إن انضباط السائر على طريق الذوق بالأصلين السابقين مركزية الله، والاستسلام لأسر “شيء” يؤدي به إلى الأصل الثالث، وهو شهود قلبه لحقيقة نفسه وجوهر ذاته، فيعلم أنه ليس إلا عبداً.
والعبودية من أخص المقامات والمنازل التي يصل إليها العبد في سيره إلى الله تبارك وتعالى. ولها مظهران، خارجي متعلق بالجوارح وأشكال العبادات من صلاة وحج ونوافل وغيرها من الأعمال الصالحات، وداخلي متعلق بشهود القلب للعبودية لمولاه. والمظهر الخارجي من العبادات يسهل التحقق به لمن يسره الله لفعل الخيرات، أما الداخلي فطريقه الذوق والمجاهدة والتفكر لمن اجتباه الله لعبوديته.
والمقصود بشهود القلب للعبودية لمولاه أن يدرك حقيقة ذاته، وجوهر نفسه، ووصفها ونعتها. فصميم حقيقة الإنسان أنه عبد لله، قائم بين يديه في مقام الذل والعبودية، لا فرار ولا فكاك من عبوديته للملك العزيز الحكيم، إذ كيف يمكن الهروب ممن وصف نفسه قائلاً ﴿مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾1. والدابة كل ما فيه روح ويدب على الأرض. وآخذ بناصيتها إشارة إلى مطلق الخضوع والذل والوقوع تحت القهر. فنحن عبيد ناصيتنا بيد الله تبارك وتعالى، ولا فكاك ولا هروب من يده سبحانه وتعالى. ثم إن هذا الوصف ينسحب على كل من حولك من بني آدم، فليس ثمة أحد إلا وهو عبد، ولا يزيد وصف حقيقته على ذلك قيد أنملة. وكل صفة أخرى فهي عارضة. فصفات الجسد إلى زوال، وكل علوم العقل وما تلحقه بالإنسان من نعوت تفنى بفناء الدنيا، وكل صفات النفس في تبدل وتحول، وليس من صفة حقيقية ثابتة ملازمة للإنسان منذ ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾2 وحتى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾3إلا صفة العبودية لله.
واعلم أن العبيد بين يدي مولاهم على أصناف ثلاث: عبد آبق هارب، وهذا يشد وثاقه بالمواثيق ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ﴾4، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۙ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾5. وعبد مكاتب متوهم الحرية، وهذا تبرم معه العهود والوعود ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾6، ﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾.7 وعبد مخلص لمولاه لا يسعى لهروب ولا يتوهم حرية ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾8. فاغمس قلبك في أوحال نفسك وانظر أي نوع أنت من هؤلاء، مخلص أم آبق أم متوهم للحرية.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” في طريق الذوق يعني التسليم بأن الحرية عن الله سبحانه وتعالى غير ممكنة لقوله ﴿نَّحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾9 وقوله ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾10. فالحرية التي يسعى إليها البشر على اختلاف أشكالها لن تخرج عن كونها محاولة افتكاك من قهر المخلوقات أو الأحداث الكائنة في الدنيا. وفي حقيقتها هي ليست انفلات من الخلق؛ وإنما إعادة رسم العلاقة مع الخلق بما يوافق رغبات النفس وأهوائها. فهي نظر إلى ما خلق الله تبارك وتعالى ونسبة النفس إلى هذا الخلق. فهي انغماس في النفس، واستغراق في نسبتها إلى أشياء عالمنا. أما العبودية فهي افتكاك من الدنيا كلها بالنظر إلى الخالق والنسبة إليه. ليس ذلك فحسب؛ بل هي افتكاك من النفس وأفعالها وإراداتها وشهواتها وقلقها وخوفها وجزعها وأمانيها، والاستغراق في مشاهدة من بيده ملكوت كل شيء. فما ثم إلا ملك قادر قوي عظيم علي كبير عزيز متعال رحيم رؤوف غفور عفو حكيم خبير عليم سميع بصير. فكمال العبودية انغماس في تجليات إرادته، واستغراق في مشاهدته جل ثناؤه، في الدنيا وفي الآخرة.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يسقط من نفسك دعوى الملكية. فليس لعبد أن يدعي أن ما أعطاه مولاه – من الهيئة الجسدية والبنية النفسية والعقل والمهارات والقدرات والعلوم والمعارف والعلاقات – للقيام بما كلفه من واجبات قد صار ملكاً له. فالعبد كله لمولاه، وواجباته في الدنيا لمولاه، وما اختُصَّ به من نعم لمولاه.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يسقط من نفسك دعوى الربوبية. إذ أنه ليس للعبد من الربوبية شيء، وتعالى الملك عن العبودية في كل شيء. وبقدر ابتعادك عن شهود عبوديتك لله تنازعك نفسك في بعض صفات الربوبية، فتدعي الكبر والتعالي والعلم والقوة والقدرة والحكمة والحكم. فلا تنازع الرب في صفاته، فإنما هو وهم النفس وتزيين الشيطان.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يغمر نفسك بالافتقار والضعف. إذ أن اكتساب كل علم ومهارة ومال وذرية ونسب وغيره من أشكال ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾11 يورث في النفس قوة وأنفة وعزة. وكلما قويت مظاهر التكاثر، قويت النفس وتكبرت وأبت عن الخير. لذا فالعبودية تردع عمل هذه المظاهر في النفس. فما يزيد الكسب العبد إلا افتقاراً وذلاً.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني الحرص على ما يريد الملك لا على ما تريد النفس، وهذا هو الخروج عن الإرادة.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني عدم منازعة المولى فيما فعل وحكم وقدر وقضى، وهذا هو التسليم.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني المسارعة إلى فعل ما أمر وما يحب، وترك ما نهى عنه وما يبغض، وهذه هي الطاعة.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني رؤية الذات جاثية وسط العبيد بين يدي الله، وليس لها أي وصف ولا نعت فوق ذلك، وهذا هو مشاهدة العبودية.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني رؤية صفات العلو والعظمة والعزة والقوة، وهذه هي الخشية والهيبة.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني رؤية صفات الرحمة واللطف والرأفة والوسع والعطاء، وهذا هو الرجاء.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني رؤية جمال كماله وكمال جماله بما يتحمله القلب ويستوعبه، وهذا هو الحب والشوق.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني مشاهدة قرب الملك من عباده، وعلمه بسرهم وجهرهم، وهذه هي المراقبة والأدب.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني مشاهدة ربوبية الملك وما عنده من خزائن السماوات والأرض، وهذه هي الذلة والافتقار.
وشهودك حقيقة “إنما أنت عبد” يعني رؤية كل شيء بنسبته إلى الله لا إلى نفسه. فما ثم غير الله، وهذا هو شهود المولى سبحانه وتعالى.
فالعبودية نهاية المقامات والمنازل، وعاقبة المجاهدات والمكابدات. ومن لم يعد إلى حقيقة ذاته ويشهد قلبه عبوديته لله رب العالمين، لم يتجاوز في عبوديته أفعال الجوارح، أو لم يذق إلا عبوديته لنفسه. فالسائر على طريق الذوق عليه أن يلزم نفسه بإدراك حقيقتها، فيلزم حدوده مع مولاه، فإنما هو عبد.
إن روح العبودية أن تكون مع أمر الله لك كوقت أمرك “كُنْ” فكنت. بلا منازعةٍ ولا معارضةٍ ولا مجادلةٍ ولا فكرٍ ولا كبرٍ ولا نفسٍ ولا اختيارٍ ولا تدبيرٍ؛ وإنما تمام الامتثال والخضوع. واعلم أن من ترك ظاهر العبودية من أشكال العبادات من الفرائض أو التطوع اتهمته أدوات الشريعة في إسلامه، ومن ترك باطن العبودية من ذوق القلب لها امتحنه الصراط يوم القيامة في إيمانه. فكن للملك عبداً، والزم صفات عبوديتك، فإنما هي حقيقتك وبها نجاتك.
- سورة هود. من الآية 56 ↩︎
- سورة الأعراف. الآية 172 ↩︎
- سورة هود. الآية 107 ↩︎
- سورة البقرة. من الآية 84 ↩︎
- سورة الحديد. الآية 8 ↩︎
- سورة البقرة. من الآية 40 ↩︎
- سورة آل عمران. الآية 76 ↩︎
- سورة الصافات. الآية 40 ↩︎
- سورة الإنسان. الآية 28 ↩︎
- سورة مريم. الآيات 94 – 95 ↩︎
- سورة التكاثر. الآية 1 ↩︎
جميع مقالات “أصول الذوق”


أضف تعليق