المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة

“كل شيخ له طريقة”، من الجمل الدارجة في المجال الروحاني، وهذا مفهوم، فالمدارس متنوعة والمذاهب شتى.  كما أنه من الأفضل ألا يشتت سالك الطريق نفسه بالتتلمذ على يد أكثر من شيخ في نفس الوقت، لكنه قد ينتقل من شيخ إلى آخر بشكل متتال، فيستفيد من كل شيخ بما فتح الله عليه، وهنا يجب أن نميز بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة.

منذ اليوم الأول لدخولي في المسار الروحاني على يد معلم، لم يكون هو وحده مصدر المعلومات عن العالم الروحاني بالنسبة لي، لكنه كان هو مصدر التوجيه الوحيد ” افعل ولا تفعل”، طالما ارتضيته معلماً.

وذلك يعود لطبيعتي، كيف أسلم عقلي لشخص واحد يشكله؟!، خاصة في مجال يخفى علي فيه كل شيء، ولا أستطيع تقييم ما يقوله من معلومات والحكم عليها، كيف سيكون هو وحده مصدر المعلومة وتفسير الظواهر الروحانية التي تحدث، من أحلام وكشف وغيرها؟! هذا لا علاقة له بالثقة، فالثقة تكون في الأمانة والنزاهة وأنه لا يتعمد التضليل، لكن المعلومة بحد ذاتها قد يكون المعلم نفسه تعلمها بشكل خاطيءـ أو تفسيره لها خاطئاً، وهذا وارد في الطبيعة الإنسانية، وقد تتوارث الأجيال خطأ بعد خطأ فقط نتيجة أنها لم تقف لتقيم المعلومات بعين أخرى غير عين المعلم الوحيدة.

فور أن تعرفت على المعلم، وبدأ يتحدث عن الظواهر والكائنات الغيبية مثل عالم الجن، أو العلم اللدني أو الكشف والأحلام وغيرها؛ عكفت على دراسة المكتوب في هذا الأمور بحسب ما تمكنت من الوصول إليه من مراجع، هذه الدراسة ساعدتني كثيراً في استيعاب هذه الأمور، وفي تقييم ما يقول، كما ساعدتني في مقارنة ما يقوله المعلم مع ما يقوله غيره حول نفس الموضوع، فمنها ما كان متطابقاً، ومنها ما كان يتفق جزئياً، ومنها ما كان يختلف تماماً، كل ذلك ساعدني في تشكيل الأسئلة الخاصة بي حول تلك الموضوعات، وطرحها على المعلم.

كما استفدت في القراءة من مدارس تطرح آداباً قيمية راقية في طريقة التعامل مع الروحانيات وعالم الغيب، وهو ما أضاف إلى الجوانب القيمية التي يطرحها المعلم، فكان الحذر من الوقوع في أي تجاوز أخلاقي أو ديني أكثر رسوخاً.

كذلك استفدت أنني لمست طرفاً من الجانب المشترك بين المدارس المختلفة، كالبوذية والإسلامية، وما يظن المسلم أنه أوتيه دون غيره فد يجده بالفعل موجوداً عندهم، لكنه فقط لم يطلع على المدارس الأخرى، فلم يلمس الجانب المشترك.

واستفدت من الاطلاع أنني وجدت من يشرح الظواهر بشكل أكثر وضوحاً ليس فيه لبس، كما بدأت أتتبع رواية الغالبية عن الظاهرة وأقارنها برواية المعلم، مثلاً الكشف الروحاني من خلال استخدام صورة الشخص، كيف يحدث هذا الكشف؟! أو مثل الأختام الروحانية التي تميز بعض السائرين في الطريق، لم يكن تفسير المعلم للأمر وحده كاف لي لفهم الظاهرة، بالبحث وجدت آخرين ممارسين يفسرون الظاهرة بشكل مختلف، مع جمع كل هذه الآراء أصبح من الأسهل ترجيح رأي، خاصة إن كثرت الشواهد التي تؤكده.

واستفدت من الاطلاع أنني إن وجدت موضوعاً يطرحه المعلم ولم يسبقه إليه أحد في الطرح أنني أتريث جداً قبل أن أقبله، خاصة فيما يخص المنهج، لأن المناهج الروحانية متوارثة جيلاً عن جيل، مدرسة عن مدرسة، فإن وجدت تفرداً في تفسير شيء أو في طبيعة الأرواد اذاتها؛ حينها تتدفق الأسئلة من نوع ” من أين أتيت بهذا الأمر؟”، ليس إنكاراً وإنما استعلاماً، فإن وجدت إجابة شافية فبها ونعمت، وإن لم أجد سألت في أماكن أخرى، فربما يحسن أحدهم شرح ما لم يحسنه المعلم، فإن لم أجد توقفت، ولم أضف ما يقوله إلى مخزوني الروحي. ويظل أمام هذا الأمرعلامة استفهام كلما تحدث فيه.

واستفدت كذلك ممن ينتقدون المجال برمته، فكلامهم لن يخلو من شيء مفيد، وكنت بالفعل أرى بعض ما يحذرون منه قابلاً للحدوث ما لم ننتبه، إن لم يكن اليوم فغداً، فأدركت مبكراً أن علينا تدارك المخاطر التي يحذرون منها، مثل الارتهان لعالم الجن، فالجن قد يأتيك بالعهود والأوراد والعلوم والمعلومات، وأنت تظن أنك تتلقى من الله مباشرة، وفي ذلك كتبت “تصميم الطريق” في هذه السلسلة، عن الطرق التي تشبه طريق الله لكنها ليست هو.

أفادني كثيراً ذلك الاطلاع، وأعطاني مادة خصبة في النقاشات مع المعلم، كما أتمنى أن يكون قد جنبني السقوط في المحاذير المتداولة في هذا المجال، وأدعو السالكين في هذا المجال – معلمين ومريدين – أن يكونوا أكثر انفتاحاً على العالم، واطلاعاً على التجارب الأخرى، وأن يناقشوا الآخرين ويتقبلوا رأيهم فيما هم عليه حتى إذا لم يقتنعوا به، فربما كلمة واحدة تحدث تغييراً عظيماً في إعادة النظر في أمور حيوية، فمن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذا المجال أن يتحول ما يؤمنون به إلى أيديولوجيا صلبة غير قابلة للتغيير والتطوير، بل وتنزل منزلة الدين، يتم الدفاع عنها باستماته دون أية مراجعة.

يظل المعلم مصدراً أساسياً للمعلومة وغالباً مصدراً وحيداً للتوجيه، فإن وصل الأمر إلى ظهور الخطأ في طرح المعلم خاصة في أساسيات المنهج؛ حينها يفقد المعلم تدريجياً سلطة التوجيه في نفس المريد، فيبدأ المريد ينتقي أي الأمور سيأخذ التوجيه فيها بجدية، فإن بدأ يظهر للأخطاء أثر مضر في الواقع، فلينصح المريد لمعلمه، فإن وجد استجابة فهو محظوظ بهذا المعلم، وإن لم يجد ولمس في نفسه حرج من الاستمرار، حينها يسعه ترتيب حقيبته، فيضع فيها أفضل ما تعلمه مما لا يجد في نفسه حرجاً منه، شاكراً لمعلمه ما تعلمه، ثم يمضي، فنفسه لا تستسيغ ذاك التوجيه من جديد.  

وائل عادل

29-11-2025

انطلاقاً من رسالتنا فاتخذه عدواً. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.

جميع حلقات السلسلة

أضف تعليق