تركزت الرحلة الروحية التي مررت بها على موضوع العلاج من الأذى الشيطاني، وقد ذكرت موقفي من موضوع العلاج في مقال “مشروع العلاج والبنية التحتية“، والخلاصة أنها تجربة رائدة عظيمة الفائدة، يجب الاستفادة من إيجابياتها، والوقوف عند سلبياتها كمنطلق للتطوير.
ما لفت انتباهي أثناء هذه الرحلة، أن مشروع العلاج وحده لا يكفي كبرنامج للتصدي للشيطان، هو أقرب لمشروع مواجهة القوة الصلبة للشيطان، قوة الاعتداء المباشر؛ لكنه لا يتعامل مع القوة الناعمة للشيطان، وهي قوة الوسوسة، والتي يدور أكثر حديث القرآن عنها، حين يتحدث عن الوسوسة وخطوات الشيطان، وقد رصدت الآيات التي تحدث الله فيها عن معاداة الشيطان بشكل مباشر، فوجدتها تدور حول موضوع الوسوسة كأسلوب للتأثير في سلوك الإنسان.
لقد أعلن الله العداوة بين الشيطان والإنسان، بعد واقعة الوسوسة الأولى، ويتكرر طلب معاداة الشيطان في أكثر من موضع في ذكر قصة آدم وإبليس في القرآن، “فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ ” (الأعراف: 22).
كذلك وردت المعاداة في معرض الحديث عن اتباع خطوات الشيطان في أكثر من آية، وهي أيضاً من توابع الوسوسة، “يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (البقرة: 168).
أو الآيات التي تتحدث عن صد الشيطان عن سبيل الله، “وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (الزخرف: 62)، “إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير”ِ (فاطر: 6). وتشير الآية التالية إلى العداوة بالوسوسة بشكل جلي، “وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ” (الأنعام: 112).
كما ذكرت العداوة في سياق السلوك الإنساني المذموم الناتج عن الوسوسة، مثل كيد إخوة يوسف له، “قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (يوسف: 5). أو ما حدث مع موسى عليه السلام، “فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَـٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ” (القصص:15). أو الدعوة إلى القول الحسن لتجنب نزغ الشيطان، “وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا” (الإسراء: 53).
هذه هي السياقات التي ورد فيها الحديث عن معاداة الشيطان، فهي تدور حول الدعوة والإيحاء والوسوسة، ولم تأت آية من آيات المعاداة الصريحة في سياق المس أو السحر، فالمس قد يكون أيضاً من جن مسلم عاص، وليس فقط شيطان مارد يريد صد الناس عن سبيل الله.
وعبر الرحلة وجدت أن أعظمنا باعاً في مجال العلاج، قد يفتح الله عليهم في أمر العلاج، فيخوضون معارك لإبعاد الشياطين عن المصابين، وأيضاً يحصنون أنفسهم من ذلك العدوان، فيبلون بلاء حسناً بفضل الله في معركة القوة الصلبة مع الشيطان؛ لكنهم كسائر البشر قد يخفقون في معركة القوة الناعمة، معركة الوسوسة، بل قد يتفوق آخرون عليهم، أولئك الذين منحهم الله قلوباً صافية ووعياً عالياً بوسوسة الشيطان، فلا يقعون بسهولة في سوء الظن، والتسرع في الحكم، والغيبة، هؤلاء قد يصيبهم المس ولا تصيبهم الوسوسة إلا قليلاً، بينما المعالج الذي ظن أنه أحاط بالشيطان، ولم ينتبه لهذه النقطة؛ قد لا يصيبه المس إلا قليلاً، لكن تصيبه الوسوسة في مقتل.
تساءلت.. لماذا يدرك المعالج وجود الأذى الشيطاني عند المصابين أو حتى عنده، بينما الرادار عنده لا يلتقط إشارات الشيطان اليومي معه؟! الذي يوسوس له، هناك خلل ما في هذه النقطة، خلل فيما يبصر وما لا يبصر، نظرت في نفسي، وما أبريء نفسي، فوجدتني أيضاً انشغلت بقضايا العلاج ولم أنتبه لخطورة الوسوسة، التي تدور آيات العداوة في سياقها، فبدأت بنفسي، وخضت بعض التجارب – وما زلت – لرفع الحساسية تجاه الوسوسة، ثم بلورتها لاحقاً في دورات ومقالات “فاتخذوه عدواً”، وما زال المشروع مستمراً، سواء على مستوى إفادتي الشخصية أو الآخرين. وبذلك أصبحت معاداة الشيطان تتم على جبهتين، جبهة العلاج وهي تمثل القوة الصلبة للعدوان الشيطاني المباشر، وجبهة الوسوسة وتمثل القوة الناعمة.
ومع الوقت ستتطور بإذن الله مدرسة لمعاداة الشيطان، ولا أقول مدرسة علاجية، لأنها ستعمل على الشقين معاً، شق العلاج وشق الوسوسة، هذا المزج سيؤثر إيجاباً على المعالج ومنهجه في العلاج، كما سيفتح مجالاً جديداً متخصصاً في دراسة الوسوسة وسبل التعامل معها، حينها تعلو راية “فاتخذوه عدواً” خفاقة، فتكون بلسماً على المؤمنين، وجحيماً على الشياطين.
وائل عادل
31-08-2025
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق