كيف ننجح في حياتنا؟ وكيف نحقق أحلامنا سواء على المستوى الفردي أو الجمعي؟
مع تنامي النزعات الإدارية والفكرية نحاول دائماً تحقيق النجاح ببذل الجهد في التخطيط والتعلم واستشارة الخبراء. وإذا كنت ممن يملكون حساً دينياً فإن لافتة “اعقلها وتوكل” لا تغيب عن ناظريك، فتجتهد في التخطيط ثم تتوكل على الله راجياً منه العون والتوفيق. ويفهم كثيرون هذا الحديث على أهمية الأخذ بالأسباب المادية مع التوكل على الله عز وجل وتفويض الأمر إليه رجاء تحصيل المطلوب.
يغفل هذا الفهم جانباً مهماً وهو أن الركن الروحي جزء أصيل يقع في القلب من عالم الأسباب. ونقصد بالركن الروحي بذل الجهد – كل الجهد – في سلوك الطريق الموصل إلى استجابة الدعاء واستجلاب التوفيق الرباني. كيف تنشأ بيننا وبين خالق الكون ومدبر الأمر علاقة خاصة فيعلمنا كما علم يوسف، ويفهمنا كما فهم سليمان، ويسخر لنا خلقه كما سخر لداوود وسليمان، ويرينا كما أرى إبراهيم، وييسر أمورنا كما يسر لأصحاب الكهف، ويعلمنا من لدنه علماً كما علم الخضر عليهم جميعاً السلام.
فخطة الإتيان بعرش ملكة سبأ كانت تشمل الاستعانة بالذي عنده علم من الكتاب ليكون عضواً في المجلس الاستشاري لمملكة سليمنا عليه السلام. فجزء من عالم الأسباب كان هذا الرجل الصالح الذي علمه الله تعالى علماً فاقت قدرته وسرعته أقوى قادة الجن كما ورد في سورة النمل “قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴿39﴾ قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴿40﴾”. فهذا الجهد الذي بذله هذا الرجل الصالح ليصبح أهلاً لتعلم هذا العلم الرباني هو جزء من عالم الأسباب ويقع تحت كلمة “اعقلها”
إن التوجه إلى الله بالدعاء طلباً للتوفيق والتيسير أمر محمود، أما امتلاكه كسلاح فاعل فهذا مستوً أعلى يتطلب استفراغ الجهد في العلاقة المباشرة مع الله سبحانه وتعالى. وهذا ما بلغ بالأنبياء والصالحين مكانتهم. فالقرآن أشار إلى هذا الجهد الذي بذله الأنبياء كما في الآيات التالية:
- وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿124﴾ (سورة البقرة)
- إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ ﴿75﴾ (سورة هود)
- قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴿90﴾ (سورة يوسف)
- وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴿54﴾ (سورة مريم)
- اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿17﴾ (سورة ص)
- وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿30﴾ (سورة ص)
- وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴿37﴾ (سورة النجم)
- وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ ﴿12﴾ (سورة الحشر)
الآيات تشير إلى الإنابة والحلم والأوب والتقوى والإحسان والقنوت والصبر والتصديق وصدق الوعد وتمام العبادة والوفاء بالتكاليف على أكمل وجه وصيانة الجسد عن الحرام. وعي ليست صفات أو افعال عابرة؛ وإنما برنامج حياة كامل يلتزم المرء به لينعم الله عليه بما شاء.
فامتلاك أسباب الإجابة ليست مجرد كلمات الدعاء الأخير الذي نلوكه بألستننا؛ وإنما هو الناتج النهائي لعملية طويلة وشاقة وممتعة من بناء العلاقة مع خالق الأكوان ومدبر أمرها.
أما نتيجة الدعاء النهائية فتشير لها الآيات:
- وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴿76﴾ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴿77﴾ (سورة الأنبياء)
- وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴿83﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴿84﴾ (سورة الأنبياء)
- وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿87﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴿88﴾ (سورة الأنبياء)
- وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ﴿89﴾ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴿90﴾ (سورة الأنبياء)
- فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴿24﴾ فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴿25﴾ (سورة القصص)
فالدعاء سلاح فاعل في النجاح وتحقيق الآمال. ولكن امتلاكه والتمكن منه يتطلب جهداً ومثابرة وعمل قلبي هو جزء من الأخذ بالأسباب المادية. أما إخراج هذا الجهد الروحي والقلبي من عالم الأسباب وحصرها في مهارات الإدارة والقيادة والاقتصاد، ثم الاكتفاء في التوكل على الله بدعاء لم يسبقه شحنة روحية قوية يحيد عن المعنى الحقيقي لـ”اعقلها وتوكل”. فالجهد الروحي جزء من الخطة ومن عالم الأسباب الذي يسبق التوكل.

أضف تعليق