مجربات بلا تجارب

من الشائع في المجال الروحي أن تسمع كلمة “المجربات”، والمقصود بها أدعية أو أذكار بصيغ معينة أو أعداد محددة، مثلاً إن رددت آية كذا 40 مرة سيفتح لك باب الرزق، وهي “مجربات” لأنه لم يأت بها نص في كتاب أو سنة، لكن من ينادي بها يزعم أنه جربها وتحققت الفائدة.

وقد وجدت “المجربات” على عدة أصناف:

  • صيغ من الذكر والدعاء يجب الالتزام بها دون إضافة أو حذف أية كلمة، وهذا الذكر والدعاء ليس من المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن ينادي بها يزعم أنه يجب ألا يتم أي تغيير في أي كلمة حتى تتم الفائدة.
  • أعداد معينة يلزم المرء بها نفسه، سواء في ترديد آيات أو أدعية أو أذكار، وهو إلزام يتوقع صاحبه أنه لن تتم الفائدة إلا بالالتزام بالعدد مثل قراءة سورة الشرح 314 مرة.
  • المزج بين الصنفين السابقين، تثبيت صيغ معينة من الأذكار والأدعية غير المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، مع الالتزام بتثبيت أعداد معينة.

وأهم ما لاحظته في هذا الأمر أن هذه “المجربات” تخلو من التجربة، وأنها لم تخضع لأي منهج تجريبي حقيقي، مثلاً شخص يقول لقد جربت الذكر بهذه الصيغة دون تغيير في أي كلمة وتحسنت أموري، السؤال هنا وهل جربت أن تغير في الصيغة ولم تتحسن أمورك؟! أو شخص بدعوى “المجربات” يقول أردد هذا الورد 314 مرة لتُقضى الحاجات، وهل جربت 300 ولم تُقض الحاجات؟! بل هل جربت مرة واحدة بقلب منفطر معلق بالسماء ولم تُقض حوائجك؟! إذا كان من ينادي بالمجربات لم يجرب التغيير في الأرقام والصيغ ليتأكد من خصوصية اللفظ أو العدد.. فأين التجربة؟!

أيضاً حين ننظر إلى تلك “المجربات”؛ هل لدينا إحصائية كم شخص جربها وكانت النتائج إيجابية أو متوسطة أو لم يحدث أي تأثير يُذكر؟ فنعرف النسبة الغالبة.

إننا أمام “مجربات” بلا تجربة حقيقية، لأنها لا تعرف خصائص المنهج التجريبي العلمي الذي يمكن أن يعطيها بجدارة سمة “المجربات”. فلا نستطيع أن نعرف إن كانت فعلاً “المجربات” حقيقة، أو أنها فكرة واهنة لا تصمد أمام الاختبار.

هناك فرق كبير بين التعلق بالعدد والصيغ (المجربات)، وبين التعبد بهما دون تعلق، وإنما تعلق بالله وحده، فأهل “المجربات” ما يغلب عليهم هو الإيمان بالصيغ والأعداد، وكأن بدونهما لن يسمع الله لعبده كما ينبغي، حاشاه وهو أقرب إلينا من حبل الوريد، بينما أهل التعبد والتعلق بالله وحده لا شريك له يتعبدون بالعدد امتثالاً لأمر الله، وليس ظناً منهم أن الله لن يستجيب لهم إن لم يتموا العدد أو يلتزموا بالصيغة، مثلاً حين نصلي المغرب ثلاث ركعات، نحن هنا نلتزم بالعدد تعبداً لله الذي أمرنا بذلك، وليس تعلقاً بالعدد، ونؤمن من صميم قلوبنا أننا حين ندعو الله في الصلاة؛ فإن استجابته مبنية على مشيئته بغض النظر عن العدد، وأننا إن سهونا وصلينا ركعتين فقط لن يغير ذلك شيء في سماع الله دعائنا، وقد يستجيب لنا في دعاء الركعة الأولى قبل أن نتم الصلاة أصلاً، أي نكمل العدد، فالله أكبر من الصيغ والأعداد، وهو يسمع صوتنا ويبصر قلوبنا.

إن المنهج القرآني واضح في استجابة الله لعبده، “فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ” (غافر:14)، “فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ” (العنكبوت: 65). ما يريده الله هو أن نخلص له، فندعوه بقلوب لا ترى سواه، لا تشرك به في صيغة تظن أنها وحدها سبيل الإجابة، أو عدد يُتوهم أن بدونه يصعب الوصول إلى الله.

إن كلمة “يا رب” مرة واحدة من قلب صادق قد تفتح لها أبواب السماء، لذلك فالأولى من الانشغال بالصيغ والأعداد؛ أن ننشغل بمعرفة الله السميع المجيب القريب، الذي يجيب عباده دون اشتراط أية عمليات حسابية معقدة في ذكره، أو تثبيت صيغ بدونها لا يسمع الدعاء.

هذا هو الله الذي عرفنا بنفسه في القرآن، قريب لعباده، يعلم ما في أنفسهم، أحياناً يجيبهم قبل أن يدعوه، “قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا” (البقرة: 144)، وأحياناً يريدهم أن يدعوه بقلوب صادقة، “فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ” (الأنعام: 43).

لقد عشت فترة موضوع “المجربات” وإن كان بطريقة مختلفة، فقد قيل لي يجب تثبيت دعاء معين خاص بي لا يعرفه أحد، دون تغيير أية كلمة، هذا الدعاء سأستخدمه لطلب قضاء الحوائج، دخلت التجربة، وجدتني مع الوقت متعلقاً بالصيغة، أشعر أنني إن لم أدع بها تحديداً لن يتحقق ما أريد، أحياناً في أمور مهمة كنت أقول لن أدعو بهذه الصيغة حتى لا أتعلق بها، وبعد أن أنتهي من الدعاء، أجدني أقول ما ضرك لو دعوت أيضاً بالصيغة الخاصة بك ليستجاب الدعاء، فأدركت أني وقعت في الفخ، وأنني على تخوم الشرك الناعم.

لم أتحمل الفكرة، لأنها تضرب مباشرة في تصوري عن الله وعن شروط إجابته للدعاء، بدأ قلبي ينكر الأمر، واشتعل عقلي ثورة، إن كان لابد من تثبيت كلمات الدعاء حتى يسمعه الإله؛ فليس هذا هو الإله الذي أعرفه، ثم تساءلت من الذي أغوى الإنسان بهذه الفكرة؟ ثم شرد عقلي أكثر حين أطلقت له العنان، إن كان لابد من تثبيت الكلمات؛ فهل حقاً نتواصل مع الله أم مع جهة أخرى تختلط عليها الحروف؟ تلك التي أغوت الإنسان بهذا الأمر، تلك الجهة قد تكون جاناً أو شياطين، أياً كان، وتستخدم الدعاء الثابت الذي يخص الفرد، وكأنها بصمته هو دون غيره، ليحدث التواصل، ولا مانع أن تقضي له بعض الحاجات ليتيقن أن التجربة صحيحة والدعاء يعمل، هكذا شرد ذهني.

تخليت عن هذا الدعاء المصنوع، ربما بعد عام كامل، وفررت إلى الله أدعوه بما تيسر، فهدأ القلب، وخمدت ثورة العقل، ولم يتوقف عطاء الله الكريم، وجدتني أقرب إلى الله، وشعرت أن هذا الدعاء المصنوع كان حائلاً بيني وبين الله، أحببت ربي الذي عرفت من الصغر، القريب المجيب دون أية تعقيدات، يسمع دعاءنا حتى وإن تلعثمت الحروف وذابت الأعداد.

وائل عادل

17-11-2025

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق