لا يترك الشيطان ثغرة يمكن أن ينفذ منها لبني آدم إلا وفعل، “ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِين (17) ” (سورة الأعراف) ، فهو يبحث عن ثغرة من أي اتجاه، فما أيسر إن كانت هذه الثغرة في ملعب يسهل فيه التسلل.
والكشف من الأمور التي لا تنجو من عبث الشياطين والنفس، تماماً كعالم الأحلام، بل هي فرصة ذهبية للشيطان للصد عن سبيل الله تحت مظلة براقة تسمى “الكشف الإلهي”، خاصة مع رغبة البعض – بحكم تكوينهم – في اليقين فيه، والشعور بالراحة عند القطع بأنه من عند الله، ويأتي الشيطان ليوحي إلى الإنسان أنه معصوم أثناء الكشف، فما رآه صحيحاً قطعاً، ولا يمكن أن تنفذ إليه الشياطين وتتلاعب به، خاصة كلما ارتقى في القدرات الروحية.
وقد تناول الكثير من العلماء هذا الأمر، فيقول الإمام النسفي في كتاب العقيدة النسفية: “والإلهام ليس من أسباب المعرفة بصحة الشيء عند أهل الحق”، ويقسم ابن قيم الجوزية مصادر الإلهام، فيمكن أن تكون من الملَك، أو من الجن “الصالح أو الفاسد” وهذا يشمل الشياطين، أو من النفس. ويوضح صعوبة التمييز بين مصدر الإلهام قائلاً: ” فمِن أين للمخاطَب أن هذا الخطاب رحماني، أو مَلَكِيٌّ؟ بأي برهان؟ أو بأي دليل؟ والشيطان يقذف في النفس وَحْيَهُ، ويُلقي في السمع خِطَابَهُ، فيقول المغرور المخدوع: “قيل لي، وخوطبت”، صدقت، لكن الشأن في القائل لك، والمخاطِب.” ويشير إلى دور الرياضات الروحية في تنشيط صوت النفس قائلاً: ” وهذا- أي حديث النفس- كثيرًا ما يَعْرِضُ للسالك، فيغلط فيه، ويعتقد أنه خطاب من اللَّه، كَلَّمَهُ به منه إليه”.
أما الشيخ القرضاوي فيقول في كتابه موقف الإسلام من الإلهام والكشف: “ومن دلائل الخطأ والتلبيس والتخيلات في الكشف الذي يسمونه (النوراني) تعارض أهله وتناقضهم فيه، وما يذكرونه فيه من معلوماتهم المختلفة باختلاف معلوماتهم الفنية والخرافية والشرعية…!”
ويقول أبو الحسن الشاذلي: ” إِذا عارض كشفُك الصحيح الكتابَ والسنة فاعمل بالكتاب والسنة ودع الكشف، وقل لنفسك: إِن الله تعالى ضمن لي العصمة في الكتاب والسنة، ولم يضمنها لي في جانب الكشف والإِلهام”.
والكثير ممن حذروا من تلبيس الشيطان في الكشف كانوا يتحدثون بالأساس عن التلبيس في الأحكام الشرعية، وهذه أمرها سهل بالعودة إلى القرآن وما غلب الظن بصحته من السنة، لكن ماذا عن الكشف الذي يخبر عن أمور الحياة، فمساحة التلاعب فيه ستكون أسهل لعدم وجود مرجعية فورية في الترك أو القبول، وإنما يجب التحري والبحث في الواقع عن المعلومة التي وردت في الكشف، وهو ما قد لا يتيسر في كل مرة.
وأحاول هنا أن أفك الاشتباك بين اليقين في صحة الكشف الإلهي الذي لا يخطيء وبين أن الكشاف المتمكن لا يخطيء
أولاً: يجب الانتباه إلى أي مكان يحاول الشيطان أن يقول لك بشأنه.. أنا لست هنا.. فإن قال شيطانك أنا لست هنا.. وجب أن تكون أكثر يقظة، وإن قال لك أنا لا أقرب كشفك فتحسس بصيرتك.
ثانياً: يجب التمييز بين من يأتيه الكشف وبين الكشف، فهل يوجد كشاف معصوم من الخطأ في كشفه؟! الإجابة.. لا يوجد كشاف معصوم ولو كان أتقى الناس، فطبيعة الحياة أن يعترض الشيطان طريق الإنسان. وليست البصيرة أن لا يأتي الشيطان في الكشف، ولكن البصيرة في رد الكشف الفاسد حين يأتي.
ثالثاً: الإنسان معرض لكل أنواع الكشف، وهناك فرق بين وجود صنف من الكشف حين يأتي فإنه لا يخطيء أبداً، وبين القول بأن الكشف في المطلق لا يخطيء أبداً، فقد يأتي الإنسان كشف إلهي لا يخطيء أبداً بحكم مصدره وعناية الله به ألا يتم تلبيسه، لكن نفس الشخص تتناوبه أيضاُ أنواع الكشوف الأخرى.
رابعاً: يمكن أن يقول الشخص “حين يأتيني كشف إلهي فإنه لا يخطيء“، لكن لا يقول “كشفي لا يخطيء من حيث المبدأ لأني على درجة روحانية عالية أو لأنني محصن بشكل جيد، أو على علاقة متينة بالله“، لأن هذا يرجعنا إلى أنه معصوم في ذاته من تعرضه لأنواع أخرى من الكشف. خاصة حين نتحدث عن الكشف المقصود، أي أنه سيقرر الآن أن يدخل في أجواء الكشف، ويطلبه عمداً، هذا أدعى إلى التريث في الحكم عليه، فما إن يبدأ الكشف المقصود فهو أولى بالانتباه من سواه، الذي يأتي بغتة دون طلب، أي كلما بذل الإنسان مجهوداً في تحصيل الكشف يفترض أن تقل عنده نسبة اليقين لوجود احتمال أكبر للتداخلات، خاصة النفس التي تطلب الكشف وتنتظره.. الآن.
إذا استوعبنا هذه النقاط جيداً صرنا نتعامل مع الكشف بالحذر المطلوب، والاعتدال الذي يساهم في تقليم أظافر الشيطان في عالمنا الروحي، فمهما حاول فإنه لا يخدش اعتقادنا بالله، أو يجرنا لأن نتقول عليه ما لم يقل، ليست العبرة بإثبات أن كشفي لا يخطيء، هذا لا يعكس عظمتي، وليس مطلوباً مني إثبات ذلك لأنني بشر. ولكن العبرة بالاعتراف أنني واع بالمحيط الذي أتواجد فيه، وأدرك أنني في مرمى الملائكة والجن والشياطين ونفسي، لذلك سأتعرض لكل أنواع الكشوف، وسأتعامل معها جميعاً بانضباط مسؤول.
إذا استوعبنا هذا الأمر سنصبح أكثر حذراً حين نتحدث عن الله، فنستنكف أن ننسب كل ما يرد إلى خواطرنا ثم ألسنتنا إلى الله مباشرة، لمجرد أنها سيقت على ألسنتنا دون ترتيب، وكأنها إلهام إلهي، لن أقول “لا أدري لماذا أنطقني الله بهذا الكلام؟”، فالأصل أن أدري وأعقل ما سأنطق به، أو على الأقل أستغفر بعد أن أنطق، فالشيطان يقتحم القلب على متن اللسان، “وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا”(الإسراء: 53)، فلا يدري المرء هل أنطقه الله أم شيطانه، والأصل أن يتحرى عدم نسبة كلامه لله دون برهان، “قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي ۖ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي”، فيقول إن كان ما قلته خيراً فمن الله، وإن كان شراً أو خطأ فمن نفسي والشيطان، ويتذكر قول الله: “وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ”، خاصة إن كانت نتائج كلماته قد تجر إلى قطيعة رحم أو غيبة أو نشر للعداوة والبغضاء، حينها يتجنب نسبة هذا الأمر إلى الله، خشية أن يقع تحت طائلة قوله “قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”… فإن وقع فريسة الشيطان فلا بأس، لينهض وليستغفر الله، فقد خدعه الشيطان كما خدع أباه آدم، ثم يلعن شيطانه مقتفياً أثر كليم الله موسى عليه السلام، قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ.
وائل عادل
9/12/2024
جميع حلقات السلسلة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق