الغواية المرعبة

ذكرنا في مؤشر درجات الغواية أن الغواية المرعبة هي التي لا تغفرها التوبة وحدها؛ وإنما تتطلب رد المظالم وطلب العفو ممن وقع عليه الضرر، مثل الغيبة والنميمة والسخرية من الآخرين وأكل حقوق الناس، ويتربص الشيطان بالإنسان لدفعه لمثل هذا النوع من الغواية، التي قلما ينجو منها أحد، خاصة ما يتعلق بجرائم اللسان، وعادة لا ننتبه إليها وقد لا تنكرها قلوبنا بسبب إلفها، لذلك سأركز هنا على جرائم اللسان، لأنها تتطلب المزيد من الانتباه والوعي والحذر على المستوى الفردي ومستوى المجموع.

وقد نقترف الجريمة دون أن نشعر بها حينً تطال أفراداً لا نعرفهم بشكل شخصي، كأن نغتاب أو نسخر ممن لا نعرف، لكننا نعلم أنهم إن وصلتهم غيبتنا وسخريتنا سيتأذون، ويشمل ذلك كل من يتصدون لعمل عام من مشاهير وفنانين وغيرهم، فكم من ممثل أو مقدم برامج تمت السخرية مثلاً من جسده أو صوته أو مظهره، ولو تعلق الأمر بنقد موضوعي فلا بأس، والمتصدر للعمل العام يحتاج النقد الموضوعي، لكن مجالس الشيطان تتم فيها السخرية الشخصية بعيداً عن النقد الموضوعي، فهل نظن أن هؤلاء الذين يتصدون للعمل العام ليسوا بشراً لهم حقوق ومظالم عندنا؟! هؤلاء كيف سنطلب عفوهم في الدنيا فننجو من القصاص في الآخرة؟!

استدراك الأمر

         إن حساسيتنا لهذه الغواية المرعبة ينبغي أن تزيد، فلا نقع في هذا الفخ الشيطاني الذي لا نجاة منه إلا بعفو من آذيناهم، وذلك يتطلب أذناً واعية تتوقف عند أي كلمة قد تكون طُعماً من الشيطان ليجرنا إلى الحديث عن الناس بما لا يُرضي الله، كما تتطلب لساناً لا يتلعثم يوقف هذه الكلمة قبل أن تٌغذى وتكبر فتتحول إلى جريمة تحيط بمن تلفظ بها أو صمت عنها، وتستلزم جرأة لإيقاف أي حديث مسيء عن الآخرين، أو إعلان الاحتجاج بالقيام وترك المتحدثين دون أن نخاف في الله لومة لائم، المهم ألا نشترك في هذه الجريمة بالإكراه لمجرد الحرج أو كسب خاطر من نجلس معهم، أو خشية أن نظهر في أعينهم كأشخاص مملين.

والجانب المبشر في إمكانية الحذر من هذا النوع من الغواية؛ أنه لا يتم بشكل فردي في بعض أصنافه، فالغيبة تتطلب على الأقل شخصاً واحداً يحضر الغيبة وينصت لها، هذا الشخص أو المجموعة بيدها منع الجريمة قبل حدوثها.

الهدايا المخبأة

         فإن وقعنا في المحظور بادرنا بطلب العفو ممن ظلمناهم، فإن لم نتمكن لأي سبب من الأسباب في الوصول لهم، نعد لهم هدايانا التي قد تشفع لنا يوم الدين، فنغمرهم بالدعوات الصالحات في الدنيا إلى أن نلقى الله، كما ندعو لهم بقصور وجنان خاصة يعلمون حينها أنه منا تكفيراً لما قمنا به، ونسأل الله لهم النجاة من هول القيامة وتبديل سيئاتهم حسنات، وأن يجزيهم بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر تكفيراً عن ذنبنا تجاههم، فإن أردوا القصاص أراهم الله تلك الهدايا المدخرة التي دعونا بها لهم، وأنه لولا دعواتنا لما كانت لهم.

         وبذلك أيضاً نفسد على الشيطان فرحته بعد إيقاعنا في الغواية؛ حين يجد أن من عباد الله من سيكفر الله عنهم سيئاتهم بسبب دعوات من أساءوا لهم وندموا على ما قاموا بهم ونذروا وقتاً من عمرهم للأخذ بيد من أساءوا لهم يوم القيامة، وهؤلاء الذين أسأنا إليهم ليسوا بالضرورة أولياء رأوا مقعدهم من الجنة، فمنهم ظالم لنفسه، ولربما تبدلت منازلهم للأفضل وتاب الله عليهم بسبب دعواتنا، حينها يزداد إبليس كمداً فوق كمد، وغيظاً فوق غيظ، فتلك الغواية التي أوقعنا فيها كانت سبباً في توبة الله على عباد آخرين ربما لم يكونوا ليفوزوا بتلك المنازل في الجنان لولا دعوات مخلصة أحاطت بهم، ورب غفور يعفو عن السيئات.

هذه مجرد أفكار عامة وأمثلة، وكل يكفر عن ذنبه بالشكل الذي يفتح الله به عليه، والغرض من هذا الطرح أن نهتم بهذا الموضوع اهتماماً كبيراً، ونخصص له من حياتنا وعباداتنا جزءاً إلى أن نلقى الله، ألا يستحق الأمر؟!

أما إن كنت أنت من وقع عليه الظلم، فاغتابه الآخرون أو سخروا منه، وكنت من أولي العزم؛ فاصبر واغفر، “وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ” (الشورى: 43)، وحرر فلبك من استحواذ الشيطان، فإن وسوس إليك مستغلاً ما تحمله في قلبك من كراهية لهذا الشخص، ويدعوك مرتجفاً يكاد يتوسل إليك ألا تستفيق وتغفر لمن آذاك؛ فليحمل قلبك أضعاف تلك الكراهية للشيطان الذي ينزغ بين الناس، فتُفسد عليه ما أراد بعفوك عن طلب العقوبة، وصفحك بتطهير القلب وتجنب اللوم، عسى أن تنال ومن عفوت عنه مغفرة الله، “وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ” (النور: 21).

وائل عادل

07-05-2025

انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق