أصول الذوق

تبدو حياة الإنسان للناظر إليها جماعية واجتماعية. إذ أن مصالح الفرد لا تتحقق إلا بالمجموع، وكلما اتسع العمران كان تحقق المصالح أسرع وأنفذ. ومع تطور أشكال التجارة والصناعة والتكنولوجيا والتعليم وغيرها زادت حاجة الفرد إلى من حوله، فلا شيء يقوم به منفرداً؛ وإنما تقوم جوانب الحياة بتعاون المجموع. كما أن القاعدة العامة الملحوظة أن الفرد يعيش في محيط من الأسرة والعائلة والأصدقاء والجيران، منذ ولادته وحتى مغادرته لعالمنا المنظور. فيبدو الأمر وكأنها رحلة جماعية تسير فيها البشرية إلى وجهتها النهائية.

وبالرغم من هذا المظهر الجماعي الطاغي، إلا أن الرحلة في حقيقتها فردية بحتة. فالمرء يسير في دروب الخلق والإيجاد وحده، ويذوق كأس الموت وحده، ويخوض غمار مشاعره وأحاسيسه وسكونه واضطرابه وحيرته واهتدائه وحزنه واشتياقه وحده، ويحادثه الكون والخلائق والنفس في نومه وحده، ويعمر داره تحت الأرض وحتى البعث وحده، ويحاسبه ربه وحده. فالرحلة تبدو في ظاهرها جماعية، ولكنها في باطنها فردية بامتياز. ولظاهر الرحلة أدوات ولباطنها أدوات أخر.

وأدوات الظاهر هي كل ما يحتاجه السائر في محيطه من العلوم والمهارات والسلوكيات وغيرها من القدرات سواء الشرعية أو الحياتية. أما أدوات الباطن فهي كل ما يحتاجه الإنسان لتزكية نفسه لتضمن نجاتها وسكينتها واطمئنانها في جميع العوالم والمراحل التي تمر بها في رحلتها. وإذا كان رأس أدوات الظاهر العقل والنظر والاستدلال، فإن أدوات الباطن يتصدرها القلب والذوق. ولا تخلو الرحلة الجماعية من قلب وذوق، كما لا تخلو الرحلة الفردية من عقل ونظر.

وموضوع هذه المقالات هو ذلك المنهج الذوقي، الذي لا يقوم بالأساس على منهج النظر والاستدلال. ولما تعددت الأذواق بعدد الخلق اختلفت مناهج الذوق ومدارسه. ومع ذلك يمكن تقسيم علوم الذوق إلى فرعين أساسين يندرج تحتهما كل مدارس وأفكار تزكية النفوس.

أولهما علم الرياضة الروحية، وهو العلم الهادي إلى طريق الاستغراق في المعارف الإلهية، والتوجه إلى الأنوار الصمدية، وشهود ربوبية الحق تبارك تعالى، وشهود أسمائه وصفاته وأفعاله وهي تدبر كل صغيرة وكبيرة. ويتدرج الخلق في المقامات والمراتب للوصول إلى أعلاها وهو شهود التوحيد قلباً. وتحت هذا العلم برزت كتابات رائدة مثل منازل السائرين للإمام الهروي، ومدارج السالكين الذي سار فيه ابن قيم الجوزية على درب الهروي، ولكن برؤيته وتجربته الذوقية، ثم هناك الكثير من أعلام هذا العلم مثل الشيخ عبد القادر الجيلاني، ومحيي الدين ابن عربي، وفخر الدين الرازي، والنفري، وابن عطاء، والقشيري، وغيرهم الكثير.

ثانيهما علم الأخلاق، وهو العلم الهادي إلى طريق أصحاب اليمين، ويقوم على الالتفات إلى العالمين، فتارة يترقى العبد في منازل الخضوع والخشوع والعبودية، وتارة يلتفت إلى الدنيا مدبراً لأمورها ومصرفاً لأحوالها. وهؤلاء أهل النعيم من أصحاب اليمين والمقتصدين. وفي هذا العلم انتشرت كتابات وبرز رواد مثل الحارث المحاسبي، وابن الجوزي، وأبو طالب المكي، وأبو حامد الغزالي وغيرهم الكثير.

ويختلف الذوق عن غيره من الفنون والعلوم الإسلامية كونه منتج متعلق بمتغيرات ثلاث خفية:

أولها عملية التذوق: التي هي من خفي الأمور التي لا يمكن الوصول إليها بالنظر والاستدلال. وليس ذلك وحسب؛ بل إنها تجربة شخصية، ولا يتطابق ذوق الشيء الواحد لدى شخصين البتة. فلكل فرد دراية وإحساس فريد بنكهة السلوك لا يشاركه فيه أحد من الخلق. وإنما يكون التشابه في التعبير والإفصاح والشرح لعجز العبارة عن وصف الذوق. لذا يكتفي الذائقون بالتصنيف فيقولون هذا حلو وهذا مر، وهذا حزن وهذا فرح، أما على الحقيقة فلكل شخص خبرته الذوقية. ومن ثم فالمتكلمون في الذوق إنما يصفون أذواقهم بعجز عن النعت والإيضاح، فيتلقى القارئ والمستمع والطالب وصفاً منقوصاً لذوقٍ بذوقٍ مغاير ومتباين، فيستحيل التماثل والتطابق.

وثانيها النفس: فالذوق هو أداة الفرد في الارتقاء بنفسه لتكون قادرة على خوض تلك الرحلة الفردية الباطنة. وبالرغم من كون النفس ظاهرة جلية بوجودها، إذ لا ينكر أحد وجود ذاته، ولا علمه بوجوده، ومع ذلك فهي من أخفى العلوم وأبعدها عن الدقة، ويتوه المرء في صحراء نفسه فلا يبصر مدنها ومبانيها، ويغرق في بحار مشاعره فلا يصل إلى شواطئها مراسيها، فكيف يزكي الإنسان ما خفي عنه، بل كيف يرشد الآخرين إلى تزكية نفوسهم، التي هي أشد التباساً عليه، وأعظم غموضاً عنه. فهي خفاءات وغموضات بعضها فوق بعض.

وثالثها مصالح المعاد: فالعلوم الإسلامية ما بين إرشاد الخلق وتنظيم مصالح معاشهم في الدنيا أو معادهم في الآخرة. وبينما مصالح المعاش مشهودة لنا في دنيانا، فإن مصالح المعاد غائبة عنا، ولا ندرك قواعدها، فهناك عبد يدخل الجنة والنار في كلب أو هرة، وشهيد يعذب، وقاتل ينعم، وعابد يبعد، وعبد لم يسجد لله سجدة واحدة يقرب، إذ أن مآلات الآخرة متعلقة بأحكام الحق والعدل تبارك وتعالى، وهي مما اختصه جل ثناؤه لنفسه ولم يشرك فيها معه أحداً من خلقه. ومنهج الذوق متعلق بالنجاة والفوز عند لقاء الله سبحانه وتعالى، ولم يفوض الله أحداً من خلقه بأن يخبر الخلق على التعيين بنجاة وفوز أو خيبة وخسران.

وبالرغم من اجتهاد العلماء والأولياء والوعاظ، إلا أن هذه الطبقات من الخفاء نتج عنها فجوة بين إلقاء الواعظ وتلقي المستمع، وبين شرح العالم وفهم الطالب، وبين تحقيق الشيخ وسلوك المريد، وبين الدليل الشرعي والتجربة الذوقية. أضف إلى ذلك خلط الكثيرين بين علم الرياضة الروحية وعلم الأخلاق، فانطلقت الأذواق في غير محلها، وشرحت الأقوال خارج سياقاتها، وقلدت التجارب الروحية في انفصال عن علومها. فكانت الشطحات، ولي أعناق النصوص للتدليل على الأذواق، وتحول بعض التجارب الذوقية إلى تعبد وتسنن، ومن ثم استبيحت محارب الذوق، وحوصرت ساحات القلب، حفاظاً على نقاء الشرع وسلامة العقل.

إن الهدف من هذه السلسلة هو إعادة إعمار طريق الذوق، بوضع أصول للسير، وتشييد أسس سليمة للارتقاء، ورسم معالم تكشف عن تفاصيل الطريق، وتركيب إضاءات تنير ما خفي من مطباته ومزالقه، وسَنِّ قواعد تضبط مداخله ومخارجه. إن “أصول الذوق” هدفها إرشاد الراغبين في الانتباه إلى رحلتهم الفردية إلى ضبط كيفية التعامل مع الذوق وما يوصل إليه وما ينشأ عنه.


أضف تعليق