تحتاج الرحلات أحياناً إلى دليل، والإبحار في عالم الغيب يتطلب دليلاً محنكاً، خبر الطريق من قبل، يعلم دروبه وتحدياته، ولنطلق عليه هنا “الشيخ”، فما الذي يجب وضعه في الحسبان عند اختيار الشيخ والتعامل معه؟!
ستجد في الطريق من يساعدونك في مجالات مختلفة، هذا على الصعيد النفسي، وهذا على صعيد تعلم العلم الشرعي، وهذا على صعيد تأويل الأحلام، وهذا على صعيد الارتقاء الإيماني وإصلاح القلب، هكذا قد تجد صحبة صالحة تعينك، يقدم لك كل شخص ما يحسنه، فمن هو الشيخ؟
الشيخ هو شخص مر على كل هذه المجالات قبلك، آتاه الله البصيرة والعلم بالقلوب وتزكية النفوس، وهو القادر على مساعدتك في إدارة كل هذه المجالات لتكون سبيلاً لارتقائك، كما أنه يفسر لك ما أشكل عليك فهمه في عالم الغيب، وهو الذي يدلك على الأوراد المناسبة لحالك، فهو بمثابة الأب الروحي.
لذلك من المهم أن يرتاح قلبك للشيخ، فإن لم تطمئن له وفقاً لمعاييرك الشخصية فسيكون ذلك دائماً ثغرة ينفذ منها الشيطان إليك، ليشكك فيه ومن ثم في الطريق، واطمئنانك له من عدمه قد لا يعيبه في شيء، ولكنها تفضيلاتك الشخصية في معايير الصحبة والإمامة.
ولأن رحلتنا إلى الله، فمن الضروري أن يكون “الشيخ” مذكراً دائماً بالوجهة، فيكون من أولئك الذين إن رأيتهم ذكرت الله، إذ يرتبط البشر في خيالنا بأشياء يشتهرون بها، فمثلاً هذا إن رأيته تذكرت مباشرة البورصة، وآخر يذكرك بالطعام، وآخر بإتقان اللغات، هكذا كل شخص يذكرك بما هو مستغرق فيه، ومنعكس على كلامه وجوارحه، فكلما كان الشيخ مستغرقاً مع الله ذكَّرك به حتى دون أن يتحدث، وتأتي أهمية هذا الأمر لكثرة الصوارف التي تعترضك أثناء الرحلة، لتلهيك عن الله وتعلقك بما سواه، لذلك كان من أهم أدوار الشيخ في الطريق أنه أشبه بالراية الخفاقة، التي تذكرك بالوجهة، ويقيل عثرتك إن غرست قدمك في محطة لم تتمكن من تجاوزها.
قد تجد في الطريق أناساً صالحين، استغرقوا في أمور أخرى قد تحتاج إلى تعلمها، لا بأس في ذلك، وهؤلاء يمكن أن تطلق عليها مدربين أو معلمين، لأنهم ينقلون لك تخصصاً بعينه، لكنهم لا يعكسون الوجهة بالكفاءة المطلوبة، بل قد يسببون تشويشاً عليها بحكم الاستغراق في تخصصهم، مثلاً تفسير الأحلام، فإن الماهر فيه مشغول بالرموز وفكها، قد يعلمك من هذا الأمر ولا بأس في ذلك، لكن لا تجعل تفسير الأحلام مركز الرحلة، ومنتهى الآمال.
ويكون من الخطأ أن تنزل المدرب أو المعلم منزلة الشيخ، أو تحاول دفعه قسراً ليحتل مكانة الشيخ، فلكل دوره في مساعدتك، وقد يجمع إنسان بين كونه شيخاً وفي نفس الوقت لديه مهارة عالية يدرب عليها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، لكن في النهاية نحتاج الوظيفتين، سواء قام بهما شخص واحد أو أكثر، وظيفة تخصصية، ووظيفة إعلان الوجهة العامة وتوجيه الدفة حتى لا تتفرق السبل عن طريق الله.
ومن صفات الشيخ أن يكون إدراكه لعالم الشهادة في المستوى المقبول لك، وهذه النقطة مهمة لأنها توضح لك كيف يعمل عقله في معالجة المعلومات، مثلاً هناك عقل يجنح إلى المبالغات أو الوصف غير الدقيق، أو الإضافة على الواقع ما ليس فيه، أو اليقين فيما هو نسبي، وهكذا.
ورغم أن علوم الغيب تبدأ من بصيرة القلب؛ غير أن العقل سيعالجها حتى ينقلها لك بصورة مفهومة، فإن كان هناك عطب في جهاز المعالجة؛ سينقل لك إدراكات خاطئة دون أن يتعمد التضليل، لذلك من المهم الاطمئنان إلى رجاحة العقل، ورضاك عن أسلوب معالجته للمعلومات بصفة عامة، كل ذلك يتضح لك في عالم الشهادة، قبل أن تخطو خطوة نحو عالم الغيب، فرؤية عقل الشيخ ممكنة، وأراها واجبة، وقد اتهم الكفار النبي بالجنون، وهذا اتهام ضمني أنه يرى أشياء غير موجودة، وأنه فاقد الأهلية للتعبيرعن هذه الأشياء حتى إن رآها حقاً، فخفة العقل تنزع منه صفة الأمانة على الوحي.
ومن صفات الشيخ أن يكون لديه العلم الأساسي بالطريق، ومداخل الشيطان فيه، وما هو حلال أو حرام أو متشابه، ذلك أدعى لحفظ السالك ورده إلى الطريق الصحيح من جهة، وأيضاً لاكتساب الثقة.
والشيخ يعطي المعلومات بحسب استعداد من أمامه، لذلك تجد الشيخ لا يتحدث عن كل شيء يعرفه، وهذا طبيعي في أسلوب التعليم، فالمعلومة تقال حين تكون جاهزاً لها بحسب تقديره، كما لا يعيب الشيخ أن يقول “لا أدري”، فهذا يزيد ثقتك فيه، أنه بالفعل يدرك أنه لم يؤت من العلم إلا قليلاً.
وإن سألته فقال لك “لن تفهم ما أقول لأنك لم تصل إلى مستوى يمكنك من استيعاب إجابتي”؛ فاعلم أن هذا وارد، أنت غير قادر على الحكم على شيء لا تعرفه، كل ما تستطيعه أن تحكم على مدى تماسك ما يقال!!
مثلاً إن قيل لك هناك في المخلوقات الغيبية حصان مجنح، هذه كمعلومة مستقلة غير مقبولة لك عقلاً، لكنك ستقول كيف أحكم على ما لم أحط به خبراً؟! لعل لله مخلوقات لا أعرفها؟! حينها لن تصدق أو تكذب، لكن إن قيل لك في اليوم التالي، لا توجد أبداً في المخلوقات الغيبية خيل مجنحة. هنا أنت لست مضطراً لزيارة الغيب لاستيعاب ما يقال، أنت مضطر لأن تعمل العقل في الجملتين وتكتشف التضارب بينهما، لذلك ما يمكن الانتباه إليه هو حجم التماسك أو التناقض فيما يقال، خاصة إن كان تحت عنوان “العلم الإلهي”، الذي قد لا تتمكن من الوصول له بنفسك الآن، فإن رأيت الكلام يضرب بعضه بعضاً، ستكون حذراً، وهذا لا يتطلب أن تصل إلى مستوى الشيخ حتى تدرك التضارب، إنها مدرسة الوحي حين يعلمنا كيف نحاكم الوحي دون أن نكون أنبياء، هنا يحيلنا إلى العقل، “وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا” (النساء: 82).
ومن المهم أيضاً أن تتعرف بشكل واف على المدرسة التي ينتمي إليها شيخك، وأن تعرف من شيخه، فإن لاقى ذلك قبولاً منك فبها ونعمت، في البداية قد تكون غير مهتم بهذا الأمر، لكن هذه الأسئلة ستطفو على السطح لاحقاً، وقد تكون مصدر تشويش على المضي قدماً في الطريق، خاصة حين يعرض لك منهجاً للسير، فستحتاج إلى التعرف على أي أساس بني هذا المنهج.
ومن الصفات والأخلاق الشخصية أن يتحلى بالأخلاق المحمدية، مثل الرحمة، وسعة الصدر، “فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ” (آل عمران: 159)، وقد قدم الله الرحمة على العلم، “فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا” (الكهف:65)، ويكون حريصاً على من ائتمنوه على الطريق، “لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ” (التوبة: 128).
وحسن الخلق لا يعني أنه لا يخطيء، ولكن أن لديه نصيبا وافراً من الأخلاق الأساسية، مثل الصدق والأمانة وحسن الظن بالناس، وحين يخطيء فعلينا أن نغفر أخطاءه، ولا نتربص به لنثبت خطأه، بل نعلم أننا أيضاً قد نكون عوناً للشيطان عليه إن قسونا عليه، لأننا وضعناه في مرتبة فوق البشر، فقد يعبس ويتولى، وقد يخشى الناس، وقد يتحرج في قول بعض الأمور، وقد يذهب مغاضباً، بل قد يلقي الألواح ويأخذ برأس أخيه يجره إليه، لكن إن رأينا خطأ يتطلب إشارة ونصحاً علينا ألا نتردد، فننصح بشكل لائق، فكما وضعه الله في طريقنا فقد وضعنا في طريقه، وكما نتعلم منه فإنه يتعلم منا، والمؤمن مرآة أخيه، ولنحذر من الصمت على الأخطاء، سواء كانت أخطاء أخلاقية أو علمية مرتبطة بالطريق. وهذا أحد ابتلاءات الطريق، أنطيع الله بالنصح أم نخشى خاطر الشيخ؟! وقد حذرنا القرآن من أولئك الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.
وليس معنى وجود أخطاء اتخاذ قرار فوري بفراق الشيخ، فالعبرة هنا بالصفات الطاغية والأخرى الاستثنائية، فإن كان الجانب الخير هو الطاغي وقلما يظهر الجانب السلبي، فلا بأس، أما إن كان الأساس هو صفات تشوش على طريق السائر وتنتزع سكينته؛ فمن حقه أن يتوقف، وليس من شأننا الحكم على الشيخ إن كان ولياً لله أم لا، فليس كل ولي شيخاً، قد يكون صاحب الأخطاء البارزة المتكررة ولياً لله، لكن يصعب أن يكون شيخاً يُقتدى به، أو يمثل عنصر أمان في الطريق، يمكن أن تؤخذ منه مهارة يتقنها كمدرب، أو معلومات عن الطريق كمعلم، لكنه لا يؤتمن على القيادة الكلية للطريق بحكم الصفات القادحة في أهليته لقيادة الطريق.
لقد تعلمنا في الحياة أن نأخذ الحكمة من أي أحد، لا يهمنا سلوكه ولا يهمنا إن كان حتى يعمل بهذه الحكمة، ولكن الأمر في الرحلة الروحية مختلف، فالشيخ هو شخص سبقك إلى الطريق، فعرف ربه وصفت نفسه، هو ليس شخصاً يعطي معلومات نظرية فيمكن أن تأخذها منه وتتركه هو، أنت ترى فيه المستقبل الذي تتمنى الوصول إليه، تتعلم من صمته مثلما تتعلم من كلامه، ترى آثار الرحلة عليه، فإن وجدت آثاراً حميدة ستقتفي أثره، وإن وجدت آثاراً تكرهها ستعلم أنه ربما لم يجتز بعض المحطات بنجاح، وربما لا يعلم بذلك حتى الآن. كما أنك قد تتطبع بصفات شيخك التي تتسلل إليك تدريجياً، خاصة إن كان قلبك لا ينكر سيئها، فحين تتاح لك فرصة توجيه الآخرين، ستتمثل أسلوبه وطريقته لأنك تشربتها.
إننا حين نجد في طريقنا شيخاً يجب أن نضع في قرارة أنفسنا أنه “شيخ محتمل” أو “شيخ مؤقت”، فقد يناسب مرحلة ولا يناسب الأخرى، فلا تتعلق به فيصبح في حد ذاته عقبة على الطريق، ويصبح استمرارك معه جبراً لخاطره لا حاجة فعلية، تذكر أن الوجهة هي الله لا شريك له، وأن الله سيهيء لك في كل محطة من يساعدك فيها، لذلك إن وجدته غيرمناسب أو لم يعد مناسباً لك؛ فلتتركه وأنت ممتن له، فلعلك تعلمت منه كلمة، أو ذكرت الله بسببه مرة، أو رأيت خلقاً حسناً تتمنى أن يكون فيك، أو رأيت فيه ما تكره وتتمنى أن يعصمك الله منه، في النهاية هو شخص في طريق الله مد لك يد المساعدة، وستلتقيان في النهاية بإذن الله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، لذلك تودعه بقلب صاف، وتدرجه في قائمة دعواتك “رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ”.
وائل عادل
11/12/2024
جميع حلقات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق