من الشائع في المجال الروحاني مقولة “لا تخبر أحداً”، مثلاً لا تخبر أحداً برؤاك التي تتحقق، أو برؤى صالحة مثل رؤية الجنة أو الأنبياء عليهم السلام، أو بملكات وقدرات خاصة. والسبب أن من يتحدث في هذه الأمور تسلب منه.
وقد حيرتني هذه المسألة وبحثت فيها، ولا أدعي أنني وصلت فيها لنتيجة نهائية ولكنني سأستعرض ما وجدته وما أتبناه من وجهة نظر حتى ساعة كتابة هذا الموضوع,
أول ما يتبادر إلى ذهني سؤال.. فكيف يسلب البشر من شخص هبة إلهية؟! ومن هذا الذي يستطيع أن يحجب النور الإلهي إن أراد الله له أن يصل إلى عبد من عباده؟!
بدأت بدراسة رحلة خيرة الناس ممن أوحى الله إليهم من الأنبياء، هل قال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم لا تخبر بالوحي لأنك إن أخبرت الناس سينقطع؟ أم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان مأموراً بتبليغ الوحي فوراً، والحديث عنه وعن كيفية حدوثه، بل وذكر اسم الملك الموكل به.. جبريل عليه السلام؟!
كما أنه لم تصلنا أي رواية نبوية صحيحة تقول أن من رأى رؤيا صالحة فلا يخبر بها أحداَ وإلا ستُسلب هبة الرؤى الصالحة، فعدم الإخبار لعلة أخرى، يخبرنا بها يعقوب عليه السلام، فيطلب من ابنه يوسف ألا يقصص رؤياه على إخوته، هل خشية أن تُسلب منه هذه النعمة؟! “قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (يوسف: 5). فالعلة هنا من التحذير هو أن تتسبب معرفتهم بالرؤيا في أن يكيدوا له، وليست العلة هي خشية أن تسلب هذه النعمة.
وعندما بحثت في الأمر لدى بعض المهتمين بالمجال الروحاني وجدت تفسيرات عدة عن سبب عدم الإخبار بالملكة الروحانية. البعض يقول لا تخبر لها خاصة في بدايتها حتى لا ينتبه الشيطان وأعوانه من الجن فيحولوا دون اكتمال الموهبة، بعد أن تكتمل يمكن للشخص الحديث عنها.
والبعض له تفسير أن السبب في ذلك أن أغلب هذه الملكات هي من الجن، فإن تحدث الشخص عنها سُمع ذلك في عالم الجن، وعوقب الجن الذي تسبب في إيجاد أو تنمية هذه الملكة، فتنقطع الهبة لفترة من الزمن وقد تعود أولا تعود بحسب سلوك الجن الذي تسبب فيها. فمثلاً يرى شخصاً منامات كثيرة بأمور مستقبلية تحدث له، ووراء هذه الرؤى صحبة حوله من الجن تحبه فتعطيه هذه المعلومات في المنام، فإن تحدث بها سُلبت منه هذه الصحبة أو توقفت عن فعلها أو شيئاً بين ذلك وذاك.
والبعض له تفسير أن الله يريد للإنسان أن تكون نفسه خالصة لخالقها فلا تتعلق إلا به، وعندما يتحدث الشخص عن الهبة فإنه يرى نفسه، فتُسلب منه حفاظاً عليه من طغيان “الأنا”، فيكون الحجب من الله حفاظاً عليه من نفسه.
هذه هي أغلب الآراء التي وصلت إليها في محاولة تفسير علة ألا تخبر عن هبة الله الروحانية لك، ومبدئياً من حيث المبدأ لا نجد أي نص قرآني ينهى أو يحذر من الحديث بنعمة الله على الإنسان، بل هو مأمور بشكر النعمة والحديث عنها، “وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ” (الضحي: 11)، فهل نترك صريح القرآن لمفاهيم ظنية قد تقدح دون قصد في الذات الإلهية وقدرتها؟! فمن يقولون أن الحسد سواء من الإنس أو الجن يمنع استمرار الهبة سيضعنا في محل تساؤل عن قدرة الله وإرادته، سنفترض أن الحسد والعين بإمكانهما أن يؤثرا على حياة شخص، قد يفقد ماله أو شيئاً عزيزاً لديه، لنفترض ذلك، فهو سيفقد ما أصبح بحوزته وأصبحت مسؤولية حمايته على عاتقه هو، لكن كيف سيفقد اتصالاً روحانياً منشؤه من الله سبحانه وتعالى؟! من هذا الذي يحول بين الله وعبده؟! لذلك لا أستسيغ هذا التصور لأنه لا يراعي اعتبار خصوصية الهبة الروحانية إن كانت من عند الله مباشرة.
أما إن كانت تلك الهبة من عند الجن كما يرى البعض فهنا سيكون الأمر مفهوماً، هو تفاعل وتدافع داخل عالم الجن ينعكس أثره على صاحب الملكة، كما أن المصدر المادي المباشر للهبة في هذه الحالة هو الجن، وهنا يمكن أن يتأثر المصدر ويعطب أو حتى لا يعمل مجدداً أبداً.
خلصت يفكرة حتى الآن أننا حين نتحدث عن الملكة فيمكن عمل اختبار عكسي لمعرفة مصدرها، مثلاً شخص يقول كنت باستمرار أرى الرسول في المنام وعندما تحدثت بذلك لم أره مجدداً أبداً، فإن كان ذكر الرؤيا حباً للرسول وفرحاً به وليس “إنما أوتيته على علم عندي”، فالحرمان هنا لا يدعمه أي نص شرعي، أن الله يحرم عباده الذين يتحدثون عن فضله عليهم، وقد يكون سليم النفس ويُحرم لأن الله أراد أن يعطيه هذه الهدية مرة واحدة، ليت المشتكي من حسد الناس أخذ برأي أن السبب هو تشوف النفس وظنها أن ما لديها بسبب اجتهاد محض، أو رأت تميزها عن غيرها بذلك، فسلبها الله هذه الهبة، فهو هنا يحيل الأمر كله لله.
ستكون الإشكالية مع من يقول أن ما حجب هدية الله هم البشر أو الجن حين ذكرنا الأمر أمامهم. هذا ما يصعب استيعابه، أن نخشى الخلق ونحن نتحدث عن هبة إلهية نعلم أن لا أحداً من خلقه – سواء من الإنس أو الجن – يستطيع منعها. فمن يرى أن سبب المنع يدخل في عالم أسباب الإنس والجن، سيكون الأقرب هو رأي من يقول أن سبب الهبة هو عالم الجن، وبالتالي فهذه الرؤيا كان مصدرها الجن لتشجيع الشخص على اتباع أوراد مثلاً تعاهدوا معه عليها، وعندما تحدث عن الموضوع وهو ما زال في البدايات منعت عنه تلك المكافأة.
إنني أرى أن أخطر ما يواجه الإنسان في رحلته الروحانية هو كل مفهوم يقدح في تنزيه الله سبحانه وتعالى أو يقترب من دائرة الشرك، ويكون من غير المفهوم خشية الناس في رحلة يزعم صاحبها أنه متصل مباشرة بالله يتلقى أنواره، ثم يشك بلسان الحال لا المقال في قدرة الله على إيصال نوره وحمايته فضلاً على أن يتمه. ما أراه شخصياً تعبداً لله سبحانه وتعالى الحديث عن أي هبة روحانية، بل أصرخ بها في العالمين إن لزم الأمر مبلغاً رسالة ربي وشاكراً لأنعمه، فإن كانت خالصة من عند الله فلو اجتمعت الإنس والجن على أن يخمدوا نور الله ما استطاعوا، وإن كانت من عند غير الله فستتلاشى مع أول همس بها.
وائل عادل
09-04-2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع مقالات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق