لا تركن إلى نفسك

النفس هي ذات الإنسان وحقيقته، وهي التي يجري عليها التبدل والتغير، فترتحل من عالم الذر إلى عالم الشهادة إلى عالم البرزخ إلى مواقف البعث والحشر والحساب، وهي محل الوعد أو الوعيد عند الموت، ومحل المثوبة بأحد الدارين، الجنة جعلنا الله من أهلها أو النار أعاذنا الله منها. فنفس المرء هي حقيقته، والجهل بها وبأحوالها وجبلتها وحيلها ورغباتها يجعل المرء أبكماً أصماً كفيفاً، أينما يحاول أن يوجهها لا تأتِ بخير.

ونفوسنا في الدنيا لا تزال في حيرة واضطراب وضجر وتأفف. فهي بعيدة عن موطن خلقها وإيجادها، ونائية عن دار قرارها، وتائهة في دروب غربتها، ومهما حازت من زينة الحياة الدنيا لا تدرك سعادتها. فهي إنما تستمد راحتها من اطمئنان القلب وسكونه عند مشاهدة ملامح الأوطان ولوامع الأنوار ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ1. فارفق بها، فإنها عابر سبيل طال سيره، ونفد زاده، وضعف خطوه، وزاغ بصره، يرنو إلى إشارة، ويبحث عن علامة، لعله يهتدي بها في سيره، أو يطفئ بها لوعة غربته، أو يدفئ بها زمهرير بعده، أو يأوي إليها بعد طول تشرده. ولا تركن إليها إذ كيف تدلك على ما تَجْهَلْ، أو تمنحك ما تَفْقِدْ، أو تهديك إلى ما تاهَتْ عنه، أو تعيدك إلى ما أُهْبِطَتْ منه، أو تعينك على ما ضَعُفَتْ عنه ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾2.

وما بين حنين النفس لموطنها وتكيفها مع زينة دار امتحانها تصيب النفس حالات كثيرة. فالوَجْدُ يسقي بذور تقواها، وتآلفها مع زينة الدنيا يسقي بذور فجورها ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾3. فليس للنفس حالة واحدة؛ بل لها حالات وتفاعلات متباينة من هذا المزيج. فأحياناً تستتر وراء حاجز القلب فلا تراها وتظن أنها استسلمت وزكت، ولكنها في حقيقتها لم تزل متمردة على غربتها وامتحانها، وإنما استترت متحايلة. وقد تبدو شرهة مترهلة تعتلي صهوة القلب مسيطرة عليه، تسوقه حيث شاءت ليلبي الجسد شراهتها ورغباتها. وقد تبدو متكبرة متعالية تقف فوق عربة القلب الملكية ممسكة بلجامها في عزة وكبرياء كقارون وهو يتبختر خيلاء في موكبه. وأحياناً تكون ساجدة تستند بظهرها إلى جدار القلب مستكينة مستسلمة وخاشعة. ومثل ذلك مما يكثر من حالات النفس. وهي حالات كلها تطرأ على النفس الواحدة. فنفوسنا ليس لها صفة واحدة؛ وإنما أحوال وأشكال وصفات شديدة التباين والتناقض. وتزكية النفس وتهذيبها يقتضي استقصاء حالاتها المتباينة، والتعامل مع كل حال بما يناسبه. فتحتاج النفس تارةً إلى تشجيعها على الفعل، وتارة أخرى إلى حثها على الترك. وما بين الفعل والترك تسير النفس في طريق التزكية، وتعرج إلى معارج القرب والزلفى.

واعلم أن للنفس نوازع تتطلع إليها، وبواعث تحثها على الفعل والترك. وما من حركة أو فعل إلا وللنفس فيها حافز محرك، وما من سكون أو ترك إلا ولها فيه سبب مُوجِب. ولا تخرج تلك النوازع والبواعث – سواءً كانت واضحة صريحة أو خفية مستترة – عن أحد علتين، إما سعي إلى الأوطان وإذكاء شعلة الأشواق بالحرص على الاِدِّكار، أو تشبث بزينة المنفى وتأجيج جذوة وهم التحرر والتمرد بالعزم على النسيان. فالنفس إما حريصة على التذكر أو عازمة على الغفلة. فمن أراد لنفسه النجاة فلينظر في أصل الباعث لحركاته وسكناته، وليطاردها بالأسئلة حتى يتضح له علة كل فعل وترك.

والغالب أنه لا توجد نفس مدكرة بلا غفلة، أو ساهية تماماً بلا تذكر. فنفوس الخلق ينتابها التذكر والغفلة؛ بل يغشاها كلاهما في الفعل الواحد، ويعتريها كلاهما في اللحظة ذاتها. فلا يركنن أحد إلى نفسه أو يطمئن لها، فهي دائماً تعاين الضدين. ولهذا كثر تأففها وسأمها، وتاهت عنها سعادتُها واطمئنانُها.

هذه الأحوال المختلفة للنفس تتجلى في صفاتها المجبولة عليها. وصفات النفس على أربع أنواع:

النوع الأول يتعلق بصفات الربوبية كالكبرياء والفعل والحمد. فهي ترى نفسها فاعلة مدبرة متحكمة مهيمنة عالمة، ومن ثم تستحق الشكر والمدح والحمد على حسن فعلها وواسع علمها وعلو مكانتها، وهذا يصيبها بالكبر والتعالي.

وهناك صفات العبودية مثل الخضوع لله والفقر إليه والحب والرحمة. فالعبد المتذلل لمولاه يخضع له، ويحتاج ويفتقر إليه في كل حالاته، ثم هو محب له، ومشفق رحيم بغيره من عبيد مولاه.

والنوع الثالث الصفات الحيوانية المتعلقة بحقيقة الجسد مثل الأكل والنوم والتزاوج وطلب الراحة.

وأخيراً الصفات الشيطانية مثل العناد، والكذب، والخداع، والإغواء.

فنفس كل عبد من العباد لها نصيب من كل نوع من هذه الصفات. ولذلك لا تتطابق نفسان أبداً، حيث إن لكل نفس المزيج الخاص بها، وعلى حسب هذا الخليط تكون طبيعة الابتلاءات ومعايير النجاة والفلاح، ومعالم طريق الارتقاء الروحي الخاص بالعبد. وهذا من بديع خلق الله وقدرته على الخلق. فلا تكرار في هذا الكون، لا تتكرر نفس مرتين، ولا يتكرر ابتلاء مرتين، ولا تتشابه أبواب الطريق إلى الله. لذلك قالوا قديماً الطرق إلى الله بعدد السالكين. فهو طريق واحد في أصله، ولكن كل يدخله أو يسير عليه بما يناسب تفرد نفسه وبلائه وتركيبه. وزكاة النفس تكون بالتخلص من صفات الربوبية التي لا تنبغي إلا لله تبارك وتعالى، ومن الصفات الشيطانية المؤدية بالعبد إلى مصير الشيطان وجنده، وتعظيم صفات العبودية وتعميقها في النفس، وضبط الصفات الحيوانية بمقتضى الشرع. فكمال التزكية هو اختفاء الصفات الربوبية والشيطانية، واعتدال الصفات الحيوانية، وبروز صفات العبودية. وهلاك النفس يكون بعكس ذلك. وكلما اجتهد العبد في معرفة نفسه زكت وانتقلت من مقام لمقام.

ألا يسكن العبد إلى نفسه، ولا يرفعها إلى مقام الاطمئنان. فالله تبارك وتعالى إنما وصف القلوب بالاطمئنان ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ4، ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِ﴾5، ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا6. أما نفسك فلا تركن إليها إلا عند سماع خطاب ربها لها منادياً وواصفاً ومادحاً ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾7، إذ لا طمأنينة إلا عند معاينة دار القرار، ولا يرفعها مقام الاطمئنان إلا وصف ربها لها، فإذا ما رفعت إلى هذا المقام فاعلم أنك بين يدي الله الرحمن الرحيم.

أن يترفق العبد بنفسه. والرفق لا يعني أن يرفعها فوق مقامها، أو يغض الطرف عن غفلتها؛ بل أن يراعي أنها في متاهات غربتها تحتاج إلى دليل، وأنها لا تستغني عن طمأنينة القلب إذ باطمئنانه راحتها. فيبذل جهده في إرشادها، ويطلب سكينة قلبه ففيه راحتها.

أن يترفق العبد بنفوس العباد أجمعين. فكل النفوس كنفسه، ولا تغرنه صور الأجسام ومظاهر المتع والزينة واللذات، فكل النفوس تائهة حائرة. فلينصح وليعف وليصفح ما أمكنه ذلك. وليأخذ على يد الظالم فإن كمال النصح والعون والشفقة في أخذه عليها.

أن ينصت إلى نصح الصديق وذم العدو. فلعل كلمة تدله، أو وصفاً يهديه.

أن يتطهر باطنه من الصفات الربوبية والشيطانية، فلا ينازع الرب في صفاته فينتزعها من نفسه، ولا يشارك الشيطان في رذالاته فيطهر نفسه منها. ومع كل انتزاع وتطهر تسمو النفس وتلمح معالم موطنها.

 أن تمتلئ سريرته بصفات العبودية. فيشهد قلبه حقيقتها، ويتأدب بآدابها، ويعمل مقتضياتها.

أن تمسك جوارحه عن الإسراف في الصفات الحيوانية. فيقصد الاعتدال وينأى بنفسه عن الإسراف ﴿وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾8.

إن هذا الأصل ركن أساس في تعامل السائر على طريق الذوق مع نفسه التي تصحبه في طريقه. واعلم أن رأس هذا الأصل أن تَصْدُقَ مع نفسك في تعرفك عليها وفي استكشاف أسرارها، فلا تغض الطرف وتتعامى عما يسؤك منها، ولا تبالغ وتعظم ما تحب منها. فمن فعل ذلك أحسن الظن بها وهماً لا حقيقةً. فحسن ظنه بنفسه كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ ۗ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ9.


  1. سورة الرعد. الآية 28 ↩︎
  2. سورة الحج. من الآية 73 ↩︎
  3.  سورة الكهف. الآية 7 ↩︎
  4. سورة الرعد. الآية 28 ↩︎
  5. سورة آل عمران. من الآية 126 ↩︎
  6. سورة المائدة. من الآية 113 ↩︎
  7. سورة الفجر. الآية 27 ↩︎
  8.  سورة الأنعام. من الآية 141 ↩︎
  9. سورة النور. من الآية 39 ↩︎

أضف تعليق