شيطان على بوابة الأذن

كما ينفذ الشيطان للإنسان عبر بوابة اللسان فيفسد الكلمة؛ فهو كذلك ينفذ عبر بوابة الأذن ليسبب عطلاً في الفهم، ومن ثم إضلال الإنسان، وهو جزء من مشروعه، “ولأضلنهم”، فإن لم يكن ضلال اعتقاد فضلال تخبط في الحياة، لذلك كان من الضروري أن نتوقف مع الإنصات كضرورة لتحرر الإنسان من مكر الشيطان.

         وقد أرشدنا الله إلى الاستعاذة من الشيطان، والإنصات عند قراءة القرآن، إذ يصعب الإنصات دون تحييد الشيطان وإبعاده عن مجال التأثير، فيأمرنا الله بالاستماع والإنصات للقرآن، “وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” (الأعراف: 204)، كما يأمرنا بالاستعاذة، “فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ” (النحل: 98). وبوضع الآيتين معاً نجد أن فهم القرآن يتطلب الاستعاذة والاستماع والإنصات.

         ويحول الشيطان دون الإنصات بطريقتين، الأولى أن يمنع الإنصات تماماً فيسد أذن المستمع، فهو يرفض الاستماع لما يقال بشكل مباشر، أو يسمع بأذنه دون أن يركز عقله وقلبه فيما يقال، بل ربما يبحث عن رد على ما يقال، والحالتان تعكسان امتناعاً عن الإنصات.

         أو قد يفسد الشيطان عملية الإنصات من خلال الهمس في أذن المستمع، فيشوش عليه الرسالة التي تصله من المتحدث، وقد يشعل في قلبه سوء الظن فيتقول على المتحدث ما لم يقله، أو يؤول كلامه للأسوأ. وفي الحالتين يدمر الشيطان عملية الإنصات، سواء بمنع الاستماع أو التشويش عليه.

         لماذا ننصت؟

         وحين ينال الشيطان من عملية الإنصات فإنه بذلك يستولي على عقل المستمع، فيضمن أن تكون تصوراته حول ما يحدث من حوله قاصرة أو خاطئة، وهو ما سينعكس على قرارته لاحقاً، فالإنصات ليس مجرد حسن خلق مع الشخص المتحدث، بل له فوائد عدة:

         حاجتنا إلى الفهم: فنحن الذين نحتاج فهم ما يدور حولنا، أو ما يقوله المتحدث، وإلا بنينا تصورات خاطئة، وهذا يعيبنا نحن وليس المتحدث، فنحن لا ننصت مجاملة لمن يتحدث، وإنما لأننا في حاجة للفهم، وعدم فهم من أمامنا يعني قصور في التواصل، وجهل بالحقائق، وأزمة في القرارات. فالإنصات ينجينا من كل ذلك.

         النجاة من سوء الظن: وهو جزء من التصور الخاطيء عن الحقائق، إذ أننا نسمع صوت الشيطان أو النفس دون المتحدث، والإنصات الجيد مع الاستوثاق مما يقول المتحدث؛ يقينا هذا العبث الشيطاني بعقولنا وقلوبنا.

مساعدة المتحدث للتحرر من الشيطان: فالشيطان يأتي المتحدث عبر اللسان، ويأتي المستمع عبر الأذن، وكلما أعطينا الأمان للمتحدث ليوضح ما يريد قوله على أفضل نحو؛ جنبناه تلاعب الشيطان به، خاصة حين نجعله تحت ضغط رفض الاستماع أو سوء الإنصات، حينها يستثير الشيطان مشاعره ويشوش على عقله فيفسد قوله.

التطور الشخصي وتلقي النصيحة: فالإنصات هو وسيلتنا لتلقي النقد، ومن ثم التطور الشخصي وتصحيح المسار، وهو ما لا يُرضي الشيطان، لذلك يجعل عملية النقد ثقيلة علينا، فنبادر بالهجوم على الناصحين، أو يلقننا مقولات على غرار “انصح نفسك أولاً”، أو نبادر باتهام الناصح والتفتيش عن نواياه. كلها محاولات لمنع نور النصيحة أن يصل إلى القلب وينير العقل، لذلك كان الأولى هو الإنصات والتفكير إن كان ما يقوله المتحدث يستحق الانتباه فعلاً، بغض النظر عن سلوكه هو؟!

آداب الإنصات

ولكي نتمرن على الإنصات الجيد يمكن مراعاة ما يلي:

التركيز مع المتحدث: فيكون الاستماع بالأذن والقلب والعين، لأن الغرض هو استيعاب الرسالة وليس الوقوف على الكلمة، والرسالة تصل بتعبيرات الوجه والجسد، وتصل بالكلمة، كما تصل بالمشاعر التي تنقل تلك الكلمة، لذلك فمن ينصت يستخدم كل أجهزته التي تساعده على استيعاب وفهم مراد من يحدثه.

عدم المقاطعة: فالمقاطعة تعني تمزيق حبل التواصل، وتعطيل أجهزة الإنصات لدى من يُفترض أن ينصت حتى ينتهي المتحدث.

عدم الانشغال بتجهيز الرد: فالانشغال بتجهيز الرد أثناء حديث الشخص الآخر، يعني تحويل دفة الإنصات إلى أنفسنا، فأصبحنا نستمع إلى أنفسنا وما تريد قوله، ولا ننصت إلى المتحدث، وربما حينها ننصت إلى الشيطان الذي يوسوس لنا ويملينا الردود بدلاً من الإنصات للمتحدث، لقد اختطف الشيطان الميكرفون ليتحدث هو، أو ربما هو صوت النفس التي لا تحسن الإنصات.

محاولة الفهم دون الحكم: فالأصل هو إسداء المعروف لأنفسنا بانتشالها من سوء الفهم، دون الانشغال بالحكم على الأشخاص، لمجرد كلمة أو موقف، ولتجنب سوء الفهم يستلزم ذلك الاستوثاق مما فهمناه، وتجنب إطلاق الأحكام، فإن كان لابد من الوقوف على حكم على الشخص فسيكون ذلك بمراجعته في كل صغيرة وكبيرة قد أبني عليها الحكم، ولا أترك هذه العملية يتم التحضير لها مع الشيطان.

تكرار ما سمعناه وطرح الأسئلة: لذلك نقول للمتحدث خلاصة ما فهمناه، فيصحح لنا سوء الفهم، أو نطرح عليه الأسئلة لتتضح لنا الأبعاد التي لم نستوعبها بعد.

إننا إذا راعينا هذه الآداب سنتحرر من سيطرة الشيطان على عقولنا، سواء كنا منصتين أو متحدثين، وسيساعدنا في ذلك وعينا بمرابطة الشيطان على بوابة الأذن، حينها سيتغير موقفنا من الإنصات تماماً، من متبرمين منه إلى ممتنين له، ومن معرضين عنه إلى مقبلين عليه. معتبرينه حقاً أصيلاً لنا، لا يجوز أن يسلبه منا أحد، فأن تنصت يعني أن تفهم.

إن الحرب مع الشيطان سيخوضها المتحدث والمنصت كتفاً بكتق، فمن يراعي آداب الحديث سيحيد شيطانه وشيطان المستمع قدر الإمكان، ومن يراعي آداب الإنصات سيفعل المثل ويحيد الشياطين، وفي النهاية لا ننسى الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، سواء كنا متحدثين أو منصتين، ولنرفع راية “فاتخذوه عدواً”، وليعلم أنه ضيف غير مرحب به إطلاقاً في مجالسنا، بل عدو مبين ليس له منا سوى الطرد واللعنة.

وائل عادل

08-05-2025

انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق