“إلى متى أظل في حاجة إلى الشيخ؟”، كان هذا السؤال من أهم الأسئلة التي تشغل بالي، فالشيخ في رحلتنا الروحية وظيفته تفسير الظواهر الغيبية، والمساعدة في التصدي لأي أذى شيطاني في الطريق، ومتابعة أمور الارتقاء الروحي، والسؤال عن الحاجة هنا ليس استكباراً عن التعلم المستمر، وإنما تخوفاً من الارتهان لشيخ يُعتمد عليه بدرجة كبيرة، وكأنه العين التي نبصر بها والأذن التي نسمع بها، والمصدر الوحيد لفهم الظواهر الماورائية، أو حتى الارتهان له في التصدي للأذى الشيطاني، وعدم القدرة على تطوير مسار يعتمد على الله وحده، بعد رحلة تعلم استغرقت سنوات.
وكان مما يشغل بالي انطلاقاً من هذا التساؤل.. “ماذا لو غضب الشيخ وقرر عدم الاستمرار معي؟”، أو “ماذا لو أصابه مكروه فلم يعد قادراً على المواصلة؟”، هل سأجد نفسي في بحر من رمال الغيب الناعمة التي تبتلعني؟!
أخذت مبكراً مسافة من الشيخ، كان الغرض منها حماية نفسي من هذا التخوف، فكنت أنتقي ما أشاركه من أخباري، وكنت لا أستفسر عن كل رؤيا، فماذا سيضير لو لم أعرف التأويل، كنت أريد أن أتحرر من التعلق بهذا الدور الذي يلعبه في حياتي، حتى كاد يظن أنني غير مقتنع بالمسار كلية، لكنني كنت أناقش أو أشارك فقط فيما أراه يستحق المشاركة.
وعندما شعرت أنه لا مزيد من التطور النوعي في هذا المجال؛ بدأت بالتدريج أطورلنفسي طريقة خاصة ومقاربة مختلفة للتعامل مع هذا المجال، تستفيد مما تعلمته من الشيخ، لكنها لا تشترط وجوده.
هذه المسافة مكنتني أيضاً من النقد المستمر كلما وجدت خطئاً، وفي الغالب كان النقد يجد أذناً صاغية، خاصة فيما يتعلق بالجوانب العملية، ورغم أنني كنت بدوري أتعرض لنقد شديد خلاصته، “أنت تُعمل عقلك كثيراً“؛ غير أن كل ذلك كان في نظري إيجابياً، فهو ثمرة هذه المسافة التي لم تجعلني رهيناً للشيخ، نعم أستفيد منه، لكنني أيضاً أنتقد بعض ما يطرح.
بالتدريج بدأت المسافة تتسع، خاصة حين بدأت في عمل مراجعات للأوراد، فتخليت عن بعض الأوراد التي كنت لا أستريح لها في البرنامج، والغريب أنني وجدت الشيخ أحياناً يثني علي ويقول أنني أتطور روحياً، رغم أني لا أطبق جزءاً مهماً من البرنامج، وهو ما لمست منه أن الفضل للشيخ يرجع في الإشارة إلى الطريق، ثم إعطاء الأساسيات النظرية والعملية، بعد ذلك كل ميسر لما خلق له، وقد يسلك كل شخص طريقه الخاص بعد إلمامه النظري العام، وبعد أن يكون قطع شوطاً عملياً جيداً، يمكنه من السير وفق تصوره الخاص، ويبقى للشيخ فضله، وقد يتحول دوره إلى مستشار تُناقش بعض الأمور معه، لكنه ليس المراقب والموجه.
ومما أكد لي ضرورة عدم الارتهان للشيخ مهما كانت درجة صلاحه، أن هذا الارتهان يؤثر على وعينا بفعل الله، وكأنه لا طريق للصلاح أو حتى الارتقاء الروحاني إلا عبر الشيخ، فبعد أن قرر الشيخ ألا أكمل معه؛ توالت أسئلة الأصدقاء الذين بدأت معهم هذه الرحلة، ماذا تفعل الآن؟ وكيف ستستمر بدون الشيخ؟ من الذي سيوفر لك الحماية الروحانية من الأذى الشيطاني؟
وصلت للشيخ هذه التساؤلات، وكان رده جميلاً: “الحماية ستتكون تلقائياً بشكل مستقل، لكنها قد تستغرق وقتاً“، أعجبني الرد، لكنني رأيت حينها في أسئلة الأصدقاء شعور الخوف المستبطن من فقدان الشيخ، وساعتها أدركت أن خوفي من الارتهان للشيخ كان في محله
وائل عادل
7-12-2025
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق