“وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ” (البقرة: 36). هذا هو أول ما أورده القرآن فيما قيل لآدم وزوجه حول الأرض، يمكن اعتباره أول توجيه لهم أو أول واقع سيكون، عداوة متبادلة بين الإنسان والشيطان، ومسرح الأحداث هو الأرض، هذه العداوة التي أخذت بالتطور شيئاً فشيئاً، من مجرد وسوسة فردية لارتكاب المحرمات، إلى وسوسة تتعلق بمصائر مجتمعات وأمم.
فلا يقتصر دور الشيطان على الوسوسة الفردية المتعلقة بتنغيص حياة الفرد، فهو لا يَعِد الفرد وحده بالمعيشة الضنك، بل يَعِد المجموع بمعيشة ضنكاً إن استجابوا له، فيتسلسل إلى الأحداث، ويحاول التأثير في الفعل الجمعي، لتكون له بصمة في الأحداث، سواء كانت بصمة مؤثرة أو باهتة، سواء كان كيده فعالاً أو ضعيفاً، فهذا يتفاوت بين الأشخاص والمجموعات، ما بين مستجيبين له أو معرضين عنه قد أخذوا حذرهم منه.
وقد وَثَّق الله في القرآن حضور الشيطان في غزوة بدر، تلك الغزوة التي اتصل فيها عالم الغيب مع عالم الشهادة في صورة واضحة، لترينا حقيقة الأحداث واتصال العالمين، ففيها عمل واضح للملائكة، وفيها تدخل واضح للشيطان، وكأنها تجسد دور التأييد الإلهي في طرف، والإضلال الشيطاني في طرف آخر.
“وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ” (الأنفال: 48). فهذا تدخل واضح من الشيطان، وتميل أغلب التفاسير أنه كان تدخلاً مادياً، فتذكر أن إبليس جاء يوم بدر في جند من الشياطين، وخرج مع قريش في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فلما حضر القتال ورأى الملائكة، نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، فقيل له: ويلك يا سراقة، على هذه الحال تخذلنا وتبرأ منا؟! فقال: إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب.
وحتى إن لم تصح هذه الروايات حول التدخل المادي الواضح، فتكفينا رواية القرآن، وتأكيده على محاولة تأثير الشيطان المباشرة في أحداث المعركة، سواء كان ذلك بالوسوسة أو بالتدخل الصريح.
ويظهر الشيطان مجدداً في غزوة أحد، ويعلمنا الله بدوره في فرار مجموعة من الصحابة، “إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ” (آل عمران: 155).
أما بعد غزوة أحد فبدأ الشيطان يؤجج مشاعر الخوف ليثني الصحابة عن الاستمرار في الحرب بعد أن جمع الناس لهم، “الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” (آل عمران: 173)، فكان دور الشيطان التخويف من لقاء العدو، “إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ” (أل غمران: 175).
وليس عجباً أن يُبرز الله دور الشيطان، ثم يجسد لنا راية الشيطان واضحة في موضع آخر، فهناك حزب الله مقابل حزب الشيطان، وهناك أولياء الله مقابل أولياء الشيطان، ويؤكد الله كيد الشيطان الضعيف في القتال، فهو يثبت له الكيد، ولكنه ضعيف، “الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا” (النساء: 76)، لم يقل الله في الآية إن كيدهم – أي أولياء الشيطان- كان ضعيفاً، وإنما كيد الشيطان.
وتأتي حادثة الإفك، التي تنال من بيت النبوة وعفاف أهله، وبعد أن يستعرض الله في كتابة الحادثة، ثم يوجه المؤمنين لكيفية التعامل مع مثل هذا النوع من الشائعات، يحذرنا من خطوات الشيطان، “يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ۚ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (النور: 21)، فأصابع الشيطان وخطواته بارزة في الأحداث، ولو انتبه لها المؤمنون مسبقاً ولم يتبعوا خطواته لما كانت الحادثة لتكون.
وإذا كان الشيطان يتدخل بهذا الشكل في معارك وأحداث كبرى، فهذا يعني أن وسوسته يمكن أن تمتد أيضاً إلى القرارات المؤثرة في حياة البشر في أي مجال، وقد تكون وسوسة الشيطان في إضلال مجموعة عن القرار السليم، سواء كان ذلك في اسرة صغيرة أو عائلة أو شركة أو حزب أو أي تجمع، فيكون من أسباب سوء اتخاذ قراراتها الاستماع لصوت الشيطان، فضلاً عن الانتباه لخطواته المتدرجة نحو الهاوية.
والشيطان لا يجبر أحداً على قرار، هو فقط يدعو، وتأتي النفس باستعداداتها وميولها من جشع وطمع وكبر وخوف فتستجيب لصوت الشيطان، لذلك أشار الله إلى أن هزيمة الصحابة في أحد كانت من أنفسهم، “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَٰذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (آل عمران: 165)، فالنفس هي التي استجابت لصوت الشيطان، في الوقت الذي ثبت آخرون من الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يتمكن نداء الشيطان من استثارة السيء في أنفسهم، فصوت الشيطان يحتاج إلى من يسمع له وينصت لما يقول، هذا الصوت الذي يكون خافتاً لا نشعر به غالباً، بل نشعر أنه من بنات أفكارنا، لأنه ينادي بما تهوى الأنفس، فتتبناه النفس مستجيبة له، فتعظمه طالما توافق مع ما تميل إليه.
إن وسوسة الشيطان تزيد من كثافة النداء السيء مقابل النداء الجيد للنفس، فهي التي تجهض صوت الشورى في مقابل صوت الاستبداد بالرأي، وهي التي تصم الآذان عن الاستماع لأي نصيحة، بل وتوجه للناصحين الخناجر، بدلاً من أن تنتبه لصرخات تحذير الحناجر، هكذا يزين الشيطان للناس أعمالهم.
والنجاة تكمن في سلامة النفس، ورجاحة العقل، والانتباه لمداخل الشياطين، والاستماع إلى الناصحين، وإعلاء قيمة الشورى، والاستعاذة من الشيطان، وطلب العون من الله، وأبسط سؤال يمكن أن يُسأل، أين مداخل الشيطان المحتملة فيما نقوم به؟! ثم إعادة النظر والتفكير في القرارات بناء على دراسة هذه المداخل.
إننا بحاجة كمجموعات إلى تحصين شامل، فننتبه لصوت الشيطان من جهة، وننتبه لفساد عقولنا وقلوبنا من جهة أخرى، هذا الفساد الذي يمنح الشيطان بيئة خصبة يزرع فيها أفكار السوء، ولنعلم أن عدم الاستماع للناصحين، ورفض النقد، واتباع الظن، والتبرير، وإنكار الأخطاء، كلها أسمدة تغذي نبتة الشيطان داخلنا، لتثمر تخبطاً وفشلاً في الحياة، ثم يأتي السؤال الذي يريد الشيطان دفعنا إليه.. أين الله مما يحدث لنا؟!.
إن أي مجموعة من البشر تتخذ قراراً عليها أن تدرك أنها ليست في معزل عن تأثير الشيطان، وأنه قد يورطها فيما لا تُحمد عقباه، حين يزين لها أعمالها، فيهمس فيهم إني جار لكم فيدفعهم إلى الهاوية وهم يحسبونه صوت الله مؤيداً لهم، ثم يكونون بعد ذلك فتنة تصد الناس عن طريق الله، ويحسبون أنهم مهتدون.
وائل عادل
18-05-2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع الحلقات السابقة


أضف تعليق