عادة ما تهون الصحبة طول الطريق في السفر، كما تتعاون في حل التحديات التي قد تواجهها المجموعة المسافرة، والرحلة الروحانية كذلك تلعب الصحبة فيها أدوراً كثيرة، سأستعرض هنا ما تيسر منها.
الصحبة تزيد من استيعاب الفرد أموراً بشكل أسرع مما لو خاض الرحلة منفرداً، لأنه لا يعايش تجربته وحده، ولكنه يعايش جزءاً من تجارب الآخرين معه، فهذا فتح الله عليه في تأويل الرؤى، وآخر فتح له باب الرؤى الصادقةـ وآخر يأتيه كشف اليقظة، والكثير من المواهب التي قد يتحصل عليها الشخص منفرداً في مدة طويلة أو قد لا يتحصل عليها أبداً، فهو هنا يتعرف على الطريق من خلال تجارب الآخرين، فلا يملك إلا أن يقول سبحان الله وهو مندهش من عجائب الخلق وفضله عليهم.
الصحبة يدعم بعضها بعضاً في النوازل، وأعني هنا النوازل الروحانية على سبيل الخصوص، مثل التعرض للأذى الشيطاني، فتتداعى كل المجموعة لنصرة المصاب بينها، كذلك تفيد في علاج تغيرات المزاج والفتور، فتلعب دوراً إيجابياً في التشجيع على المواصلة.
الصحبة الناضجة تنظر إلى نقاط قوة كل شخص فيها، وتحاول استثمارها لإفادة المجموعة، وتمهيد الطريق، فهذا منحه الله قلباً شفافاً، وآخر عقلاً متقداً، وهذا جريء يبحث دائماً عن الجديد، وهذا قادر على توثيق أواصر الترابط بين الجميع، وهذا يقف عند حدود الله ويحذر من ألاعيب الشيطان، وهكذا لكل فرد نقاط قوة إذا تم استثمارها أضافت للمجموعة ككل، وساهمت في تصحيح المسار. والرحلة الروحانية بسبب ما يكتنفها من غموض ومجهول فهي أحوج إلى استثمار كل الإمكانات لسبر أغوار هذا المجهول، وإدارة الصحبة الواعية هي التي تسعى لاستثمار الفروقات والميزات الشخصية، لا سحقها من أجل قولبة الجميع في نموذج واحد، باعتباره النموذج المثالي الذي يجب الاحتذاء به.
إن صحبة لا تفرط في إمكانيات كل فرد فيها، يصعب أن تؤتى من إنس أو جان، فإن تلاعب الشيطان بعقل أحدهم ظهر أهل البصيرة ونور القلب، وإن تلاعب الشيطان بالبصيرة ظهر أهل العقل ينيرون الطريق، ويردون أصحاب الشطحات والخيالات إلى الجادة، وإن استكبر أحدهم وظن أنه بلغ منزلاً لم يسبقه إليه أحد؛ ألزمه من حوله حد التواضع ورؤية الله بدلاً من الذات، وإن تشكك شخص في قدراته وظن أنه ليس من أهل الطريق شجعه من حوله وأخذوا بيده.
الصحبة الناضجة تتمتع بالجرأة الكافية في النصح، فينصح بعضهم بعضاً، ويحذر بعضهم بعضاً إن رأى شيئاً يستوجب التحذير، وهي تدرك حاجتها لهذا النصح، لا تستكبر عليه، أو تتهم الناصح لتستريح من عناء التفكير وتبعات التغيير.
الصحبة الناضجة لا تقتصر استفادتها على أفرادها فقط، فهي منفتحة على كل ما هو مفيد، فتستفيد من كل أطروحات من خارجها، وتستمع القول فتتبع أحسنه، وتبحث عن نواقصها عند غيرها، وتسعى لتطوير نفسها باستمرار، ولا تتمسك بصندوق وضعت نفسها فيه، فهي تدرك أنها لا تحتكر الصواب، وأن الصواب موجود خارج المجموعة مثلما هو موجود داخلها.
هذا ما يجب أن تفعله الصحبة، أما ما ينبغي تجنبه تماماً هو أن تتحول الصحبة إلى رقيب، يقتحم خصوصية الفرد، فتتحول إلى عبء على الفرد يود لو تخلص منه، أو يتوجه إليها بالأعمال من دون الله طمعاً في أن ينال إعجابها أو رضاها، وهذه مسئولية كل فرد في الصحبة، أن يساعد الآخرين على الشعور بالحرية، وألا يضع نفسه موضع الإله.
كذلك ما ينبغي تجنبه انتشار الغيبة والقيل والقال، فيجب أن تحارب هذه الأمراض داخلها، فإن وُجدت مسألة تتطلب نقاشاً حول فرد معين تم استئذانه لمناقشته، لا أن يتحدث الجميع حول مسألته باستثنائه هو، أو أن تقال كلمات على غرار فلان يقصد كذا، فلان يرى كذا، والأولى هو سؤال فلان بنفسه عما يراه وبقصده.
كذلك ما ينبغي تجنبه هو غض الطرف عن المشاكل البينية بين المجموعة، وعدم السعي لحلها، ولكن يتم التحقيق في أي مشكلة تتطلب ذلك، ويتم إظهار الحق تحت مظلة الود والرحمة والمحبة، فكل ابن آدم خطاء، وليست المشكلة في أن تُرتكب أخطاء، ولكن المشكلة في تجاهل التعامل معها على النحو الذي يرضي الله، فإرضاء الله وإقامة عدله في المجموعة أولى من إرضاء الأشخاص.
إن الصحبة ليست مجرد معين على الطريق، بل هي كاشفة لكل شخص أمام نفسه، فيعالج جوانب القصور عنده، فهي تلعب دوراً إيجابياً في السراء والضراء، أما في السراء فلكونها تعين على الطريق، وفي الضراء فإنها تعين على النفس، حين تتعرى النفوس، وتمرح الشياطين.
وائل عادل
6/1/2025
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق