يلعب الشيخ دوراً أساسياً في رحلة الارتقاء الروحاني، فهو الذي يعلم المفاهيم المتعلقة بالمجال الروحاني، ويفسر الظواهر الماورائية، ويتابع مسار الارتقاء لدى المريد. والشائع في مجال المشيخة الروحانية هو التسليم التام للشيخ فيما يقول، وهو أمر مفهوم في إطار جهل المريد بالطريق، وأنه حتى يتعلم يجب أن يتحلى بالصبر واتباع الشيخ، حتى يظهر له الطريق تدريجياً ويستطيع أن يقيم بنفسه ما يحدث فيه.
لكن الشيخ في النهاية بشر، يعتريه ما يعتري البشر من قصور، ويطبع الطريق بتركيبته الشخصية، أو بتجربته الذاتية، وهو كبشر يسير في رحلة ارتقاء روحي – بعيداً عن كونه شيخاً، قد يمر ببعض التحديات التي لا يدركها هو، وقد يحتاج إلى من يشير إليه بتلك التحديات التي غالباً ما يعيشها دون أن يلحظها بحكم الاستغراق فيه. والتحدي الذي سأركز عليه هنا هو تحدي الاختطاف.
فالشيخ الروحاني قد يكون مختطفاً من قِبل ما نشأ وتربى عليه، خاصة في المجال الروحاني حين يتم توارث بعض المفاهيم باعتبارها حقائق دون تمحيص أو نقد، فهو هنا مختَطَف لما اعتقده من سبقوه ولقنوه إياه، وبحكم التسليم فلم يسأل أو يناقش، ثم يأتي بدوره ليعلم مريديه تلك المفاهيم أو المعلومات كحقائق لا تقبل النقاش، منها مثلاً مفهوم “العلم اللدني“، “الولي”، “المُجَرَّبات“. وقد يتعلق الأمر بالمنهج ذاته مثل منهج الأوراد وطريقتها وعددها والطقوس المصاحبة لها – إن وجدت.
وعادة ما يصعب اكتشاف الاختطاف لأن الشيخ لا يتصور أن تكون لديه مفاهيم تحتاج إلى تصحيح، فهو الذي يملك الحقائق الروحانية ويعلمها للآخرين، سواء تعلمها هو بنفسه أو ورثها عن شيخه، ومع الوقت تتحول المفاهيم والمنهج إلى معتقد، يفكر به ولا يفكر فيه، عندها يكون قد أحكم القفل على نفسه.
والشيخ الروحاني قد يكون مختطفاً من عالم الجن أو الشياطين، فهم مدخله إلى الطريق، وهم معلموه ومصدر الإلهام، وأحياناً مستشاروه الذين ينصحون له في أمور الحياة، والمختطف في عالم الجن يبقى بدونهم مشلولاً، وبهم يمشي أعرجاً يتخبط في قراراته، فهو يرى بأعينهم ويحس بقلوبهم، ويستمع لإيحائهم ووسوساتهم، فينعكس ذلك على سلوكه وكأنه تطبع بطباعهم وانفعالاتهم، وقد يتطور الأمر فتكون أوراده يُذكر فيها الله بينما يراد بها طلب نصرة الجن، فحتى عبادته قد تُختطف وجهتها، وتتغير دفتها، كل ذلك يحدث والشيخ المختطَف لا يشعر بأية مشكلة، فهذه العملية تتم تدريجياُ، في البداية يكسبون ثقته، ثم يستحوذون عليه دون أن يشعر، “وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ” (الزحرف: 37).
وقد تتعدد أنواع الاختطاف، لكني ذكرت هنا فقط هذين الصنفين كمثال، ليعلم المريد أن شيخه حتى لو بدا صالحاً قد يكون مختطفاً بشكل ما، وليس مطلوباً أن يبحث المريد عن الكمال في شيخه، ولكن أن يكون معه في علاقة تفاعلية، فيفيد شيخه كما يستفيد هو منه. لأن الشيخ أحوج ما يكون إلى عين أخرى تنظر إليه، إلى مرآة تريه أخطاءه المؤثرة على الطريق وعلى من يتبعونه، وتقول له أحياناً “ليس هذا بالمنزل”، وفي ذلك حماية للشيخ والأتباع على السواء.
ومن وفاء المريد لشيخه إن رآه أسير أي نوع من الاختطاف أن يأخذ بيده، فيدعو له، ثم يوضح له أشكال الاختطاف التي يرى أنه واقع -أو على وشك الوقع- فيها. وعلى الشيخ أيضاً أن يعلم أنه لا يستعصي على الاختطاف إلا برحمة من الله، فيستمع القول ويتبع أحسنه، وأدنى درجات الاستماع أن ينصت ويفكر فيما يقال بجدية، ويعلم أن هذا المريد البسيط قد يكون جنداً من جنود الله يحمل رسالة ربه إليه، ويعلم أيضاً أن المختطِفين لن يتركوه بسهولة، سواء كانوا مشايخ المدرسة أو المفاهيم التي نشأ عليها أو هوى نفسه أو عالم الجن والشياطين الذي لن يفلته بسهولة.
وليحسن المريد القول ويتخير أفضل السبل حتى لا يكون عوناً للشيطان، وليعلم أن النصح قد يُستقبل في البداية بإنكار شديد ورد فعل مبالغ فيه، بل وربما اتهامات وطعن للمريد، فليصبر على ذلك الأذى، وليعلم أن الاختطاف كلما طال وقته تسلل أثره فيجري مجرى الدم ليغذي كل العروق، وكأن المختطَف مسلسل من كل خلية بقدر ما سمح للاختطاف أن يدوم. فمخالب المختطِفين غْرست في كل خلية في جسده، والإنكار الشديد والنقاش غير الموضوعي من الشيخ قد يعكس علامة التألم من نزع أول مخلب رُشق في جسده.
أما من هم على أبواب المشيخة الروحانية ولم يوغلوا فيها بعد، فلينتبهوا ألا يُختطفوا، وليسمعوا لكل ناصح لهم، ويراجعوا أنفسهم باستمرار، وليجعلوا ذلك من أصول مدرستهم الروحانية، الحذر من الاختطاف، واستماع القول واتباع أحسنه.
22-04-2025
وائل عادل
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً“. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع حلقات سلسلة ما بعد التصدعات
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق