فاتخذوه عدواً

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ(فاطر: 6)، يا له من نداء من الله لبني آدم،“فاتخذوه عدوا”!!، ويا لها من عبادة سامية رغم مشقتها، فكيف تتخذ من لا تراه عدواً، طلب الله منا أن نؤمن بالغيب فآمنا وسلمنا، أما أن يطلب منا أن نتخذ شيئاً غيبياً عدواً، فهذا يعني مقاماً عالياً في العبادة يستنفر أولوا العزم، فهي عبادة قد تكون حلقة وصل بين عالم الغيب والشهادة، وجسراً بين ما لا يُرى وما يُعاش، فتتجاوز ثمراتها مجرد الانتباه لعداوة الشيطان، لتتماس مع عالم الغيب بشكل أو بآخر بما تقتضيه هذه المعاداة. وتكون سبيلاً للتعرف على بعض أبواب الغيب بما يأذن به الله.

لذلك فمعاداة الشيطان عبادة تشمل عالمي الغيب والشهادة، وتشمل القيام بكل ما يستلزمه اتخاذ الشيطان عدواً من متطلبات، مثل التعرف عليه وعلى حيله، وكيفية مواجهته، ومعرفة النفس البشرية ونقاط ضعفها وقوتها ومداخل الشيطان لها، كما ستقتضي المعاداة معرفة سبل حشد البشرية لهذه المعركة، وقبل كل ذلك معرفة الله، نعم المولى ونعم النصير.

وقد وردت العداوة في القرآن أيضاً في معرض الحديث عن فتنة الأزواج والأموال، لكن الله لم يطلب اتخاذهم أعداء، فقط طلب أخذ الحذر، يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٞا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ”(التغابن: 14). أما مع الشيطان فكان الأمر مختلف وحاسم.

ولا عجب في ذلك، حيث تتكرر في القرآن قصة خلق آدم وعداوة الشيطان عدة مرات، فلا يبقى لدينا مجال للشك في أن عداوة الشيطان مركزية في وجود الإنسان على هذه الأرض، “قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ” (الأعراف:24). وقد أخذ الشيطان العداوة بجدية، فماذا عن بني آدم؟!

فقد أقسم أن يخوض عداوة شرسة، “قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًاً (الإسراء: 62)، وتعبير”أحتنكن” هو تعبير محارب يشن عدواناً شاملاً، فيتضمن درجات عدة من الفعل، تبدأ من الاستمالة والاحتواء مروراً بالاستيلاء وانتهاء بالاستئصال، هكذا تشرح التفاسير الأفق الممتد للفظ “أحتنكن”.

فهذا هو مشروع الشيطان على الأرض، ويصف الله تعالى جدية الشيطان في معركته على بني آدم، ويحدثه سلفاً عما سيقوم به، فيقول له مُعْلماً إياناً ببعض خططه: “وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا” (الإسراء: 64)، ويعلن الشيطان مهمته بوضوح، وأنه لن يدخر جهداً لتنفيذها، “قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)(فاطر).

هكذا أعلن الشيطان برنامجه في كيفية عداوته لنا، فماذا عنا؟ هل أعلنا برنامجنا؟! لقد خاطبنا الله بصيغة الجمع، “ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا”، “إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ”، في الوقت الذي يعتبرها كثير منا مجرد قضية شخصية على كل فرد أن يتعامل معها بنفسه، بينما تمنحنا الآية إشارة إلى أن الأمر يقتضي تضافر جهود البشر، وهذا أمر مقبول عقلاً، فالعدو المشترك يتطلب تضافر جهود أصحاب المصلحة، والعداوة تشملنا جميعا “لكم”، وعلينا أن نعمل على هذا الأمر جميعاً “فاتخذوه“.

في هذه السلسلة سنتناول هذه المعركة الوجودية الكبرى، التي تتشعب منها معارك البشر فيما بينهم، وسنتحدث عن متطلباتها على المستوى الفردي والجمعي، وعن الجبهات التي تدور فيها على مسرح حياتنا، ونفكك مكر الشيطان وحيله ومنطق فعله، والطريقة التي يجعلنا ننسى وجود المعركة، أو نراها تافهة لا تستحق الإعجاد، فننظر إليها باستخفاف، لأننا لو انتبهنا لأعددنا للحرب عدتها، فكان مشروع التطبيع مع الشيطان هو الغالب على بني البشر، فضلاً عن أولئك الذين استحوذ عليهم الشيطان بالكامل فصاروا من جنده.

إن هذه السلسلة في ذاتها بمثابة استجابة لأمر الله “فاتخذوه عدوًا”، إنها تدعو إلى اتخاذ موقف، وفعل واع، فكل حرف فيهاهو صيحة استنفار، تعلن البراءة من الشيطان، وتصدح بالولاية للرحمن.

إن معاداة الشيطان مشروع يفترض أن يتطور مع كل عصر بحكم الأمر الإلهي المستمر”فاتخذوه عدواً”، وسنجد في تاريخ المسلمين من حاولوا أن يبرزوا هذه المعركة بشكل واضح، مثل كتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي، وإغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم الجوزية، لكننا قلما نجد إضافات على ما طرحوه، وهو في النهاية طرح مميز يتوافق مع إدراكهم في فترتهم الزمنية التي تمتد بين القرن السادس والثامن الهجري، أي أنه مر نحو 600 سنة دون أن يتطور الوعي بالمعركة، أو تقدم إضافة نوعية في طرحها، تنسجم مع روح العصر ولغته، ولا أعني هنا مجرد صياغة القديم في قالب جديد بحكم اختلاف أسلوب التعبير؛ بل أتحدث عن نقلة حقيقة في الوعي تتواكب مع الخبرة البشرية وتطور العلوم والتكنولوجيا عبر تلك القرون، وهو ما قد يعيد قراءة المعركة في شكل متجدد عصري، كما يعطي إمكانات جديدة للتعامل معها، فتكون هناك إضافة حقيقية على ما طرحه الأقدمون، ثم نقول لمن يأتي بعدنا “لا تكتفوا بتصوراتنا وجهودنا، أحيوا هذه المعركة وطوروا طريقة التعامل معها وفق روح ومعارف وإدراكات عصركم.

إن الهدف من هذه السلسلة هو إحياء مشروع معاداة الشيطان جيلاً بعد جيل، وجعله في واجهة أولوياتنا منفردين ومجتمعين، ودعوة البشرية إلى أخذ الأمر الإلهي بجدية.. “فاتخذوه عدوا”.

وقد انتبه ابن القيم قديماً للغفلة عن المعركة فقال في مطلع باب “علاج مرض القلب بالشيطان”، في كتابه “إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان”:

“هذا الباب من أهم أبواب الكتاب وأعظمها نفعاً، والمتأخرون من أرباب السلوك لم يعتنوا به اعتناءهم بذكر النفس وعيوبها وآفاتها، فإنهم توسعوا في ذلك، وقصروا في هذا الباب. ومن تأمل القرآن والسنة وجد اعتناءهما بذكر الشيطان وكيده ومحاربته أكثر من ذكر النفس”.

فلنتسلم الراية إذن من ابن القيم، ولنجبر التقصير، ونرفع لواء أم المعارك، تلك المعركة المصيرية التي تفضي إلى سلام أو عداوة وبغضاء، إلى جنة أو نار، نخوضها بقلوب عامرة بحب الله، نطأ رأية الشيطان بأقدامنا، نخوض معركتنا ضده بالله وفي سبيل الله، فنعلن العصيان على دولة الشيطان، مستنيرين بنور الله، ومستلهمين إمكانية الفعل من قوله تعالى: “إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ”(الحجر:42)،

وائل عادل

22/01/2025

انطلاقاً من رسالتنا “فاتخذه عدواً”. إن كنت تشعر بأذى شيطاني أو أعراض المس، فلا تتردد في طلب المساعدة، احجز استشارتك في منصة روح للرعاية الروحية والنفسية.
احجز استشارتك الآن 👉.

جميع حلقات السلسلة

أضف تعليق