لدى الشيطان أزمة مع بني آدم، وإذا استوعبنا جيداً هذه الأزمة سنعرف الجبهات التي يحاربنا عليها، وتظهر هذه الأزمة بوضوح في وجود كائن كرمه الله عليه، “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا” (الإسراء: 62).
والشيطان يعتقد في قرارة نفسه أنه الأفضل، وقد صرح بذلك، “قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ” (الأعراف: 12)، وسنجد في سورة البقرة آيات قصة خلق آدم وأمر الشيطان بالسجود له في سياق قول الله للملائكة “إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ” (البقرة: 30)، وهذا يعطينا إشارة إلى أن التكريم ليس فقط في الملكات التي حباها الله للإنسان وليست لدى الشيطان، وإنما تكريم المهمة، وهي خلافة الأرض، التي اقتضت تسخير الكون للإنسان، حتى أن وصل هذا التسخير إلى تسخير الشياطين والجن لنبي الله سليمان عليه السلام، وهو ما لا يريده إبليس، فإن كان هناك زعامة فلم لا أكون أنا.. هكذا قال.. أنا خير منه.
ولفساد نفس الشيطان وكبره فقد حقد على هذا المخلوق الجديد، وقرر أن يستعمله لمراده هو لا مراد الله، وأن ينغص عليه حياته، فهو يكره الإنسان ككائن يرى أنه لم يكن ينبغي أبداً أن تكون له منزلة أعلى منه، لذلك فمعركته مع الإنسان ليست فقط مجرد مسألة صرف عن طريق الله، “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (فاطر: 16)، ولكنها تشمل تنغيص الحياة في أي مستوى يستطيع الشيطان الوصول له.
فالشياطين يعلمون الناس السحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، والشيطان يريد إصابة الناس بالحزن “إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا” (المجادلة: 10)، ويريد أن يوقع العداوة والبغضاء بين الناس، “إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ” (المائدة: 91)، ويثير الأحقاد والفرقة بين الناس، “وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا” (الإسراء: 53)، ويحرض الناس على مكر السوء، “قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (يوسف: 5)، ويصيب الإنسان بالوسوسة والريبة الدائمة، سواء في مستوى الإيمان بالله أو حتى شئون الحياة، “مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ” (الناس: 4). ولم تحدد الآية مجال الوسوسة، فتركتها مفتوحة، لتشمل كل ما ينزع طمأنينة النفس والقلب، “الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ” (الناس: 4). كذلك يريد الشيطان توريط الإنسان فيما يجلب له الضرر، فحين أغاث موسى عليه السلام من استغاثه على عدوه قتل نفساً، “فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ” (القصص:15)، يمكن أن يكون عمل الشيطان في القتل في حد ذاته لكنه لم يكن قتل عمد يأثم به موسى عليه السلام، وقد استغفر بعده، “قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَٱغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ” (القصص: 16)، وقد يكون عمل الشيطان هنا أنه أرد توريطه في المشاكل، مثلما ورط المشركين يوم بدر، “وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ“ (الأنفال: 48)، وكذلك من عمل الشيطان أن يُنسي، “قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ۚ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا” (الكهف:63).
فالشيطان يريد تنغيص حياة الإنسان في الدنيا والآخرة، فإن تمكن منه على مستوى الإيمان أفسد دنياه وآخرته، ومن لم يتمكن من إفساد آخرته اجتهد في أن يفسد دنياه، بتخريب العلاقات بينه وبين الآخرين، وإصابته بالحزن والخوف وكل ما يتمكن منه، ولو كانت قضية الشيطان مع الإنسان تشمل فقط دفعه للشرك بالله لما كان له دور في حياة الكافر، لكنه حتى لا يكتفي من الإنسان بالكفر إن كان يستطيع أن ينغص عليه حياته، فيعيش حياة مضطربة “الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ” (البقرة: 268).
إن الشيطان بكبره وفساد نفسه يريد سحق الإنسان باعتباره إنساناً مكرماً، إنها كراهية لذلك الجنس تجعله لا يستبعد من مشروعه مؤمناً أو كافراً، صحيح أن نجاحه الكبير في أن يصد الناس عن سبيل الله كما صرح بذلك، ولعل السبب أنه بذلك يرضي غروره أمام الله، لسان حاله قائلاً لله، حتى هذا الكائن الذي كرمت علي؛ لن يحفظ لك جميل هذا التكريم، وسيحيد عن طريقك، بل سأعمل جاهداً ليتجه لعبادتي أنا، فيا له من تكريم. “ألَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ” (يس: 60).
وعلى المستوى العملي طبيعي إن حاد الإنسان عن طريق الله وفقد التأييد الإلهي، سيكون فريسة للشيطان، “وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ” (الزخرف: 36)، فقد زالت الحماية الربانية باختيار الإنسان، هو لم يردها، وحين يقيض الشيطان للإنسان تبدأ المعيشة الضنك، “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ” (طه: 124)، وفي هذه الحالة يكون الإنسان لعبة بيد الشيطان ليس من أجل إفساد علاقته بالله فحسب؛ بل لينال منه كإنسان أبى السجود لأبيه، فيبدأ مشروع تنغيص الحياة حتى ولو بدت زاهية وبراقة، لترى أناساً قد يمتلكون المادة، لكنهم فقدوا الروح، وإن ضاعت أراوحنا أصحبت الحياة بلا طعم، وأصبح الإنسان حجراً براقاً يعيش وسط جمادات.
إن رؤية الابعاد المختلفة لمعركة الشيطان مع الإنسان يقي من الغفلة، وحصر دور الشيطان في الصد عن سبيل الله يبعدنا عن فهم المعركة وأخذ الحذر، ونفي دور الشيطان في الحياة يوقعنا في شباكه ونحن لا ندري، فالشيطان يفعل كل ما يمكنه أن يفعل لينال من الإنسان:
فعلى المستوى الفردي: يعمل على الصعيد العقلي والنفسي والروحي والجسدي من أجل تدمير الإنسان.
وعلى مستوى المجموع: يعمل لنشر الفرقة والعداوة والبغضاء، وكل ما من شأنه تنغيص حياة البشر كمجموعة.
وقد دلنا القرآن على الأساسيات التي يمكن من خلالها فهم عقلية ونفسية الشيطان، ومن ثم توقع مشروعه بشكل أكثر تفصيلاً، وتستشف من القرآن أنك أمام كائن عاقل مكلف، وكونه عاقلاً يعني أنه متطور في تفكيره وخططه ومن ثم لا مجال لحصرها، فما ورد في القرآن هو على سبيل الإشارة لا الحصر، كما أشار القرآن إلى الطباع البشرية لكنه لم يحصرها، وترك للإنسان مهمة اكتشاف نفسه وتطوير العلوم المتعلقة بذلك الأمر.
كذلك فالقرآن ليس كتاباً مفصلاُ عن تفاصيل برنامج الشيطان، لكننا سنكتشف البرنامج إن انطلقنا من قوله “فاتخذوه عدواً”، واسترشدنا بكتاب الله في فهم الشيطان.
وليس كون الشيطان يفعل ما في وسعه لينال من الإنسان؛ أن هذا الفعل سيؤتي ثماره، هذا موضوع آخر، لكن موضوعنا هنا، “ماذا يريد الشيطان؟”، لذلك تم التركيز فقط على مراد الشيطان، ومساحات استهدافه وكيده، حتى لو كان كيده ضعيفاً.
وائل عادل
29/01/2025
انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.
جميع حلقات السلسلة


أضف تعليق