الإصابات الروحية وعالم الأسباب

الأصل في دنيانا أنه لا نتيجة بلا سبب. فالنتائج مرتبطة بالأسباب، والأسباب مقدمات النتائج، والسبب هو أبو النتيجة. فتتعلق القلوب بالأسباب تعلقها بالنتائج. لذا مهما حاول القلب الانصراف عن الأسباب والتوكل على الله فتعلقه بالأسباب قوي وشديد. وكلما كان السبب مجرباً من قبل ونتائجه مؤكدة زاد التعلق به والاعتقاد فيه. ورغم أن المؤمن يعلم عقلاً أن الله عز وجل هو مسبب الأسباب، لكن إدراك القلب مختلف. لذلك عندما تنقطع الأسباب بالعبد يضطرب القلب ويجزع رغم علمه عقلاً أن النتائج من الله وليست من السبب، وسبب هذا الجزع تعلق القلب بالسبب، فإذا انقطع السبب اضطرب القلب وحار.

ومن أشد مفسدات القلب الإقبال على عوالم الغيب متعلقاً بالأسباب. فيبحث المصاب في تفاصيل عوالم الجن والسحر وقوة المعالجين وقدراتهم وطرائقهم وغيرها، فيتعلق قلبه بتلك الأسباب كونها باباً إلى النتيجة المرجوة، وهي الشفاء. فالدخول على عالم الغيب والروح بالأسباب فخ ومنحدر قد يؤدي بصاحبه إلى تعلق الاعتقاد ومن ثم الشرك. إذ أن الأصل عند الإقبال على عوالم الغيب هو الإيمان بها، والانطلاق تحت شعار “كن فيكون”، أي حدوث النتيجة بمجرد الأمر الإلهي بغض النظر عن الوسائط والأسباب.

أما إذا تحول عالم غيبنا إلى عالم أسباب كعالم شهادتنا. فأين يجد المرء راحته واطمئنانه إذ طاردته الأسباب في عالم الغيب. فيدعو المؤمن ربه منتظراً مدد الملائكة، أو نصرة الجن الصالح له وحمايتهم له، أو يتحرك في الناس معتقداً أنه نور وبركة ينشرها الله على خلقه. كيف نجد الله من بين كل تلك الأسوار والأسلاك الشائكة من الأسباب والوسائط. ومن ثم فالاحتفاظ بنقاوة عالم الغيب، وتعلق القلب فيه بفعل الله تبارك وتعالى بلا سبب ولا واسطة هو أنجع في العلاج وأسلم للقلب.

لا تتحدث عن تفاصيل الإصابات الروحية وما يتعلق بها من الاسباب ولا تنظر لها، على قدر الاستطاعة. وإن كان ولابد فليكن صياغة حديثك مركز على فعل الله الذي لا يحتاج إلى سبب لتحصل النتيجة. لأن أي حديث له آثار في القلب. فالامتناع أو تقليل الكلام عن الأسباب ينقل القلب لمستوى آخر من التعامل مع النتائج.

أضف تعليق