بدأت الرحلة الروحية مع أصدقاء مقربين، وأقصد هنا من التحقوا بالبرنامج من طرفي، فهناك آخرون تشرفت بمعرفتهم في البرنامج، وأغلب المشاركين في البرنامج جاءوا بالأساس للعلاج، فقد كانوا يشتكون من بعض المشكلات التي تنغص الحياة، وتم علاجها بفضل الله، ثم بدأ برنامج إعدادهم كمعالجين.
وهنا أشير إلى مجموعة كانت معنا لكنها غادرت خلال العام الأول، ومنهم من غادر خلال أشهر، منهم من كان يستشيرني قبل أن يفارق، ومنهم من ذهب مغاضباً، في الحالتين حرصت على التواصل معهم، وكنت أوضح لمن يستشيرني وجهة نظري آنذاك في اعتراضاتهم، فكنت أتفق مع بعضها وأختلف مع الآخر، لكنني أفتح للمستاء الباب، فالخروج من الطريق ليس خطأ، إذا لم يطمئن العقل والقلب، وكنت مهتماً بالتعلم من تجربتهم، ومعرفة الأسباب التي تجعل شخصاً يستفيد بدرجة ما من العلاج، لكنه يرفض إكمال الطريق.
ويمكن تلخيص أسباب من فارقونا مبكراً في التالي:
عدم التشافي
فأول من فارقونا سريعاً من تعرضوا للبرنامج العلاجي ولم يحصدوا النتيجة المرجوة في التعافي، قد يكون هناك تحسن في الحالة، لكنه ليس المستوى الذي يأملونه، فكانت بالنسبة لهم تجربة مثل تجارب أخرى مروا بها سعياً للتشافي.
عدم الشعور بشيء
وهذا صنف آخر، ربما دفعه الفضول لخوض تجربة الكشف والعلاج، لكنه فعلياً لا يشكو من شيء يُذكر، فحين يقال له في التشخيص أن لديك مس شيطاني أو تلبس، ثم يُقال له بعد برنامج العلاج أن الإصابة انتهت؛ حينها لا يجد حماساً للاستمرار، فابتداء لا يوجد ما يدفعه لتصديق التشخيص، ثم إنه لا يشعر بأعراض أو تغير يُذكر قبل وبعد العلاج، هذا الصنف قد يعتبر الموضوع أقرب للخرافة، أو في أحسن تقدير يعتبره موضوعاً لا يهمه.
المنهج
كان البعض معترضاً على المنهج، ويقصدون به تخصيص الأوراد بالشكل الذي تم عرضه، باعتبار أنه في بعض تفاصيله ليس له سند من كتاب وسنة، وأيضاً تصورهم أن عملية الكشف ليست إلا تطوير قدرات للتواصل مع الجان، الذي يكشف ويعطي المعلومة للشخص.
كما يأتي في الاعتراض على المنهج غياب تزكية النفس عن البرنامج، حيث يتضخم الحديث عن اكتساب قدرات روحانية بدون الإشارة تماماً إلى تزكية النفس، فقد كان البرنامج يتسم بالعملية في مسار تطوير القدرات، فلا يوجد سوى التزام بالذكر، ثم طرق بوابات الغيب، وهو ما لم يكن مقبولاً لهم، بل كان يوصف بالكارثي.
الكشف
ويشمل الكشف صنفين:
كشف على المصابين: فقد يعرض الشخص بعض الحالات من طرفه، ويتم التوسع في الكشف من قبل من يقوم بالكشف، كالحديث عن صفاته الشخصية، فلم يكن الكشف صحيحاً من وجهة نظرهم، فالصفات لا تنطبق عليهم، وهو ما جعلهم يشعرون بعدم جدوى الكشف إن كان يحتمل الصحة والخطأ.
كشف على الشخص نفسه: ففي برنامج الارتقاء الروحي كان يتم الكشف الأسبوعي على الشخص، وكان الكشف يشمل: معرفة مستوى الأنوار عنده والتي تعكس غالباً اتباع البرنامج، ومستوى الطاقة، ومستوى جدار الحماية الذي يحمي من الشياطين، وأحياناً يتطرق الكشف إلى أمور حياتية شخصية ظهرت في الكشف.
هذا الكشف لم يكن مستساغاُ لديهم، خاصة أنه لم يكن بالضرورة صحيحاً في كل مرة، وتحديداً في أمور الحياة، كما كانت تعرية النفس أمام إنسان – أياً ما كان- بهذا الشكل خانقة بالنسبة لهم، أما بخصوص الأوراد فبدأوا مع الوقت يشعرون أنهم يؤدونها حتى تظهر الأنوار في الكشف، فمثلاً يزيدون من الذكر قبل الكشف، لم يرقهم سلوكهم، فأنكروا أنفسهم وإخلاصهم لله.
وقد يصدق الكشف ويبين أموراً سلبية في الحياة لا يريد الشخص أن يُطلع عليها أحداً، مثل المعاصي، وتكون الأزمة حين يأتي الشخص بصيغة أقرب للتحقيق، أين كنت بالأمس؟ مع من؟ في النهاية هذه الطريقة قد تكون غير مستساغة للبعض، خاصة إن ارتبطت بمعصية سترها الله.فقدد لا يتمكن الشخص من التوقف عن معصية بعينها، لكنها تظل بينه وبين الله، ولا يقبل أن تتحول إلى استجواب بشري. لذلك كان كشف المعصية أحد أسباب النفور والمفارقة لدى البعض.
الارتياح الشخصي للمعلم
وهو أمر أساسي، فإن لم يتوفر الارتياح الشخصي للمعلم فيصعب على الشخص أن يكمل الطريق، وهذا أمر متعلق بتلاقي الأرواح أو ما نسميه الكيمياء بين الأفراد، والمعلم إنسان في النهاية، هناك من سيرتاح له طبعاً وخلقاً، وهناك من لن يشعر بالراحة.
وتأتي طاقة المعلم أيضاً لتلعب دوراً، وأعني بها الشعور المباشر بالراحة أو الانقباض للقائه، فكان البعض يشكو الانقباض والنفور، وكان للمعلم تفسير لهذا الأمر، فطاقة العلاج المحيطة به هي بالأساس أتت لدفع الشياطين، فالشعور بالنفور سببه خوف أو تألم الشياطين المصاحبة للمصاب، كان هذا هو التفسير الشائع. في النهاية كان هذا سبباً من أسباب نفور البعض من البرنامج، وعدم الرغبة في الاستمرار.
الثقة في علم المعلم
ذكرت أن منهم من كان يرى المعلم يخطئ في كشفه، ومنهم من كان يراه يخطئ في تفسير الأحلام، كما لم يكونوا مقتنعين بدرجة ما بالشرح النظري والتفسيرات التي يقدمها، ويمكن تلخيص سؤال الثقة في: كيف أسلم نفسي – رغم وجود الأخطاء – لشخص يبرمج عقلي حتى لو بحسن نية؟ خاصة إن لم يكن ينتمي لمدرسة لها جذور تاريخية معروفة يمكن الرجوع لأدبياتها، وكان البعض يرى أن هذا العلم ليس إلا علم من علوم الجان، وهذا هو سبب أنه يخطيء ويصيب.
كثرة الحديث عن الجن
كان من بين من فارقونا من لم يستسغ كثرة الحديث عن الجن، مما أثار شكوكهم أن كل ما يجري في العلاج ليس سوى استعانة بالجن، وهو ما كانوا يفرضونه، وهو ما كان ينكره المعلم أيضاً، حيث كان دائم القول أن الجن لا يمثل سوى نسبة ضئيلة جداً في العلاج، ربما 2%، ودون أي طلب مباشر، ولكنه التأييد الإلهي. لكنهم لم يقتنعوا بما يقوله المعلم، ونسبة الـ2% لم تشفع لصالح الاستمرار، والسبب الأساسي كثرة الحديث عن الجن.
لست بصدد تقييم أسباب الفراق من وجهة نظري، ففي النهاية هذه الأسباب قادت إلى فراق البعض للبرنامج، وإن كانت أسباب الفراق فيها تجني في نظر بعض من أكملوا البرنامج؛ فسيكون السؤال: ما الذي دفع لتكوين هذه الصورة عند أولئك الذين فارقوا؟!
لذلك لست بصدد تقييم الأسباب، لكنني فقط أطرحها ليستفيد منها كل معلم أو سائر في الطريق، لعله يصحح أسلوباً أو يقوم منهجاً.
أما الجزء الإيجابي، أن التجربة بالنسبة للمفارقين لم تكن كلها سيئة، فرغم أن هؤلاء الأحبة فارقونا مبكراً، إلا أن أغلبهم ما زال ممتناً للبرنامج، لأنه دلهم إلى طريق ذكر الله ومعاداة الشيطان.
وائل عادل
7-1-2026
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق