يعد تحديد الوجهة من الأمور الرئيسية للإعداد لأي رحلة، فضلاً عن خوضها، لذلك يجب أن يجيب كل من يريد بدء رحلة روحانية على سؤال.. ماذا أريد؟! البعض يريد تواصلاً مع الجن، البعض يريد اكتساباً لقدرات خاصة، البعض يريد الله وحده ولا يلتفت إلى ما سواه، وهكذا لكل وجهة هو موليها. وبحسب الوجهة نختار الطريق.
أنت لا تحتاج إلى طريق مجهز بكل وسائل الراحة إن كان طوله كيلو متراً واحداً، مثلنا تحتاجه في طريق طوله عشرات الكيلومترات، كما لن تحتاج في الطريق الأول لافتات توضيحية، لكنك ستحتاجها في الثاني مع كثرة المنعطفات، ولا داعي في الأول للتذكير مراراً يوجود مطبات، بينما تحتاج في الثاني المزيد من التذكير لكثرة المطبات.
هذا التصور عن الطرق يساعدك في تصور الوجهة، أي أنك ستعرف إلى أين أنت ذاهب من خلال سمات الطريق، حتى لا تخدعك اللافتات، أو تظن أنك غير قادر على التعرف على صحة الطريق إلا بعد الوصول إلى نهايته.
وقبل أن نشرع في شرح تصميمات الطرق نأخذ استراحة لتوضيح نقطة أساسية، إن الطرق إلى عالم الروحانيات يسرها الله لجميع البشر، برهم وفاجرهم، فاكتشاف هذا العالم جزء من إمكانات الإنسان المودعة فيه، وستجد كل المهتمين به على اختلاف دياناتهم يتحدثون عن نفس الشيء ولكن بتعبيرات مختلفة، في النهاية من دخله فتحت له أبواب متنوعة من المعارف والمهارات، مختلفة في أسلوب تحصيلها عن الأسلوب المتبع في عالم الشهادة، ولا أرى بالاستنفار للعداوة اتجاه هذا النوع من المعرفة، بل يجب فهمها ووضع ضوابط التعامل معها، وهي لا تصطدم بالدين بل تتفق مع فكرة تسخير الكون للإنسان، وأن عليه أن يسير في الأرض بقلب منفتح على كل كون الله، فكل الكون مكرس لتعليمه بطريقة أو بأخرى، بداية من الغراب الذي يبحث في الأرض إلى مخلوقات غيبية لا يعلمها إلا الله، فإن رفضنا كل هذا نكون قد قيدنا إمكانات الإنسان وسبل التعلم التي منحه الله إياها.
ويحدث الخلط حين نجعل مجال العلم الروحاني مجالاً دينياً، وليس مجالاً مرتبطاً باكتشاف الإنسان لقدراته وطرق تحصيل المعرفة المتنوعة، إنها حالة من التطور البشري كلما فهم الإنسان نفسه والكون من حوله بصورة أكبر، مثلما اكتشف علوم الكيمياء والجيولوجيا، فهي ليست ديناً، وإنما دور الدين أن يضع ضوابط التعامل مع أي شيء في الحياة، وأن يضع في مجال الروحانيات إجراءات السلامة من عبث الشياطين.
كما يحدث الخلط حين نقول إن طريق عالم الروحانيات هو طريق الله، فنحن بذلك ندفعه إلى مساحة الدين، والدين يتطلب اتباعاً لا ابتداعاً، لكن يمكن أن يُعرف الله من هذا الطريق، كما يُعرف بالتأمل في أي نوع من العلوم، لكنه ليس طريق الله حصراً، فقد عرف صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ربهم، دون الانشغال بمجال اكتساب المعرفة الروحانية على النحو والوضوح المطروح اليوم.
وبالعودة إلى تصميم الطرق التي تساعدك في فهم طبيعة الوجهة؛ تستطيع أن تميز بوضوح متطلبات الطريق إلى الله عن دونه، فالطريق إلى الله هو طريق التعرف عليه والرغبة الحارة في الوصول إلى نهاية الطريق، أي لقاء الله، لذلك كان من علامات طريق الله الشوق إلى لقائه، وعلى الجانب التنفيذي اتباع أوامره واجتناب نواهيه، وتزكية النفس حتى تلقى الله بعد هذا المشوار بقلب سليم، فهو دائم التركيز على هذه الأمور دون انتقاء، مثلاً طريق الله ليس طريق هيا نعرف الله بقلوبنا ولا داعي للتكليفات، هذا أيضاً طريق آخر، قد يشبهه لأن القلب مشغول بالله، لكنه ليس هو، طريق الله هو الذي تكتمل فيه معالمه، فانظر في طريقك لتعرف إن كان انتقائياً أم هو بالفعل صراط الله الذي طلب منا أن نتبعه، “وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (الأنعام:153).
فإن كان طريق العلم الروحاني يركز مثلاً على الذكر والخلوة، ولا يركز على صلاح القلب فهو طريق يأخذ من بعض سمات طريق الله، لكنه ليس هو، بالمثل إن كان يركز على الأوراد ولا يركز مثلاً على كف اللسان عن عباده، وحسن الظن بهم وخفض الجناح لهم، وأقول يركز بمعنى أن هذه الأمور تأخذ أولوية مثل الأوراد، فقد لا ينكر طالب العلم الروحاني أهميتها لكنه لن يتبناها أو يحاسب نفسه عليها مثلما يفعل مع الأوراد، لأنها ليست بالنسبة له من ضرورات الطريق الروحاني، لكنها من ضرورات طريق الله، لقد اختار فقط متطلبات التواصل الروحاني مع الكون، هكذا يصمم المتطلبات بناء على احتياجات الطريق.
الآن أصبح معك معيار لمعرفة وجهة الطريق، من خلال التعرف على منهج الوصول الروحاني، فإن كان مطابقاً لما أمر الله به ونها عنه، ويركز على الأوراد والسلوك سواء بسواء، فهو طريق خير، فقط اجتهد أن تحرر الوجهة، وتجعلها الله وحده لا شريك الله، وإن كنت تطلب الغيب فاطلب الله، وهل هناك غيب أعظم من الله إن تولاك؟!
أما إن وجدت طريقك في تعلم الروحانيات فيه أمور مقتبسة من طريق الله، فلا بأس أن تتعلم وأنت تدرك ذلك، باعتبارها علوم دنيوية تستعين فيها بالله، ولا يخدعنك الشيطان مزيناً إليك أنك حين تطلب العلم والقدرات الروحانية فأنت تطلب الله، ليقنعك أنك بالفعل في طريق الله، وقد فتح عليك فيه من الكشوفات الكثير، لا تسمع له، ولا تضع رحالك وأنت متوهم أنك عثرت على طريق الله، فلربما يريدك الشيطان أن تظن أنك وصلت، حينها اسأل نفسك، كم مرة أتحدث عن الله وحده دون غيره في هذا الطريق؟ إن وجدت أنه لا يُذكر إلا قليلاً؛ فلا بأس أن تستمر في تعلم ما تود تعلمه باعتباره تخصصاً كأي تخصص، موقناً أن ذلك ينبغي ألا يشغلك عن البحث عن طريق الله، ذلك الطريق الذي ليس كمثله شيء، ينصهر فيه القلب والجوارح في رحلة لا تعرف وجهة إلا الله.
وائل عادل
14/12/2024
جميع حلقات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق