هل لعنت إبليس اليوم؟

أراد إبليس أن يكون من المنظَرين، فيا لتعاسته وخفة عقله!! “قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ *قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ *إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(الحجر: 36 – 38)، فأعطاه الله ما أراد، وما درى إبليس أنه بهذا الإنظار يعيش يومياً عذاباً قد يتمنى معه الموت، فهو لن يعيش حياة كريمة؛ بل عمراً مديداً مع مقت شديد له من كل المخلوقات التي تسبح ولكن لا نفقه تسبيحهم، سمعة سيئة تطارده، حتى أن من جنسه من يتبرأون منه، فيصفه صالح الجن بالسفيه، “وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا” (الجن:4)،  أما ما يزيد من عذاباته أنه ملعون إلى يوم الدين، وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّين” (الحجر: 35)، فلا أمل في توبة الله عليه، فهو كائن يائس تماماً، وهكذا لُقب، إبليس، أي اليائس، حتى أن القرآن تجاهل تماماً ذكر اسمه وأعطاه هذه الكنية التي سيعرف بها في الثقليْن، اليائس.

ليس هذا فحسب فسيكون كل هذا العمر المديد سمته الأساسية اللعنة الدائمة من الله وملائكته والناس أجمعين، فإن كان الكفار الذين كانوا يكتمون الحق بعدما عرفوه يلعنهم كل خلق الله، فما بالنا برأس الكفر والشر، “إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ” (البقرة: 159)، “إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِين” (البقرة: 161).

ولأننا من الناس أجمعين فإننا نتقرب إلى الله تعالى بأن نكون ممن تتضمنهم هذه الآية، فنلعن الشيطان كلما تذكرناه، ليذوق العذاب، وليعلم أنه مهما نال من جوارحنا وحرضها على معصية الله، فإن قلوبنا مع الله، وأن ولايتنا لله وحده، وأنه إن بحث عن مكان له في قلوبنا فلن يجد إلا لعنات تمطره.

وسيعيش الشيطان بيننا رجيماً، ترجمه لعناتنا، ويمكن أن يكون اللعن جماعياً كما يحدث في رمي الجمرات في مناسك الحج، فيقوم بهذا العمل مرة كل عام من استطاع إليه سبيلاً، ويمكن أن يذهب أيضاً إلى مساحات أخرى، وأن يبدع الناس أنشطة من شأنها لعن الشيطان والتذكير بأنه ملعون، هذا كله يدخل في إطار الاجتهاد البشري في التعامل مع هذا الكائن، مثلاً إن أمسكت لصاً سيكون لديك مسار الحكم الشرعي والقانوني، ومسار الإبداع الإنساني أيضاً في تحذير الناس منه أو رفع تكلفة السرقة عليه، فيسعك أيضاً إبداع أعمال لإيلام هذا اللص، مثل وضع صورته على وسائل التواصل الاجتماعي، أو عمل رسومات ساخرة منه، أو أي شيء ترى أن فيه منفعة للناس إن فعلته.

نفس الأمر في التعامل مع الشيطان، ولكنه ليس مجرد لص، بل مجرم يقف لبني آدم في كل طريق، أقسم ليغوينهم أجمعين. وإن كان هناك من لا يشعر بعد بعداوة الشيطان أو أنه يستحق كل هذا فليتذكر أي مجرم حرب سفك الدماء وقتل الأطفال وأحرق المدن، فاعلم أن إبليس هو أكثر الكائنات إجراماً، وهذا هو مشروعه، يستخدم فيه أولياءه من الجن والإنس، وعلى هذه الجرائم تأسست مملكته، وبذلك توعد، ومن أجل ذلك يعمل، فإن كنت تلعن مجرم الحرب مرة؛ فالعن إبليس ألف مرة.

لقد أكد القرآن أن الشيطان سيعيش ملعوناً منفياً إلى يوم الدين دون تفصيل، ويسع البشر أن ينطلقوا من هذه الحقيقة وهذا القرار الإلهي، ويبدعوا ما شاءوا للتضييق على الشيطان في معيشته وتنغيص حياته.

وبذلك نعيد النظر إلى “اللعنة”، فهي ليست مجرد قرار إلهي نافذ المفعول إلى يوم الدين، بل نشاط يومي لأولياء الله دعماً لهذا القرار ونصرة له، كأن يقول الله أن كلمته هي العليا، وهذا سيحدث بجند الله الذين يختارهم لإظهار كلمته، كذلك يمكن أن نستنتج أن هناك من جنده من يتم بهم لعنة الشيطان، فلنكن من جنده الذين يحظون بهذا الشرف العظيم.

فليتحقق بنا التطبيق العملي لبرنامج اللعن الكوني الذي ذكرته الآيات، لعن باللسان، ولعن بالقلب، ولعن على مستوى الأفعال التي تجهض حيل الشيطان، ولعن على مستوى المكانة، فلا وجود لليائس السفيه في حياتنا، قد يختلس منها بعض اللحظات بجهالة منا، لكنه لن يستحوذ عليها.

إننا حين نسمع “وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّين” (الحجر: 35)، لا يسعنا سوى أن نقول.. سمعاً وطاعة يا الله، فليكن لنا شرف المساهمة في تأكيد وتطبيق هذه اللعنة، ويا معشر الشياطين، فلتكن اللعنة عذاب من عند الله أو بأيدينا، فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ.

         ومن يدري!! لعلنا ندرك ذلك اليوم، الذي تستفيق فيه البشرية، وتجتمع على قلب رجل واحد، مطلقة مليونيات رجم ولعن الشياطين، فيهتف الجميع في وقت واحد.. “نعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.. “اخرج منها فإنك رجيم”.. “جند الله قادمون.. عرش الشيطان يزلزلون”.

وائل عادل

12/02/2025

انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.

جميع الحلقات السابقة

أضف تعليق