أؤمن أن الهداية في كتاب الله، وأن السلامة في اتباع منهجه في التعامل مع القضايا المختلفة، ومن الموضوعات التي تهمنا هنا موقف القرآن في التعامل مع الجن.
سنلحظ بصفة عامة في القرآن خطاً أساسياً، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالتوجه، وتحرير الإنسان من كل أشكال الشرك والوثنية، كعبادة الأصنام والجن والملائكة وغيرها، فهذه أول قضية تهمنا، الاحتراس من الوقوع في الشرك بالله.
أما في علاقة الإنسان بالجن فقد بحثت عنها في القرآن، فلم أجد آية واحدة تحث أو تشير للتعاون الإيجابي بين الإنس والجن بصفة العموم، وليس ما خُص به سليمان عليه السلام، فالتسخير ليس تعاوناً، ولكنه كان إخضاعاً بأمر إلهي، وانتهى الإخضاع برسالة سنذكرها في موضعها هنا، أما الدعوة للتعاون العام في القرآن فوردت فقط في صيغة التحدي.
“قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَـٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا” (الإسراء: 88)، أما الآية الأخرى في سورة الرحمن فلم تتحدث صراحة عن التعاون، وإنما الخطاب المشترك في سياق الوعيد، “سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا ۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ(33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنتَصِرَان (35)، كما نجد حديث الجن أنفسهم عن مألات استعاذة الإنس بالجن، “وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا”. (الجن: 6)
نجد بعد ذلك مجموعة أخرى من الآيات تتحدث عن المصير المشترك للإنس والجن في النار، لكنها لم تتحدث قط عن المصير المشترك لصالحي الإنس والجن في الجنة، هذا التركيز له دلالة في المسار الذي يريد الله توجيه الإنسان له، فيرسم فقط صورة عذاب الإنس والجن في النار، دون أن يذكر ولو في آية صريحة المصير المشترك لهم في الجنة.
والآيات كثيرة في هذا الباب نذكر منها قول الله تعالى:
“وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ” (الأنعام: 128).
وهنا نجد الاستكثار موجود في الآية، وهو شكل من أشكال التعاون أو التعامل، لكنه يأتي في معرض الذم والوعيد بالخلود في النار.
ومن الآيات قول الله تعالى:
“وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَـٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ
بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَـٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ” (الأعراف: 179). وغيرها من الآيات التي تتحدث عن المصير المشترك في النار.
بل حتى تسخير الجن والشياطين لسليمان عليه السلام، يُختم بصيغة قد تكون محبطة لمن يريدون معرفة الغيب عبر الجن، حيث يؤكد الله في نهاية القصة معلومة حول إمكانات الجن،
“فلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي
الْعَذَابِ الْمُهِينِ” (سبأ: 14). هكذا تنتهي القصة في سورة سبأ، لتجهض حلم التسخير وإمكاناته في وعي الإنسان، فالجن الذين يزعمون معرفة الغيب لم يعرفوا موت سليمان عليه السلام وهو أمام أعينهم، وكأن المعنى أن نهاية عصر سليمان عليه السلام إعلان لمحدودية معرفة الجن بالغيب، وهو ما سيتطلع إليه الإنسان لاحقاً من التعامل مع الجن، حين يطلب العون على معرفة الغيب.
ثم تأتي آيات لتوضح دور الجن في إغواء الإنسان، وهي مجدداً لا تتحدث عن دور صالحهم في هدايته، وكأن الله يريد ألا يذكر هذه المساحة تماماً،
“وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ” (الأنعام:112).
كما ذكر القرآن الجن في موضع الشرك،
“وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ ۖ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ” (الأنعام: 100)، “قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم ۖ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ” (سبأ:41).
أما في سورة الأحقاف فنجد الحديث عن الجن الصالح، لم يستحضرهم النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما صرفهم الله إليه، فلما سمعوا القرآن لم يقوموا بهداية الإنس، وإنما ولوا إلى قومهم منذرين.، لقد عادوا إلى عالمهم وبشروا برسالة ربهم. “وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا ۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ” (الأحقاف: 29).
ولا يوجد معرض مباشر في القرآن يتحدث عن دعمهم للمسلمين بنص صريح في المعارك الكبرى، فمثلاً في بدر يذكر الله الملائكة فقط، رغم احتمال وجود جن صالح في المعركة مقابل الشياطين، ويتحدث في سورة الأحزاب عن جنود لم يرها المؤمنون، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا” (الأحزاب: 9)
لم يرد الله هنا تعريفنا بالجنود، وربما الراجح عند المسلمين آنذاك أنها الملائكة بحكم ما جرى في بدر، وقال تعالى: “وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ” (المدثر: 31)، والمقصود في النهاية أن الجن الصالح لا يُذكر دورهم بصيغة مباشرة في معارك الإيمان – إن وُجد.
ويصحح الله المعتقد حتى لا تتعلق القلوب بالملائكة أو تستنصر بها، فيوضح في سورة الأنفال أن النصر في النهاية من عند الله، وما الملائكة سوى بشرى للمؤمنين، “وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَىٰ وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ۚ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ” (الأنفال: 10).
وكان يمكن ذكر الجن الصالح والتعامل معه أو تدخله إيجابياً في حياة البشر، ثم يعيد الله الأمور كلها إليه، كما فعل عند ذكر دور الملائكة، ولكنه أراد عدم ذكر هذه المساحة تماماً في القرآن.
ما نستقيده من هذا الاستعراض للآيات أن الله أراد رسم صورة معينة في أذهاننا حول الجن، أو تحديداُ اجتماع الإنس والجن، وأراد لهذه الصورة أن تكون هي الأساس الذي لا يغيب عن العين، ولم يشأ أن تجاورها صورة أخرى ترينا الموضوع من زاوية أخرى من حيث التعامل مع الإنس، فلم ينسب لهم فضلاً على الإنس، أو يذكر دوراً إيحابياً في حياتهم، أو حتى يذكر حسن الخاتمة لصالحيهم مثل اجتماعهم في ظل عرش الرحمن في الآخرة، ولن أعلق وأذكر الأسباب التي استنتجتها -في ضوء تجربتي- لعدم ذكر دون الجن الصالح في حياة المؤمنين، كما لن أقول ما الذي ينبغي أن يفعله كل شخص، فقد أخصص مقالاً مستقلاً لذلك، ولكنني أقول: من يرى الله يخاطبه عن الجن بهذا الشكل، ثم لا ينتبه ويأخذ حذره، فسيخسر نفسه وربه، فالحذر الحذر، حتى لا تكون العاقبة مع من يقولون:
“وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأسفلين” (فصلت: 29).
وائل عادل
30-12-2025
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق