يشكو الكثيرون من التعرض للإصابات الشيطانية من السحر والمس والحسد وأمثالها. وقد نفر طائفة من المؤمنين، فنذروا أنفسهم لمساعدة المكروبين، ودفع هذا الضر عنهم بإذن الله الواحد القهار. وكحال أي مجال من المجالات وعلم من العلوم، تشعبت سبل المعالجين، واختلفت طرائقهم، وتفرقت مدارسهم، ما بين الرقية الشرعية، والأوراد، والأذكار المأثورة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، والدعاء بأسماء الله الحسنى، والاستعانة بصالحي المسلمين من الجن، والتمكن من تفاصيل عالم الجن وممالكهم وأنواعهم ومواثيقهم ومحاكمهم، ومدارس الطاقة المختلفة بعد تنقيتها مما يخالف الإسلام، أو خليط من كل ما سبق، أو غيرها مما قد أكون جهلته. وشكر الله لهذا النفر ما سبقوا به إلى الخير، وأجزل لهم العطاء بما كشف بهم من الضر عن خلقه.
العلاج باب إلى الذوق
وقد شاء ربي أن أسلك مسلكاً مميزاً، وأخوض تجربة فريدةً في هذا المجال، فتخبطت في شعابها تارةً، وتهت بين جبالها تارةً أخرى، وتعطلت في كهوف أسبابها أحياناً، وثبتت أقدامي في سهولها أحياناً كثيرة. وتعلمت ما شاء الله لي أن أتعلم، ورأيت من بركات رعاية المصابين ما زاد من تعلقي بهذا المجال. ورأيت فيه طريقاً إلى الله سبحانه. وما زلت أبحث وأنخفض وأرتفع في فيافي هذه التجربة، حتى آنست في طورها ناراً، ما أن أتيتها حتى ولجت إلى عالم العرفان والسلوك الذوقي إلى الله جل ثناؤه، فاطمأن القلب إلى الله، وارتحلت الحيرة من وهم دنيا الفناء إلى حقائق ملكوت الجمال والجلال والكمال، وأناخ الشك ركابه بباب اليقين، وانطرحت أسلحتي بين يدي مولاي. ولم يزل ربي يحسن لي فأجد نفسي بين رفع وخفض، وسير وقعود، وقرب وبعد، ووصل وهجر، ولا يزال هذا حال نفسي حتى يأذن الله لها بدخول سرادق القرب، إن ربي لطيف لما يشاء. إنه هو العليم الحكيم.
وأقصد بعالم العرفان تلك المعرفة القلبية الذوقية بالله تبارك وتعالى، والتي تدور في فلك التعرف على الله جل ثناؤه، وشهود آثار أسمائه وأفعاله في الكون والإنسان. ثم ما تثمر عنه تلك المعرفة من صفاء القلب وتزكية النفس والأنس بالله ومطالعة آياته في النفس والوجود. فالعرفان ليس علمًا ذهنيًا أو فكريًا فقط، بل هو معرفة تقترب من الشهود والذوق والحضور. ويسرح العبد في هذا العالم بين المقامات والأحوال القلبية المختلفة.
العرفان مدرسة علاجية
وخلال هذه الرحلة في عالم العرفان لم أهجر اشتغالي بالعلاج الروحي، بل كان دوره جوهرياً في رحلتي الذوقية، إذ أنه كان ساحة الاختبار العملية التي امتُحِنَتْ فيها النفس، ومُحِصَ فيها القلب، وطوردت فيها الوساوس. وكان ميدان الحرب الضروس التي شُنَّتْ ضد التطلع إلى الخلق والتعلق بهم. ثم كان هذا المجال بمثابة المربي الحازم الذي يزجر النفس ويهذب الأخلاق ويلاحق المساوئ. كما كان كتاب الحكمة الذي أعاد تعريف عالم الأسباب، والفرشاة التي أبدعت تنسيب كل شيء إلى من ليس كمثله شيء. ومن ثم فقد كان لهذا المزيج من السلوك العرفاني والذوقي والعلاج الروحي أثراً حاسماً في إعادة تشكيل وبناء معالم ممارستي لهذا المجال، إذ أمده عالم العرفان بمسلك خاص، وفلسفة متفردة، ومنطلقات خالصة، تصبغ كل ممارسة علاجية.
إن هذه المدرسة العلاجية العرفانية تمزج بين رعاية الروح، وتزكية النفس، وتذوق القلب، ومعاداة الشيطان وأوليائه. إنها لا تنفي طرائق العلاج، ولكنها تحرر القلب من الشوائب، وتقطع عنه العلائق، وتغذيه بالتجرد، وترسخ فيه جذور الإيمان، وتسقي فيه شجرة الإحسان، وتفتح له أبواب الشهود والذوق الإلهي. إن العلاج العرفاني لا يعتمد على القوة والمجاهدة والحسم فحسب؛ بل يرتكز أولاً على التوحيد والصفاء والطمأنينة وسلامة القلب وفهم السنن الروحية وذوبان النفس في مقام التوكل. فإذا ما تم لقلب المعالج ذلك، كان رحمة بالخلق، واسعاً لأحوالهم، سامعاً لزفرات قلوبهم، وسيفاً قاطعاً مشهراً في وجه أعدائهم من الشياطين وأوليائهم.
لمن هذه السلسلة
وقد ارتأيت أن اكتب عن المعالم الأساسية لهذه المدرسة العلاجية العرفانية، في شكل سلسلة من المقالات التي يعالج كل منها معلماً وفكرة أساسية. وهي موجهة بالأساس لكل مهتم بممارسة العلاج الروحي، سواءً كان في أول طريقه أو خبيراً عليماً بدقائق وتفصيلات هذا المجال. وتشكل هذه السلسة، مع أصول الذوق، ورسائل المقربين، وسوق المقربين منهجاً واضحاً لمن أراد أن يسلك هذا المسلك في العلاج. وأسأل الله أن يُمضي بها سيفاً، وأن يرفع بها كربةً وظلماً.
جميع مقالات “مدرسة العلاج العرفاني”


أضف تعليق