مما لفت انتباهي في الرحلة الروحانية الحديث عن اختيار مسبحة من حجر معين يوصَى به، ثم يتم استخدام هذه المسبحة دائماً في الذكر، ويفضل تثبيتها وعدم استخدام غيرها، فتثبيت المسبحة عند الذكر يعني شحنها بالطاقة، “والطاقة” هي الكلمة التي تُستخدم، دون توضيح ما هي هذه الطاقة؟!، أو ربما تُوضح لاحقاً للخواص، فخلاصة الفكرة هي استخدام مسبحة مصنوعة من حجر محدد يوصى به، ومع كثرة استخدام المسبحة تُشحن بالطاقة. حتى أن البعض يطلق عليه “مسبحة متروحنة”.
وابتداء سنجد للمسبحة بصفة عامة فوائد، مثل التشجيع على الذكر، كما تساعد على إحصاء عدد التسبيحات لمن رغب؛ لكن ما لم يستسغه القلب هو استعمال الذكر لشحن أحجار، والتعلق بمسبحة محددة، كان ذلك بالنسبة لي يضرب في جذور إخلاص العبادة، فالله يقول “وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ” )الأعراف: 29)، أفلا نقيم وجوهنا عند كل مسبحة فقط كوسيلة مساعدة؟ نذكر الله مخلصين له الدين، ليس تعلقاً بفوائد حجر، أو أملاً في شحن مسبحة لتحصيل طاقة، فما بيد الله أثمن من ذلك بكثير، والله ذو الفضل العظيم.
وأتصور أننا لو أخلصنا العبادة لله وحده ولم نشهد سواه من عميق فلوبنا؛ فلن نحتاج الحصول على طاقة حجر في مسبحة، فلربما سخر الله الجبال يسبحن معنا بالعشي والإشراق، وهو في حد ذاته ليس مطلباً، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده ليزدادوا إيماناً.
لم يستسغ قلبي قط مشهد التعبد لله بالذكر متجاوراً مع مشهد شحن المسبحة بالطاقة، وكنت أراه بهذه الصورة، لنفرض أننا أحضرنا هذا الحجر الكريم، لكننا لم نصنع منه أحجاراً صغيرة للمسبحة، فجعلناه حبة واحدة كبيرة كالكرة، وثبتنا فيها عداداً إلكترونياً يحصي عدد مرات لمسك للحجر، حيتها سيتحقق نفس الغرض، سيتم شحن الحجر، لكننا سنرى الصورة التي لا نريد تصديقها، أننا قد نكون على شفا الشرك بالله، أو بالفعل وقعنا في ذلك الفخ، فقد أصبح الحجر يضر وينفع، وربما يصل البعض إلى درجة الحزن إن لم يعثر على المسبحة التي شحنها لأشهر أو سنوات، فيُضيع وقت الذكر باحثاً عنها، فهو لا يستسيغ الذكر بأي مسبحة، وكأن المسبحة “المتروحنة” تحولت إلى الوسيلة التي بدونها يكون الذكر ناقصاً أو فقد جزءاً من وظيفته.. شحن الأحجار وإمدادنا بالطاقة.
لنعود إلى ذلك الحجر الكبير الذي تم تشكيله على شكل كرة مثبت بها العداد الإلكتروني، الآن تخيل أنك دخلت بهذا الحجر مسجداً عماره جميعاً من المؤمنين بالمسابح المتروحنة، وبدأت تلمس الكرة الكبيرة، في الوقت الذي يمسك الناس فيه المسابح التقليدية، سيرونك وكأنك تتبرك بالحجر، قد ينكر بعضهم عليك، وقد يطردك البعض من المسجد، فالأحجار الصغيرة فقط هي المسموح لها بالإقلاع على متن مساجدنا، لسان الحال، دعونا نشحن الطاقة دون أن يشعر أحد.
ما جعلني شديد الحيطة أيضاً يقيني أن الشيطان لن يهنأ له بال حتى يفسد علينا عبادتنا. وإن كان يخنس من الذكر ويصعب عليه أن يقربنا أثناءه؛ فليضرب ضربته اللئيمة التي لا تشعرنا بوجوده، ضربة في مركز الإخلاص في القلب، فيربطنا بشحن المسابح أثناء التوجه لله بذكره، ثم تخصيص الحجر الذي ينبغي شحنه، قد يزيد الفخ عمقاً فيسول للشيخ أو للذاكر، ما أروع أن يكون هذا الحجر هو الحجر الذي يستخدمه الشيخ، لتتصل الطاقات أو حسب معتقد كل شخص حول الأمر.
وتعرف أن الذاكر وقع في الفخ أو يوشك؛ حين يدافع عن الحجر أكثر مما يدافع عن إخلاص الوجهة لله. وأن تهمه الطاقة أكثر مما يهمه الحذر من مكائد وحيل الشيطان.
بعد ما ذكرته وجب التنبيه إلى أن ما ذكرته لا يعني أن كل من يستخدم المسبحة يريد منها الشحن الطاقي، فالكثيرون لا يعلمون أو يهتمون بهذا الأمر، ولا يضيرهم بأي مسبحة أمسكوا، فلو كانت من ورق سيستخدمونها، فهي بالنسبة لهم وسيلة للتشجيع أو الإحصاء لا أكثر.
ما خلصت به أن الأصل في الذكر أنه عبادة حثنا الله عليها. والعبادة تقتضي الإخلاص لله وحده. فإن كان لابد من المسبحة فلتكن أي واحدة دون التعلق بحجر، ولا أرى أي داع للمجازفة بتلويث الإخلاص بأية شوائب ولو بدت صغيرة، طمعاً في طاقة حجر، أو أياً ما كان، لسان الحال أذكر بها ربي ولي فيها مآرب أخرى. فباسم الطاقة والحجر وقع البعض في حبال الشياطين.
كنت قد بدأت بجزء من الآية رقم 29 من سورة الأعراف، “وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ“، مستدلاً على إخلاص العبادة لله. ثم أدهشني أن الآية رقم 30 جاء فيها، “فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ۗ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ.
وائل عادل
13-12-2025
جميع حلقات السلسة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق