حين بدأنا الرحلة الروحية – والتي كان مركزها العلاج من الأذى الشيطاني؛ كان هناك سؤال متكرر، يسأله بعض الراغبين في المشاركة معنا، “هل الموضوع له علاقة بالتعاون مع الجن؟”، وكان السائلون صنفيْن، صنف لديه علم شرعي أساسي يجعله يتحرج من فكرة التعامل مع الجن، وصنف يخشى الدخول في عالم الجن، كانت إجابتي أنه لم يُطلب مني أن أتعاون مع عالم الجن، فكان ذلك مريحاً لهم، ومشجعاً على بدء الرحلة.
وأثناء الطريق اكتشفت شيئاً، أقصه من واقع التجربة الشخصية وتحليلي بناء على التجربة، أن الجن ذكي في تعامله مع الشخص الذي يتحسس من التعامل مع عالم الجن، أو ربما لا يتعلق الأمر بالذكاء وإنما بقواعد تحكم العلاقة بعالمي الإنس والجن، لا أدري أيهما أقرب للواقع، لكن الخلاصة التي لمستها أن الجن سيراعي منطلق الشخص، لكنه أيضاً لن يتوقف عن محاولة التواصل ولو بشكل ناعم لا تتم مقاومته. وأخص هنا “الجن الصالح”.
وتعريفاً بنفسي فقد بدأت الرحلة وأنا أنتمي إلى أولئك المستفسرين بصنفيهم، أراعي البعد الشرعي، كما أخشى الدخول في عالم مجهول تماماً، تكثر حوله قصص من دخلوا فيه وأوذوا بشدة، فكيف تعامل الجن معي؟!
كان الجن يأتيني في المنامات، في البداية كنت أقرأ القرآن في المنام حتى يختفي، وحين ذكرت ذلك للمعلم قال لي لماذا تقرأ عليهم القرآن، ربما هم جن صالح، جرب أن تتواصل معهم. وكانت هذه نقطة البداية، أن الأحلام “التمهيدية” جعلتني لا أرفض فكرة التواصل، التي كنت أرفضها قبل بدء الرحلة، ولماذا أرفض إن كانت تتم في النهاية في المنام؟! وبالفعل تم تطبيق ما قاله المعلم، فلم أقرأ القرآن مباشرة، خاصة وأن الجن في هذه المرة أتى ومعه شخص أحبه من أعماق فؤادي، والدي رحمه الله.
لكنني في المنام عرفت أنه ليس والدي، فهناك شيء محيط به أشبه بنور طاقي أعطاني انطباعاً أنه ليس والدي، أوشكت أن أقرأ القرآن ليختفي الجميع، لكنني تذكرت نصيحة المعلم، فأخذت أسألهم من أنتم؟ وعندما ردوا بالعربية سألتهم هل تعلمتم العربية؟، فقالوا نحن مولودون نتحدث العربية.
هنا دخل الجن لي من خلال والدي ليكسروا لدي حاجز التهيب أو الرفض، فهو شخص ثقة ومحبوب لي، ثم توالت المنامات، تارة أشعر بطاقتهم في المنام، وتارة أتحدث مع عالِم منهم، ثم اسأله هل أستطيع أن أطلبك في أي وقت لنتحدث، فيرد مُرحباً، وأحياناً يأتون لي بأوراد، أحلام كثيرة جعلتني أعتاد الحديث مع عالم الجن، فنفسي لم تعد تنفر من الفكرة، هكذا بدأ الاطمئنان لعالم الجن، خطوة خطوة عبر الأحلام، وهكذا بدأ التطبيع تدريجياً.
ثم أتى لاحقاً الحديث عن التواصل المباشر في اليقظة، لكنني لم أستسغ الفكرة، فلم ترقني قط فكرة أن أذكر الله تعالى، وبعد نهاية الأوراد أبدأ ما يشبه تمارين أو محاولات التواصل مع عالم الجن، كنت أشعر أنني أستخدم الأوراد لتحضير الجن، وربما الغرض من الأوراد هنا هو التحصين من الشياطين، لكن قلبي لم يطمئن للموضوع إطلاقاً، لسان حالي من يريد قول شيء فليأتني في المنام، هذه هي قوانيني. ثم توقف التواصل في المنام وقطعاً في اليقظة، حين لم أعد أهتم بموضوع الجن.
وقد استفدت من هذا الأمر أننا من نفتح الباب ونغلقه، فلأنني فتحت باب التواصل في المنامات؛ كان الجن يأتي في المنام، ولأنني رفضت تماماً فتح الباب يقظة- ولو في اللاوعي؛ فشلت كل محاولات اكتساب أي مهارة تتعلق بالتواصل يقظة، فتحن من نعطي الإذن أو نمنعه.
ولا أظن أحداً من المشاركين المستمرين معنا في البرنامج نجا من عملية التطبيع، خاصة من كانوا يرفضون أو يتهيبون الفكرة، أتوقع أن أغلبهم الآن= وبعد مرور سنوات – ليست لديهم مشكلة في فكرة التواصل مع الجن كمبدأ، رغم أن المبدأ الأول كان الرفض. ويكمن التحدي عندي في طرح سؤال.. وماذا بعد التطبيع؟ هل هذه هي المرحلة الأخيرة؟
المرحلة الأخيرة في رأيي هي الاستحواذ، أن يدخل الإنسي مدرسة الجن، فيصبحون هم معلموه، وحراسه الذين يخشى فقدهم، أو يطلب المزيد منهم، ومجيزوه في الطريق، يرى ويسمع بهم، سواء درى بذلك أو لا، وقد يحدثك أنه في جلسات تتنزل فيها العلوم يشهد الجن حاضرين، وما درى أهم مجرد حاضرين أم مشرفين؟! ثم يصبح شديد الغضب وربما الكراهية إن نال أحد من هذه المدرسة، فهو المنافح عنها وعنهم، سواء درى أم لا، حينها يتحول تدريجياً إلى أن يكون ولياً للجن، لن يقول أبداً أنه ولي للجن، لكن أفعاله وأقواله تقول، سواء درى أم لا. وقد أشار القرآن إلى ولاية الإنس للجن:
“وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ ۖ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا ۚ قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ” (الأنعام:128).
هكذا تحدث التحولات في الإنسان تجاه الجن، في ضوء ما لمسته في رحلتي، من الرفض إلى التطبيع إلى الاستحواذ، في خطوات ثابتة هادئة لا يشعر بها، فيتحول ما كان يرفضه إلى رغبة، ويضيق صدره من بيان خطورة التعمق فيما كان يرفضه.
وائل عادل
20-12-2025
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق