ستجد خلال الرحلة طرقاً فرعية ترفع لافتات الارتقاء الروحاني، وقد جذبتني لافتة منهم إلى الطريق، ولو لم يكن فيها خير سوى أنها دلتني إلى ضرورة البحث عن طريق الله لكفى، وقد أدركت في الرحلة ضرورة التمييز بين الارتقاء الروحاني والروحي والإيماني، كما لمست خطورة الخلط بينهم، وهذا التمييز ضروري لمن يريد الارتقاء.
أما الارتقاء الروحاني فيكون الغرض منه اكتساب قدرات خاصة متعلقة بالتواصل مع عوالم غيبية، وسالك هذا الطريق يسعى عن عمد إلى هذا التواصل، فهو يريد في النهاية أن تزال الغشاوة ليبصر العوالم الأخرى، ويتم ذلك عبر برنامج خاص، قد يكون فيه استعانة بالله أو الشيطان، بحسب وجهة كل شخص، وهذا المجال له مصطلحاته وربما نقول قواعده التي تكاد تكون واحدة عند من يسلك هذا الطريق، سواء كان ولياً لله أو الشيطان، فهو يتطلب أوراداً محددة، ودعوات محددة، ومدداً زمنية محددة لتفعيل هذه الأوراد، أي أن القالب الأساسي يتشابه من حيث فلسفة فكرة التواصل الروحاني لبني الإنسان على اختلاف مللهم. ومعيار الارتقاء هنا هو تطور القدرات نحو كشف نوافذ الغيب، كالتطور في عالم الرؤى أو الكشف يقظة، فكلما تطورت هذه الأمور دل ذلك على أن السائر في الطريق يحرز تقدماً، وخيبة الأمل لسالك هذا الطريق ستكون” لماذا لا أشعر بالعوالم الأخرى مثل غيري، لماذا جف بحر الأحلام والرؤى؟!”، ولن تكون “لماذا لا أجد الله في صلاتي!!”
وقد وجدت أغلب برامج الارتقاء الروحاني التي اطلعت عليها تركز على الخارج وليس الداخل، على اكتساب القدرات لرؤية أشياء تتعلق بالآخرين، لكنك قلما تجد فيها من يحدثك عن رؤية نفسك وأمراضها، قد تكتشف الشياطين من حولك فلا يصيبك مس أو سحر، وإن أُصبت تعافيت سريعاً بسبب إدراكك المتقدم نسبياً لهذه العوالم، وأرى أن هذه نقطة إيجابية، لكنك لا تكتشف بسهولة شيطانك الذي قد يضخم “الأنا” والحقد وسوء الظن، فضلاً عن التجسس والغيبة، وقد فصلت ذلك في مقال الكشف.. 3 في 1، فهي برامج لا تتابع تطور الشخص تجاه نفسه، ولكن تجاه اكتساب قدرات تواصل مع الخارج أكثر منها مع الداخل.
أما الارتقاء الروحي فهو مسار يبحث فيه سالكه عن السكينة والطمأنينة، لا يطلب شيئاً خارجياً، فإن جاءت فتوحات خاصة بعالم الغيب فلا ينشغل بها أو يطلبها لذاتها، كل ما يشغله كيف يتصل بروحه، فيهديء من ضجيج العقل والأفكار، ويمنح مساحة للقلب ليرى نفسه والكون من خلاله، وهذا أيضاً تتشعب مناهج السالكين فيه، بين مستعين بالله أو بأي مذهب أو ملة خاصة به، وهؤلاء إن صبروا على الطريق قد يكتسبون الحكمة والبصيرة، فتجدهم ينظرون إلى الحياة بصورة مختلفة، وكأنهم اتصلوا بروحهم وقد نحوا أنفسهم.
أما الارتقاء الإيماني فهو مسار يبحث عن الله، وحده لا شريك له، لا يطلب أي شيء آخر إلا من حيث أنه وسيلة إلى الله، فحتى صفاء الروح بالنسبة له ليس إلا وسيلة للقرب من الله أكثر، وهؤلاء لا ينشغلون بتحصيل قدرات لكشف عوالم الغيب، كل ما يريدونه أن يزيد إيمانهم بالله، وأن يجنبهم الشيطان، لا يطلبون منه أي شيء سوى محبته وأن يُصنعوا على عينه، راضون بأن يستخدمهم الله في أي وظيفة يريدها هو لهم، أيقنوا أنهم عباداً، فيحسنون واجب العبودية.
وإذا أردنا أن نرى نقاط التقاطع بين المسارات الثلاثة؛ سنجد أن الله هو مركز التوجه في حالة الارتقاء الإيماني، وقد يلجأ السالك للارتقاء الروحي من أجل تزكية النفس، ومداواة أمراض القلب، فتُنحى النفس بأهوائها جانباً لتزال عوائق الوصول إلى الله، ثم قد يكشف الله لبعض من عباده بعض الغيبيات، فيأخذون حظهم أيضاً من المجال الروحاني، لكنهم لا يتوقفون عنده أو يطلبونه، فهم ليسوا طلاب روحانيات، ولكن طلاب إله واحد أحد، من عرفه لم تطب نفسه أن يطلب معه غيره.
وإن أردنا القراءة العكسية سنجد أن الأساس عند البعض هو الارتقاء الروحاني، وهؤلاء إن قاموا ببعض طقوس الارتقاء الروحي كالخلوة؛ فذلك لقطع شوط أكبر في الارتقاء الروحاني، فهو المركز والوجهة، وقد يستعينون ببعض وسائل الارتقاء الإيماني كالأوراد، فهي استعانة بالله، وليست هجرة كلية إليه.
ومنهم من يكون له حظ وافر من الارتقاء الإيماني، لكنه لا يخلط بين المسار الروحاني والإيماني، فهو يعتبر الارتقاء الروحاني ليس إلا مجالاً من مجالات الحياة التي يرغب في تعلمها، أو ربما دُفع إليها دفعاً بحكم تكوينه، كأن تكون لديه قدرات خاصة منذ الصغر، فربما التعلم في حقه واجب وإلا استحوذت عليه الشياطين نحو وجهة السحر.
إن الأزمة تظهر حين يتم الخلط بين المسارات باعتبارها واحداً دون تمييز، فالجزء لن يستوعب الكل، ولعل للشيطان حيل في إيهامنا أن الله يمكن أن نصل إليه من أي طريق، والصحيح أنه يمكن لأي طريق أن يدلنا إلى طريق الله، لكن طريق الله معروف وجهته، الله وحده لا شريك له.
قد يجعل هذا التمييز الأمر صعباً على النفس، فقد ظننت أنك ستجمع كل المسارات في مسار واحد، دعك من هذه الحيلة الشيطانية، وانظر أين تقف الآن، إن كنت بالفعل على أرض الارتقاء الإيماني وتريد تعلم الروحانيات، ففكر أولاً لماذا تريد ذلك؟ وضع الضوابط التي لا تحرفك عن طريق الله، واجعل لك صحبة تأخذ على يدك وبيدك، وحدد الخط الأحمر الذي ستتوقف عنده وتعود، مثلاً إن شعرت بذرة شرك، أو وجدت الأوراد تحولت إلى وسيلة لكشف الغيب وليست قربى إلى الله كما كانت من قبل، فإن لم تفعل ذلك من البداية ربما لن تشعر كيف تحيد عن طريق الله ببطء.
أما إن كنت تقف على أرض الروحانيات، وهي التي تشغل تفكيرك، حتى أنك تعبد الله من خلال هذا القالب؛ فرأيي أن تعيد التفكير، وأن تتأسى بأهل الارتقاء الروحي حين يحررون أنفسهم من أي تعلق، فلا شيء يجب التعلق به سوى الله، فر إلى الله، إلى طريق الارتقاء الإيماني، واقطع كل مصادر التشويش ولو لفترة، ولا تقلق من صعوبة العودة، هي مجرد وقفة جادة مع نفسك لتضع الارتقاء الروحاني في حجمه الطبيعي، كمجال حياتي يربطك بالله، دون أن يكون القالب التعبدي الذي تٌرى من خلاله العلاقة مع الله، فالاستراحة ستتيح لك فرصة رؤية المجال الروحاني وأثره عليك، من منظور يختلف عن رؤيتك له وأنت مستغرق فيه، حتى أورادك قد تغير فيها بحسب ما يساعدك لبناء علاقتك مع الله، فإن عافت نفسك تلك الاستراحة، وهابت المراجعة، وخشيت أنك بذلك قد تفقد بعض القدرات والامتيازات الروحانية؛ فأعلم أن الأمر جد خطير.. لا تنتظر.. وابدأ تحويل المسار الآن!!
وائل عادل
16/12/2024
جميع مقالات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق