالمي الغيب والشهادة هو صادر عن الله وصائر إلى الله. فما من حدث أو وارد سواء كان ظاهره خيراً أو شراً إلا وهو على الحقيقة صادر عن الله. أي أنه في علم الله القديم، أراده بحكمته، وأوجده وأنفذه بقدرته، وانظر إلى قوله ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾2، فما من شر أو خير يصيب الإنسان إلا وهو مقصود لحكمة، وقوله تعالى ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَٰذِهِ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾3. فحقيقة أن كل فعل عن الله وبالله وإلى الله جلية لامعة في سماء الذوق، لا تخطئها عين مبصرة، ولا يغفل عنها قلب منتبه. فأسماء الله الحسنى وصفاته وأفعاله لوامع تومض وتتلألأ في فضاء القلب، فيلمح آثار الحقيقة المطلقة الباقية بأن فعل الله يسري في كل شيء حوله.
بوارق الأدب
والأدب ألا نعين فعلاً على التحديد، ونقول هذا فعل الله. خاصة فيما يتعلق بالواردات. فيقول العبد أنطقني الله بكذا، أو جعلني أفعل كذا، أو قذف الله في قلبي كذا. ولنا في قصة العبد الصالح مع رسول الله موسى عليه السلام عبرة ودرساً. فعندما كان يبين لنبي الله عليه السلام ما خفي عنه من أسباب خرقه للسفينة قال مبيناً ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾4، فنسب الإرادة إليه، وألصق فعل الإعابة به. ثم قال شارحاً علة قتله للغلام ﴿فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾5، فنسب إلى نفسه إرادة القتل، وإلى الله إرادة الاستبدال والإنعام والرحمة، فبدتا كإرادتين مستقلتين متناقضتين متكاملتين. ثم صرح مفسراً أسباب إقامته للجدار ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾6، فنسب هذه الإرادة والفعل الذي لا يشوبه أي مظهر من مظاهر الضر لله وحده بلا شريك. فالتزاماً بالأدب نسب إلى الله ما تراه واهن أبصارنا خيراً، وألصق بنفسه ما تدركه ضعيف عقولنا شراً. أما على الحقيقة ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾7. فالأدب كالبارق الذي يضيء سماء الذوق منبهاً ومحذراً ومضيئاً لما أعتم في القلب.
شهود المعرفة والمَحِلّ
والذائقون من عباد الرحمن من أهل الأدب مع الله أعيت عقولهم هذه الموازنة بين لوامع الحقيقة وبوارق الأدب. وتأوهت قلوبهم من ثقل التقلب بينهما. إذ أنهم يعرفون أنه لا شيء يجري في الكون إلا بإرادة الله، وما من حدث أو فعل أو جماد أو حيوان أو إنسان أو حياة أو موت أو أي شيء إلا وهو خلق الله، ولا شيء يصدر عن غيره أو يصير إلى أحد سواه. ولكنهم في الوقت ذاته يشهدون اختياره ذواتهم لتكون مَحِلّاً لتجليات أسمائه وصفاته وأفعاله. فالحقيقة شهود المعرفة، والأدب شهود المحل المُتَجَلَّى له.
أما الذائق من عباد الرحمن ممن قل أدبه فهو أجرأ على الله، إذ لا يفرق قلبه بين شهود المعرفة وشهود المَحِلّ. فيتحدث بالحقيقة حيث يجب الأدب، فينسب حديثه بالسوء عن الناس إلى حكمة لله خافية، وما أشعله من فتن إلى تدبير الله ومكره، وما أخطأ في حق نفسه أو العباد بمراد الله ونفاذ أمره، أو إلى انصراف القلوب عنه إلى صرف الله لهم. ويتحدث بالأدب حيث تجب الحقيقة، فينسب قدرته سبحانه وتعالى إلى نفسه، فيدعى لمَحِلِّهِ بركة أو قدرة أو قوة أو نوراً أو بياناً أو علماً أو توفيقاً. فيتكلم بالحقيقة حيث يجب الأدب، ويتلفظ بالأدب حيث تجب الحقيقة.
حقيقة الأدب
وحقيقة الأدب ليست مجرد تلفظ باللسان؛ وإنما هي بوارق تضيء من بين سحب الغفلة التي تمر بالقلب. فجوهر بوراق الأدب أنها:
يقين يصيب القلب بأن ظاهر الأشياء غير باطنها. وأن ما يبدو شراً قد يكون على الحقيقة خيراً، وأن ما يبدو خيراً قد يكون في جوهره شراً. فالله يعلم ونحن لا نعلم، وما أوتينا من العلم إلا قليلاً.
تفريق بين شهود المعرفة وشهود المَحِلِّ. فمن فرق بينهما صفا ذوقه وتوحيده، ومن خلط بينهما فقد ألقى بنفسه في جب خفي الشرك.
تعبير عن حدود وقصور نظر العبد إلى الفعل لا عن مطلق وواسع علم وإرادة الله بالفعل. إذ أن مراد الله من فعل العبد ليس معلوماً له يقيناً. فالقول السيء المتلفظ به هو اختبار لقائله وللمخاطب به وللمستمعين من الحضور ولمن بلغهم من الغائبين وأحياناً لمن علمه من الأجيال اللاحقة ولمئات السنين، فالفعل الواحد في حقيقته هو أفعال كثيرة وابتلاءات متباينة من الله لعباده، أما كل واحد منهم فهو لا يرى إلا صنيعه وفعله ولحظته ومكانه. فكيف يُقيَّدُ فعل الله المطلق بفعل العبد المحدود المشهود المتحيز بالزمان والمكان.
وصف لومضة عابرة يلمحها العبد تبعاً لحاله من تجلي فعل الله له. فالعباد مَحِلٌّ لفعله تعالى. هذا الفعل الذي يتجاوز بحقيقته قيود الزمان والمكان. فكل حدث في الكون هو فعل من الله وإلى الله، ويتجلى للعبد في لمحة فيظن فيه بما يناسب قلبه وحاله وتقواه وفجوره. فكلٌ يشهد الفعل وفق حاله، وهذا هو الاختيار. هو طريقة شهود أفعال الله في الكون الكائن بقبضته. فمن الناس من يرى في الفعل مُوجِب حرب ومنهم من يظن فيه داعي سلام، أو يشعل به فتنة أو يطفئها، أو يأكل بها لحم أخيه ميتاً أو يقول قولاً معروفاً كريماً سديداً. مثل الشخص الذي يرتدي نظارة فيرى الأشياء بحسب لونها، ويتفاعل معاه وفق إحساسه بقربها أو بعدها عنه. فالفعل واحد والمتفاعلون والمشاهدون له أودية وشعاب متفرقة.
خشية من الله وتعظيمٌ له وتنزيهٌ له من الافتراء أو القول عليه بلا علم. فالله تبارك وتعالى حرم القول عليه بلا علم ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾8. وهو أحد غوايات الشيطان لبني آدم ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾9. فتعيين فعل ونسبته إلى الله بلا إخبار منه تعالى في كتابه أو ما أوحاه إلى رسوله صلوات الله وسلامه عليه هو قول عليه تعالى بما لا نعلم ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾10.
إن آهات العبد المتقلب بين لوامع الحقيقة وبوارق الأدب هي صوت خرير ذوقه الذي يسري صافياً في قلبه، وتلعثم لسانه ونفور أذنه عند توهم الخلط بينهما هو علامة استيلاء صفو ذوقه على جوارحه. ولا يبلغ العبد عين التوحيد الخالص حتى ينجو من أخدود الحقيقة والأدب ويجتازه بسلام. فمن حيل بينه وبين اجتيازه تخبط في صخوره وضل في قاعه وأبطأت حركته أوحاله. ومن نجاه الله منه سرحت نفسه آمنة مطمئنة في سهول الذوق الواسعة. وأول الاجتياز الإبصار. فمن أبصر معالم الأخدود، فاضطرب قلبه وتحير، وتفكر في كيفية النجاة وتدبر، وتداعت أركانه تحت وطأة مراعاة الحقيقة ومراقبة الأدب وتزلزلت، وزاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، فقد بنى لنفسه جسراً يعبر عليه. ومن خلت سماؤه من البوارق أو عميت عيناه عنها أو ظن بريقها – لاختلاط فهمه – من لوامع الحقيقة، فعامل كل ما يراه مضيئاً معاملة واحدة، وسكنت نفسه واطمأن قلبه لما هو عليه من عمىً وخلط، فذوقه متعكر وطريقه متاهات.
- يمكن مراجعة أصل “الكشف طالب لا مطلوب” للتعرف على المزيد حول الواردات والمكاشفات الإلهية. ↩︎
- سورة الأنبياء. من الآية 35 ↩︎
- سورة النساء. من الآية 78 ↩︎
- سورة الكهف. الآية 79 ↩︎
- سورة الكهف. الآية 81 ↩︎
- سورة الكهف. من الآية 82 ↩︎
- سورة الكهف. من الآية 82 ↩︎
- سورة الأعراف. الآية 33 ↩︎
- سورة البقرة. الآية 169 ↩︎
- سورة الزخرف. الآية 82 ↩︎
جميع مقالات “أصول الذوق”


أضف تعليق