هناك بوابتان أساسيتان ينفذ منهما الشيطان إلينا، بوابة الأفكار وبوابة المشاعر، فهو يوسوس بالأفكار السلبية، أو يغذي فكرة بالفعل موجودة في الرأس فيضخمها ويجعلها تتغول وتقود صاحبها، مثلاً قد يزرع فكرة من قبيل “هذا الشخص لا يحبك ولا يتمنى لك الخير”، أو قد يغذي فكرة هي بالأساس لديك مثل “أنا أفضل من كل هؤلاء”. وكلنا تملؤنا أفكار جيدة وسيئة، والإنسان يرجح أي الأفكار سيسلمها القيادة، وهنا يدفع الشيطان بعض الأفكار عنوة إلى المقدمة لتحتل الصدارة، ولتتسلم زمام القيادة، وتُخضع بقية الأفكار المناهضة لتلك الفكرة.
نفس الأمر مع المشاعر، مثل الضيق والحزن والقلق، يغذيها الشيطان لتتسلم الراية وتفسد حياة الإنسان، لذلك كانت ضرورة الانتباه للأفكار والمشاعر التي تسيطر على عقولنا وقلوبنا، وعدم إعطائها صلاحيات القيادة إلا بعد مراجعة بطاقات هويتها والتحقيق معها، لصالح من تعمل وماذا تريد؟!
وحركة الشيطان في عقولنا وقلوبنا قد نستشعرها في أبسط المواقف اليومية، فمثلاً شخص فور أن يراك يقول لك: “لماذا زاد وزنك هكذا؟”، حينها ستستولي على عقلك أفكار قد تنال منك شخصياً فتؤثر على معنوياتك، أو تنال ممن أمامك وتصفه بالمتطفل الذي لا يعرف حدوده، أما المشاعر فقد تكون الحزن على ما وصل إليه جسدك، أو الغيظ والغضب ممن قال لك هذه الجملة، ففور أن تجد مثل هذه الأفكار والمشاعر السلبية توقف فوراً وابدأ بتحسس مدفعك.. وصوب نحو الشيطان أولاً، اكتشف الشيطان وهو ما زال في بداية الخط ولا تترك نفسك فلا تنتبه إليه إلا في نهاية المحطات بعد أن يكون نزغ بينك وبين القائل وأفسد علاقتكما.، أو نزغ بينك وبين نفسك فكرهتها.
ومن يتخذ الشيطان عدواً سينتبه أن ثمة حركة مريبة تدور في عقله وقلبه، حينها سيعلن التفتيش عن الدخلاء، هذه العملية المتأنية داخل النفس قبل أي رد فعل خارجي ستعطيه فرصة للتأني واتخاذ القرارات الأفضل، فسيراجع أفكاره ومشاعره، لكن لينتبه ألا يكون الشيطان ممن يراجعون معه تلك الأفكار فيزين له عمله، لذلك يبدأ بالاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم، ويمكن أن يردد قول الله “فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ” (ص: 77-78). يقولها بروح المقاتل الذي يطرد الشيطان بإذن الله من جنة عقله وقلبه، وقد وردت هذه الآية في موضع آخر بلفظ “اللعنة” وليس “لعنتي” “وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ” (الحجر: 35). وفائدة تكرار “لعنتي” أنك تارة تتذكر لعنة الله له من الجنة، وتارة تنسب هذه اللعنة إليك لأنك تطرده من حياتك، فتساعدك على استشعار الحرب، فالشيطان عليه لعنة الله والملائكة والناس.
لن يمر تسلل الشياطين إلى عقلك وقلبك مرور الكرام، لقد ألقوا عصيهم ليتلاعبوا بك، فألق عصاك تلقف ما يأفكون، قام الشيطان بخطوته والآن حان دورك لتكبده خسائر فادحة.
فإن أردت رفع كلفة ما فعل الشيطان من وسوسة فبادر بالاستغفار، ثم الاستعاذة بالله، وابدأ باتخاذ الإجراءات اللازمة مع ذلك المتسلل، فإن كان المتسلل هو قرينك الملازم لك حتى الممات فسيضعفه ذكر الله ويجهض وسوسته، أمام إن كان المتسلل من الخارج فحظه سيء أن اختارك أنت للوسوسة، جهز مدفعية الدعاء، وادع على من قام بهذا التسلل من الشياطين، سواء كان إبليس أو أحداً من جنده، فادع الله لينتقم منه، ويأخذه أخذ عزيز مقتدر ويجعله عبرة لمن خلفه، وهكذا تتطور الاستعاذة بالله إلى الاستعانة به في رد هذا العدوان السافر على عقلك وقلبك.
وإن أردت رفع الكلفة أكثر فبادر بعمل خير، وما أروع أن يكون هذا العمل عكس ما كانت به الوسوسة، مثلاً أراد منك أن تسيء الكلام مع شخص فأحسن القول له، أو أراد منك منع خير عن صديق فزد في الخير، وقد ترفع الكلفة بشكل مستقل عن العمل، فتشكر الله أن نبهك لهذا التسلل الشيطاني، فتتصدق أو تقوم ليلك أو تصلي ركعتين.
فإن أردت المزيد من التنكيل فبادر بالسجود حتى يُقهر الشيطان باكياً، فقد أورد مسلم في صحيحه: “إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ، اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ : يَا وَيْلَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي كُرَيْبٍ : يَا وَيْلِي، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ “[1]
أياً كان ما تفعل.. اجعله يصرخ متوسلاً.. يا سيدي حقك علي.. كانت مجرد وسوسة!! ثم ليرسل نداءه إلى سراياه.. احترسوا من أولياء الله، ليس لنا عليهم سلطان!! قد ننجح في إشعال شعلة خفيفة في طرف ثوبهم، لكنهم سرعان ما ينتبهون ويطفئونها بطرف أصابعهم كمن يطفيء لهب شمعة، ثم يلتفتون إلينا في ابتسامة ساخرة، ليحرقوا خيرة جنودنا من شياطين الجن دون أن تطرف لهم عين، فبدعوة صادقة تتفتح لها أبواب السماء، لتمطرنا بحمم جحيم من عزيز ذي انتقام.
وائل عادل
30-04-2025
[1] مسلم، صحة إشارة الحديث تتراوح من51.07 % إلى 77.38 %
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع حلقات السلسلة


أضف تعليق