يعد الكشف من أبرز ما يهتم به من يدخلون المجال الروحاني، والكشف أنواع، وأتحدث هنا عن ذلك الذي يقوم به صاحبه عمداً لمعرفة بعض الأمور الغيبية، ليس ذلك الغيب المطلق، كالمتعلق بالساعة وموعدها أو المستقبليات، ولكن أعني معرفة أشياء حول الأشخاص وأحوالهم، هذا الكشف عادة ما يلجأ إليه من يتصدون للعلاج الروحاني، لمعرفة وجود الإصابات الشيطانية من عدمها وطبيعة الإصابة، فيمكن بمجرد النظر في صورة شخص أن يعرفوا إن كان مصاباً أو لا، وطبيعة الإصابة ببعض التفصيل.
ويجب ابتداء أن يعرف طلاب الكشف أن الكشف المتعلق بالأخبار والأحوال يستوي في جزء منه المؤمن والكافر، وقد ذكر ذلك ابن القيم في كتابه مدارج السالكين، فتحدث عن نوعين للفراسة: “فراسة علوية شريفة، مختصة بأهل الإيمان، وفراسة سفلية دنيئة مشتركة بين المؤمن والكافر، وهي فراسة أهل الرياضة والجوع والسهر والخلوة، وتجريد البواطن من أنواع الشواغل، فهؤلاء لهم فراسة كشف الصور، والإخبار ببعض المغيبات السفلية التي لا يتضمن كشفها والإخبار بها كمالاً للنفس، ولا زكاة ولا إيماناً ولا معرفة، وهؤلاء لا تتعدى فراستهم هذه السفليات، لأنهم محجوبون عن الحق تعالى، فلا تصعد فراستهم إلى التمييز بين أوليائه وأعدائه، وطريق هؤلاء وهؤلاء.”
وقبل أن أتحدث عن الضوابط الخاصة بالكشف أشير إلى مدخلين شيطانيين بارزين في هذا الموضوع. أما المدخل الأول فهو طلب الأوراد من أذكار وسور خاصة بفتح البصيرة، والكثير من المجموعات على الإنترنت تتحدث في هذه الموضوعات، وهنا يأتي السؤال، إذا لم تكن تريد فتح البصيرة، أو صرفت نظراً عن الفكرة، هل كنت ستذكر الله، هل ستستمر في الذكر والأوراد بنفس الأعداد والصيغ التي طُلبت منك؟ إن كانت الإجابة لا؟ فراجع نفسك ألف مرة واحذر من استدراك الشياطين، فلعلك تتعبد لله في محراب الشيطان دون أن تدري، وهل يريد الشيطان منك سوى الشرك بالله بأي درجة كانت؟!.
أما المدخل الثاني للشيطان أن يتحول الكشف إلى وسيلة لتطبيق كل ما نهى الله عنه في آية سورة الحجرات، “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا ۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ” (الحجرات: 12)
وإذا تأملنا هذه الآية فنجد أنها دعت لاجتناب الكثير من الظن خشية الوقوع في القليل منه الذي يحتوي الاثم، والكشف في النهاية ظني، سواء في مصدره أو مضمونه أو دلالات هذا المضمون، فيصعب أن يجزم إنسان أن مصدر كشفه إلهي لا يختلط فيه الشيطان أو الجن أو النفس، كما يصعب الجزم بصدق المضمون إلا بعد مطابقته بالواقع، وقد يصعب أحياناً الجزم بدلالات رموز الكشف، لذلك كان الكشف بصفة عامة ظني. ولا يفترض رفعه أبداً إلى درجة اليقين.
ثم تبدأ المشكلة في الكشف حين يتجاوز الحد، فيبدأ التلصص على أخبار الناس أو أحوالهم النفسية أو حتى الروحية دون إذن مباشر منهم، هنا يقع النهي الثاني.. ولا تجسسوا، ثم تتحدث الآية عن النهي الثالث .. ولا يغتب، وهو أن تتناقش مجموعة حول نتائج كشف متعلقة بحياة شخص لم يسمح لهم بذلك. وكأن من يتعلم أو يمارس الكشف يسعى إلى تركيب جهاز متكامل للظن والتجسس والغيبة، وهو عرض خاص من الشيطان تحت عنوان “3 في 1″، حيث يتحول الكشف إلى جهاز شيطاني ثلاثي المعصية، فبينما يظن المرء أنه يحارب الشيطان؛ يبدأ الخطوة المحرمة، تلك الخطوة الشيطانية التي تتبعها خطوات تفسد أي عمل.
فهل سيحذر الكشاف خطوات الشيطان فيكتفي يمعرفة الإصابات الشيطانية؟! أم سيتوسع متلصصاً محاولاً معرفة بعض الأسرار الشخصية، متعدياً حدود الله، فهو بيد يرفع راية الحرب على الشيطان، وبيد أخرى ينفذ أمر الشيطان. وحينها قد يدعمه الشيطان في كشفه، ليزداد يقيناً من صحته، ويزداد سوء ظنه بالناس، فإن قالوا بعكس كشفه كذبهم، وهو لا يدرك أن الشيطان أخذه خطوة متقدمة نحو الافتراء والتكذيب.
إن الكشاف الذي يتعدى حدود الله مستعملاً جهاز 3 في 1 سيجني قلبه ثمار هذا العدوان بعد فترة، وسيتأثر سلباً من إدمان تلك المعاصي وهو لا يشعر بها، فقد يصيبه كبر المعرفة، ويعتاد التجسس، وربما سوء الظن بالناس، إن وثق في صدق كشفه وكذب الناس، ثم يبدأ في الدفاع عن تعدي حدود الله تحت ألف مبرر للخير، فلم يعد قلبه يميز المعصية التي هو واقع فيها، ولا يجد سبباً للتوبة، فضلاً عن الاعتراف بالذنب، هكذا يترك الشيطان أهل الكشف صرعى إن حادوا عن حدود الله، فهم يكشفون الشيطان من خلال الصورة، ولا يكتشفون الإثم الذي وقعوا فيه، إنه أسلوب الشيطان في تزيين الأعمال.
وقد يرى البعض أنه لا بأس بالكشف طالما أنه لا يخالف الشرع، كأن لا يأمر بمخالفة صريحة مثل ترك الصلاة، وهؤلاء يركزون على المضمون الذي جاء به الكشف، لكن ما يجب الانتباه له أن الكشف في حد ذاته كوسيلة يمكن أن يكون مخالفة شرعية حتى ولو كان صادقاً، لأنه إن تعدى حدود الله فهو في حد ذاته مخالفة شرعية ومعصية واضحة، كما وضحنا في آية سورة الحجرات.
ولضبط هذا الأمر وحصار فرص التلاعب الشيطاني؛ يجب أولاً الاعتراف بظنية الكشف بصفة عامة، ثم الاقتصار على الحد المطلوب الذي فيه نفع لطالبه، مثل الكشف عن الإصابات الشيطانية، وإغلاق باب تحويل الكشف إلى جهاز ظن وتجسس وغيبة.
ويمكن الاستفادة من العمل الجماعي في هذا الأمر، حين تتواصى المجموعة بالحق، فإن حاد أحدهم نبهه الآخر.. احذر “3 في 1″، ويدعون الله أن يقيهم الفتن وخطوات الشيطان.
فإن قال قائل لماذا لا نغلق باب الكشف بالكلية؟! أرى أن هذا واجب على من يجد نفسه على شفا جرف هار، أما بصفة عامة فأميل إلى النظر للكشف باعتباره ملكة حباها الله لبعض عباده بالولادة، كما أتاح للبعض اكتسابها، فالمطلوب ترشيد التعامل معها لا محوها، فليأخذوا خيرها ويتركوا شرها، وهذا قطعاً ليس يسيراً في وجود الشيطان، لكنه جزء من ابتلاء أهلها، وهو يسير لمن يستعين بالله ويقف عند حدوده، والوجه الإيجابي في الكشف هنا هو إحداث تقدم نسبي لبني آدم في معركتهم مع الشيطان، فهناك من يتمكنون من كشف وجود الشياطين بنسب متفاوتة، وهذا تقدم جيد في صالح بني الإنسان، لذلك أرى أن هذا هو الحد المقبول، أما تجاوزه بالدخول إلى حياة الناس الشخصية فيعني الانتقال إلى معسكر الشيطان خطوة تلوخطوة، برعاية جهاز “3 في 1”.
وائل عادل
08/12/2024
جميع الحلقات السابقة
- ما بعد التصدعات
- محبوس في عالم الجن
- مشروع العلاج والبنية التحتية
- التحصين.. بناء قلعة أم فرار إلى الله؟!
- الكشف.. 3 في 1
- كشفي لا يخطيء
- بين الشيخ والمدرب
- انتقادات على الطريق
- تصميم الطريق
- بين الارتقاء الروحاني والإيماني
- أمصال على الطريق
- منهج التعلم
- أوارد أم فوانيس سحرية؟!
- الصحبة الناضجة
- نحو موسوعة الروحانيات
- لا تقصص رؤياك
- الشيخ المختطَف
- على من تَنَزَّل الشياطين
- !علم لدني أم علوم روحانية؟
- حرب الشيطان بين القوة الصلبة والناعمة
- مجربات بلا تجارب
- المعلم بين مصدر التوجيه ومصدر المعلومة
- الارتهان للشيخ
- مسبحة أم صنم؟
- التطبيع مع الجن
- إنه يفكر ويفكر
- التعامل مع الجن في القرآن
- لماذا فارقونا؟
- عطايا الجن


أضف تعليق