إنه يفكر ويفكر

         أصحاب التفكير والتساؤل عادة غير مرحب بهم في التجمعات البشرية القائمة على الانضباط، أو ربما غير مرحب بهم في معظم التجمعات لأنهم مصدر للقلق، وتهديد للطمأنينة، ويزداد النظر شزراً لأهل التفكير في الوسط الروحاني، حيث العالم الغيبي يهيمن على المشهد، فتزيد التساؤلات، وتتدفق الأسئلة، في الوقت الذي يجب فيه التسليم للمعلم فيما يقول، فهو يعلم والآخرون لا يعلمون، وهذا صحيح إلى حد كبير، لكنه يعلم والآخرون يتساءلون.

ومع الوقت تكتشف أن الموقف السلبي من التفكير الذي يناقش أصل الأشياء ليس حكراً على المعلم؛ بل أحياناً يكون المعلم منفتحاً على نقاش الموضوعات أكثر من بعض تلامذته، الذين تجد منهم من يدين التفكير، تصريحاً أو تلميحاً، وأبسط عبارة يمكن سماعها.. “أوقف عقلك قليلاً.. وأعمل قلبك”.

وهنا نجد فرضية منتشرة في الوسط الروحاني، أن من يعمل عقله لم يعمل قلبه، وكأن الأسئلة لا يمكن أن تكون صدى لما يجري في القلب، ترى من الذي يمنح السؤال للآخر، أهو القلب يعطي أمراً للعقل أن حان وقت التساؤل؟! أم العقل يعمل بشكل مستقل تماماً عن القلب؟! فما الذين يمنع أن يكون مصدر الأسئلة القلب وعدم اطمئنانه، لقد سأل إبراهيم عليه السلام ربه سؤالاً يبدو عقلانياً، “وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ” (البقرة: 260)، فسأله الله “قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن” (البقرة: 260)، فكانت إشارة إبراهيم عليه السلام إلى أن هذا سؤال القلب، “قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي” (البقرة: 260). وهذا يعلمنا أنه ليس كل مفكر أو متسائل قد عطل قلبه، فتكون إجابتنا له: “أنت تفكر كثيراً.. أوقف عقلك، وأعمل قلبك”، ربما هذا السؤال هو ثمرة عمل القلب وليس العقل، أو ثمرة عملهما معاً، وربما هو شكل من أشكال البصيرة تشكلت في صورة سؤال، فالأسئلة والنقد يعكسان أحياناً بصيرة وليس جهلاً . والفيصل في النهاية هو النقاش الجاد.

إن من أبشع الأمور في الرحلة الروحية في رأيي أن يتم وأد العقل بحجة أنه معطِّل، أن يصبح التفكير وصمة تطارد صاحبه، أن يتم التمثيل بالشخص، فيضرب في رأسه وهو ما زال على قيد الحياة، مفهوم أن استخدام العقل له ترتيب معين في العمل الروحاني وقد كتبت عن ذلك بالتفصيل في خصائص التجربة الروحانية، مثلاً في جلسة الذكر نتذوق بقلوبنا ونوقف ضجيج العقل، فقد آن للعقل أن يخشع، لكنها بعد أن تنتهي ويفتح الله على عبده ما شاء؛ يبدأ دور العقل في الفهم والإدراك وربما التساؤل، قس على ذلك الكشف، فأثناء الكشف لا نعمل عقولنا وإلا فسد واختلط بما نفكر فيه، لكن بعد أن ينتهي نتساءل حول صحة الكشف، ثم يبدأ العقل عمله في استيعاب ما جرى أو قياسه على مسطرة الشرع .

وقد خلد الله سبحانه وتعالى سؤال إبراهيم عليه السلام، ومدح أولي الألباب والنهى والأبصار، لم يقل أوقفوا عقولكم وأعملوا فقط قلوبكم لتتعرفوا على الله، لكنه حذر من أن عمى العقل وضلاله سببه عمى القلب، “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور” (الحج: 46)، وفرق بين المطالبة بإصلاح القلب ليرشد عمل العقل، وبين المطالبة بتفعيل القلب دون العقل، بل وأحياناً ضده.

قد يستدل البعض بقصة موسى عليه السلام حين كان يعترض على ممارسات العبد الصالح، فيدعون لعدم التفكير أو نقاش المعلم إلى أن يكتمل علم سالك الطريق، فقد طلب العبد الصالح منه الصبر مراراً: “قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَىٰ مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (الكهف: 67-68)، ربما لم ينتبه المحتجون بدعوة العبد الصالح لموسى عليه السلام بالصبر؛ أن العبد الصالح في بداية الطريق طمأنه بأنه سيفسر له ما لن يستوعبه في الطريق، فهذا واجبه ومن ثم فلا حاجة للسؤال،  قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّىٰ أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا” (الكهف: 70)، كذلك ربما لم ينتبه المحتجون بالصبر وعدم السؤال أن العبد الصالح قبل أن يفارق شرح لموسى عليه السلام كل ما كان يشغل باله ويعترض عليه، “قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا” (الكهف: 78).

إن وأد العقل “جريمة روحانية”، خاصة حين تتم الدعوة لإيقافه حيث لا ينبغي أن يقف، بل حيث ينبغي أن يسأل ويستجوب التجربة، ومرتكبو هذه الجريمة عادة يخافون من التساؤلات، إما لأنها تكشف أمام أنفسهم ضعف اليقين فيما يؤمنون به، أو لأنها بالفعل تكشف الحقيقة التي ينكرونها أو لا يودون سماعها، أو حين تصبح مصدر تهديد للعالم الذي بنوه، والتصورات التي لم يعد بمقدورهم التخلي عنها، حينها يرون أن دعوة الآخرين للتفكير والتساؤل في أصل المنهج والتجربة تحريضاً على الزندقة، وكفر بالطريقة.

وائل عادل

26-12-2025

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق