الحمد لله الذي اصطفى من خلقه ما يشاء ومن يشاء لجنته، فخلقهم لها وخلقها لهم، فالجنة مجموع نعيمهم وثوابهم ووصفهم، والواحد منهم بعضاً من وصفها، فهم لبناتها وهي زينتهم. والحمد لله الذي زين دنيانا بأهل الجنة، وجعلهم كالشجر المثمر الظليل الفواح في الصحراء المقفرة، فبهم تتنزل رحمته على جميع خلقه، وبصحبتهم يسعد القلب، وتهدأ النفس. والحمد الله الذي جعل القلب يهفو إليهم، والعقل ينشغل بهم، والنفس ترجو الزكاة لتفوز برفقتهم، فالحمد لله على فضله وجميل فعله.
والحمد لله الذي هداني للحديث عن المقربين، صفوة أهل الجنة، وأقرب الخلق إلى الله وأحبهم إليه، فما من كلمة إلا إليهم، وما من فكرة إلا عنهم، فاللهم اجعل هذه الكلمات نوراً في طريقهم، ومعالم يسترشدون بها في مسلكهم، واجعلني لهم رفيقاً وصاحباً وجليساً.
والصلاة والسلام على سيد الخلق وحاديهم وسائقهم إلى الجنة محمد صلوات الله وسلامه عليه. لم يترك باباً إلى الجنة إلا وأشار إليه، ولا مانعاً عنها إلا وحذر منه. خلقه الله نوراً وهادياً وسراجاً منيراً، وجعل له في الجنة مقاماً محموداً، الفائز من نال شفاعته، والسعيد من حظي بصحبته وجواره ومجالسته في الجنة. اصطفاه الله وفضله على جميع الرسل والنبيين، فجعل شريعته هي المهيمنة، ورسالته هي الخاتمة، وما أنزل عليه من الوحي محفوظاً له ولأمته. فاللهم صلِ وسلم وبارك وأنعم على خاتم الرسل محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على هديهم إلى يوم الدين.
ولقد أخبرنا الله في صادق وعده في سورة الواقعة أن أهل الجنة في عمومهم صنفان، أصحاب اليمين وهم عموم أهل الجنة، وغالبية المؤمنين بالله تبارك وتعالى، والمقربون الذين وصفهم الله بالسبق والتصدر، وهم قلة في كل أمة وفي كل عصر، وهم خيرة أهل الجنة، فضلهم الله بحكمته وبفضله على العالمين، فهداهم إلى السبق، وأوحى لهم فعل الخيرات، وساق قلوبهم إليه تفضلاً منه ورحمة ومنة، فما كان سبقهم ولا تقدمهم ولا إقبالهم على الخير ولا إعراضهم عن الشر إلا منه وحده، وما كان تقريبهم ولا تفضيلهم ولا اجتباؤهم ولا اصطفاؤهم إلا منه وحده.
والطريق إلى القربى هو ذات الطريق إلى الله جل في علاه، وهو خير الطرق وأوسع المسالك، وأكرم الوجهات وأبهج السير وأسعد النهايات. من قطع فيه خطوة ثم أدركه الموت فهو من أهله، ومن تناهى إلى آفاقه فهو من السعداء. البلاء فيه رحمة، والنعمة فيه لطف، والحيرة فيه رشد، والفهم فيه بشرى، والحزن فيه علم، والفرح فيه حكمة. فيه تبرز المعاني لا الصور، وتتراءى الحقائق لا الخيالات، ويلوح اليقين لا الوهم.
ويتكون طريق القربى من ثلاثة جسور، أولهما جسر العقل، ونقصد به السير إلى الله الرحمن على مطية العقل، وهو التحليل والتدبر والاجتهاد والنظر والاستدلال، فيقصد المؤمن ربه متعبداً متوكلاً متوقفاً على ما جاء في النصوص وشروحات أئمة العلماء، وعلى ما ينتجه عقله من تحليل وتأويل، ما دام لا يخالف القواعد الكبرى لفهم ما جاءت به نصوص الشريعة الهادية. والسالكون على هذا الطريق يغلب عقلهم ذوقهم، بل يكبحون تذوقهم كيلا يجاوز حده، خوفاً أن يقودهم إلى ما يخالف النصوص.
وثانيهما جسر الذوق، ونقصد به السير إلى الله الودود على مطية القلب، متذوقاً حلاوة الإيمان، ومشاهداً لأحوال النفس ومكابدتها في سعيها نحو زكاتها، ومعايناً لمقامات ومشاهد القرب والخشية والتوحيد وغيرها، ومتقلباً بين مشاعر الحزن والفرح، والحب والشوق، والحيرة والاطمئنان وأمثالها، ومتوقفاً في الاعتقاد والتعبد والتعبير والإخبار على قواعد الشريعة الخاتمة كما وصلتنا على لسان سيد الخلق وخاتم المرسلين محمد ﷺ. والسالكون على هذا الجسر يطلقون لذوقهم العنان، ويغوصون في أعماق نفوسهم محاولين استكشافها والتعرف عليها، ويعتقون رقبة مشاعرهم فتتلون بما لا حصر له تجاه ربهم، ثم يحاولون في النهاية ضبط ما عاينوه بميزان الشريعة. وفريق من أهل قد يحال بينهم وبين طريق العقل والنظر والاستدلال فتخدعهم قاهر الأحوال والواردات الإلهية وعلو المراتب والمقامات، فيظنون أنهم بلغوا نهاية الأحوال، ووصلوا إلى غاية الدرجات، فيكون ذلك عائقاً لهم عن الوصول إلى المراد. وفريق ثانٍ مكن الله لهم الجمع بين العقل والذوق، فانطلق ذوقهم من عقاله كأحسن ما يكون الذوق، واعتدل ميزان العقل والشرع لديهم على أحسن وجه، فكان لهم التمكن في تلون الأذواق، والتمكن في الضبط والاعتدال، فجمعوا بين التمكن والتلون، فما خدعتهم مغالطة بلوغ النهايات، فاستقام سيرهم، وتسدد رأيهم، ورشدت عقولهم، وزكت نفوسهم، وحسن حكمهم. فأصحاب جسر الذوق قد تخدعهم مشاعرهم وأحاسيسهم، لذا وجب عليهم أن يزنوا ذوقهم بميزان الشرع.
وثالثها جسر الشهود، ونقصد به مشاهدة ومعاينة آثار وتجليات صفات الله جل ثناؤه في النفس وفي المخلوقات وفي الكون الفسيح. وليس ذلك وحسب؛ بل قد يمن الله على من يشاء من أهل هذا الجسر بمشاهدة لمحات من عوالم البرزخ والملكوت، فيشهدون أرواح الأنبياء والصالحين والصديقين والشهداء ممن أنعم الله عليهم بالاصطفاء والاجتباء، ويعاينون أحوال البعث والحشر والحساب والنعيم والعقاب، ويرون من آيات الله فيما وراء عالم الشهادة ما يشاء الحق تبارك وتعالى أن يطلعهم عليه لحكمة أرادها بهم. فهم أهل شهود الحقائق، فتنكشف لهم من حقائق النفوس والمخلوقات والكون والشريعة والغيب ما يخفى على غيرهم. فهؤلاء هم من يعاير الميزان ويضبطه ويختبره. فهؤلاء أركان صرح الولاية والتمكن، ولهم الإرشاد والتوجيه، وهم ورثة النبوة بشريعتها وحلاوتها.
فالسائرون على جسر العقل هم أهل علم اليقين، الذين أحاطوا ذوقهم بأسوار العقل والنص تورعاً. والسائرون على جسر الذوق هم أهل عين اليقين، الذين نصبوا في وسط سوق التذوق والقلب ميزاناً يزنون به بضاعتهم تورعاً وخوفاً من عماء ذوقهم. والسائرون على جسر الشهود هم أهل حق اليقين، الذين شهدوا عظمة المولى سبحانه وتعالى في كل ما خلق وما أمر به وما نهى عنه وما وعد به وما أعطى وما منع. وكلاً وعد الله الحسنى.
والسالك لا يختار الجسر، بل الجسر هو من يختار سالكيه، وكل ميسر لما خلق له. إذ أن للطريق اطلاع على قلوب السائرين عليه، وعلى قابليتها واستعدادها، وعلى مكامن الخير فيها ومقاديره. فما من مريد للطريق إلا وهو مراد منه، وما من ملتمس له إلا وهو مجذوب إليه، وما من مجتهد عليه إلا وهو مجتبىً له. وما كانت أبواب الجسور لتفتح عنوة؛ وإنما يتوارب الباب للعبد المقصود، فمنهم من يبدأ في اختلاس النظر ليرى ما خلفه، ومنهم من يتردد بين الإقدام والإحجام فيقدم رجلاً ويؤخر أخرى، ومنهم من يتقدم حذراً مراقباً عاقبة كل خطوة، ومنهم من يدخل بقوة ماشياً، أو ساعياً أو مهرولاً أو راكضاً. ويسقط السائرون في هوة التردد ويتيهون في وديان الحيرة، عندما يخالفون ما فطروا عليه، ويجتهدون في سلوك جسر لم يخترهم ولم يهيئوا له، أو عندما يهرولون على جسر فينكرون السير على الجسرين الآخرين. والعبرة ليست في طبيعة الجسر أو الطريق ووصفه؛ وإنما في همة السائر وجده وسعيه وسعته، فمن صدقت همته واتسع قلبه وصل إلى الله من أي طريق يسره الله له.
وموضوع هذا الكتاب هو وصف جسري الذوق والشهود، مع التركيز على الجانب الذوقي، وقد اخترت ذلك لأسباب ثلاث:
أولها أن طريق العقل والنقل كثر أعلامه وساداته ورواده، وإنتاجهم غزير وافر متجدد كمعين خير وعلم لا ينضب، ولن يصعب على سالك هذا الطريق أن يجد بغيته في أمهات الكتب وفي الرسائل والأوراق والدراسات المعاصرة. أضف إلى ذلك أن آلة العقل يستخدمها جميع البشر في إدارة حيواتهم، فهي آلة فاعلة مدربة مصقولة مشحوذة، لا تنفك عن المقارنة والتحليل والتفكيك والتركيب واتخاذ القرارات وتقييم العواقب، سواء فيما يتعلق بعالم الشهادة أو عالم الغيب. فما من حاجة لمزيد من الكتابة عنها إلا في إطار ما نحتاج إلى الإشارة إليه في سياق هذا الكتاب.
وثانيها الميل الشخصي لطريقي الذوق والشهود، فالسالكون فيه قليلون مقارنة بطريق العقل، وحيرتهم كبيرة، وزللهم أقرب لندرة الموجهين والمرشدين وصعوبة الوصول إليهم. والذوق آلة إدراكه القلب، وعند غالبية البشر هي آلة مثلومة، معطلة، غير مدربة، قلما يستخدمها الإنسان، وقد لا يشعر بها عند عملها، بل قد ينسب نتاج عملها إلى عقله، ويكاد يكون عملها الغزير المحسوس المنسوب إليها مقصوراً على مواسم وأيامٍ وساعات ومواقف معدودات. وإذا لم يعمل العبد قلبه بنفس قوة إعمال عقله، فحدوث الذوق يكون موسمياً. فلا سلوك لطريق الذوق بدون تدريب القلب. وإلى هذه الرياضة القلبية وأدواتها وأسبابها ونتائجها تميل نفسي.
وثالثها أنه يستحيل بلوغ جسر الشهود دون قطع جسر الذوق، فالبشر أكثرهم مدربة عقولهم، مهجورة قلوبهم، فما يحول بينهم وبين هذا الجسر ليس المزيد من إعمال العقل – وإن كان مطلوباً؛ وإنما إعمال القلب. فمن أراد أن يكون من صفوة المقربين، من أهل الرَوْح والريحان وجنة النعيم، ومن أهل التمكن والولاية ذوقاً وعقلاً، فعليه أن ينزل بساحة قلبه ونفسه مستوطناً، ومستكشفاً، ومصاحباً، ومدرياً، ومصلحاً ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ. إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ﴾[1].
فكان هذا الكتاب الذي بين يديك ليكون معيناً لهم، ومبيناً لمعالم طريقي الذوق والشهود الكبرى. وقد قسمت هذه المعالم على شكل رسائل منفصلة، يكمل بعضها بعضاً، ترسم في مجموعها ملامح طريق المقربين إلى الله جل في علاه، حيث يسهل قراءة ودراسة واستخدام كل رسالة على حدة، مع مراعاة أن الرسائل متكاملة، فبعض تفصيلات الرسالة الأولى قد تجدها في الثالثة، وبعض دقائق الثانية قد تجدها في الخامسة وهكذا. وقد ذهبت إلى ذلك حتى لا تقطع التفاصيل سير الأفكار، فجاءت كل مسألة تفصيلية في مسارها المتصل، وهو ما يسره الله لي، وهداني إليه. وكل ما في هذه الرسائل من خير وصواب فمنه وحده، وهو محض فضل ونعمة من الله العليم الخبير، وما فيها من زلل وخطأ فمن سوء تقديري وفهمي وإدراكي وتعبيري، وتنزه الله سبحانه وتعالى عن كل نقص، وعن كل كمال تتصوره عقولنا أو قلوبنا القاصرة. وقد قسمت رسائل المقربين على النحو التالي:
- رسالة الحقيقة، ونحدد فيها ما نقصده بإدراك الحقيقة، فنتعرض فيها لأنواعها، وأدوات إدراكها، ودرجات شهودها، والحجب الحائلة دون تحقق هذا الشهود.
- رسالة التوحيد، وتدور حول معنى التوحيد، وأنواعه ودرجاته، وكيف يتحقق القلب بالتوحيد، وعلامات شهود القلب له.
- رسالة معرفة الله، وفيها نتعرف على الفرق بين الإيمان والمعرفة، ودرجات المعرفة وأنواعها، وأسماء الله وصفاته، والطريق إلى معرفة الله.
- رسالة العبودية، وتدور حول شهود القلب للعبودية،وروح العبودية وآدابها.
- رسالة النفس، والحديث فيها عن مكونات الإنسان من الجسد والقلب والعقل والروح والنفس، ودور كل واحد منها في إدراك الحقيقة.
- رسالة الذوق والوجدان، ونتحدث فيها عن أنواع الذوق والأحوال المختلفة التي تصيب القلب والنفس في طريقها إلى الله سبحانه وتعالى، وكيفية التعامل معها.
- رسالة اللوازم، وتدور حول ما يلزم الإنسان ليتمكن من قطع فلوات نفسه إلى بساتين المولى تبارك وتعالى، وكيف يتعامل العبد مع تلك اللوازم في فتوره وفتوته.
- رسالة الصوارف، وفيها نستعرض الصوارف التي تصرف الإنسان عن الله، وتلفته عن طريقه إلى طرق جانبية تحبسه بها.
- رسالة الحقائق والأوهام، فأدواتنا من الحس والقلب والعقل والذوق وغيرها أدوات متغيرة نحاول بها إدراك الحقيقة المطلقة، ومن ثم فلابد من تداخل الحقائق مع الأوهام، وهنا نحاول تقديم وسائل تساعدنا على التفريق بينهما.
منهج الكتابة
الذوق متعلق بالمشاعر والإحساس، وهو ظاهرة وطبيعة بشرية، وليس من أمور التعبد أو التسنن. فذوق السعادة أو الحزن، الحب أو البغض، السكينة أو الاطمئنان، وغيرها من المشاعر والأحاسيس القلبية والنفسية لا يحتاج إلى دليل شرعي؛ وإنما إلى انضباط في التعبير عنها متى احتاج العبد إلى الإفصاح. فلا يطالب عبد بالدليل على ذوق الخشوع، أو القرب، أو البعد، أو الأنس، فنقول له هاتِ دليلاً يبيح لك ذوق القرب من الله، ففي هذا الاستدعاء للنصوص مغالاة وتجاوز. وأكثر من أيد كلامه عن الذوق بالآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية الصحيحة من العلماء والوعاظ فليس للتدليل على إباحتها؛ وإنما لشرح المعنى الوارد عن الذوق وتعميقه وتكثيف ومضاعفة أثره. أما سوق الأحاديث والآيات للإخبار بحل الذوق فهو مبالغة وغلو في التدليل، ومحاربة لما فطر الله الخلق عليه من تدفق المشاعر. ولا يحتاج المؤمن أن يدلل على حل الذوق فيقول ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾[2] إلى آخر الآية، أو يستدعي قوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾[3] إلى آخر الآية الكريمة، أو غيرها من الآيات. إذ أن الأصل أن العبد يتذوق حلاوة الإيمان، ولا نحتاج إلى التدليل على ذلك.
والأساس الذي أنطلق منه أن الذوق خبرة شخصية، ولا يتطابق ذوق الشيء الواحد لدى شخصين البتة، قد تتشابه الأذواق، إلا أنها لا تتطابق. فلكل فرد دراية وإحساس فريد بنكهة السلوك لا يشاركه فيه أحد من الخلق. وإنما يكون التشابه في التعبير والإفصاح والشرح لعجز العبارة عن وصف الذوق. لذا يكتفي الذائقون بالتصنيف فيقولون هذا حلو وهذا مر، وهذا حزن وهذا فرح، أما على الحقيقة فلكل شخص خبرته الذوقية. ويقوم الكتاب على قاعدة تبادل عباد الرحمن خبراتهم وطرائقهم في الوصول للذوق، مع الأخذ في الاعتبار عدم الإلزام، وتجنب تحويل الطريقة والممارسة الشخصية إلى تعبد وتسنن. فلا يلزم أحد أحداً بذكر، أو بعدد، أو يصوم، أو بنافلة، أو بذوق أو غيرها؛ وإنما يعرض من أراد مجاهداته وما ورد عليه من الذوق، فمن أراد أن يسلك مسلكه مسترشداً – وليس متعبداً متسنناً – فلا بأس عليه. وليس بالضرورة أن يشتركا في الذوق أو فيما يرد على قلبيهما من معانٍ وأنوار، إذ أنه متوقف على قابلية القلب، واستعداده للاستقبال، والفهم والإرسال. ومن ثم فالكتاب لا يقوم بالأساس على الاستدلال على الذوق؛ وإنما على استعراض ما خبر السالك من أشكاله، ووصف الطريق الموصل إليه. ولم ألجأ للاستدلال الشرعي إلا فيما يحتاج إلى دليل، وهو قليل نظراً لموضوع الكتاب.
والكتاب يقوم بالأساس على رحلتي الشخصية، وما تحمله في طياتها من تجارب وأذواق، وما تأثرت به في سيري من حوادث وأشخاص وأفكار، وقراءات ومجاهدات، ولقاء وافتراق، وهمة وفتور، وثبات وانزلاق، وارتقاء وانحدار، وخطأ وصواب. فهو يرسم معالم رحلة لم تكتمل بعد لصاحبها، ويصف طريقاً لم يبلغ منتهاه، وذوقاً لم يتم صفوه، وفكراً ما زال ينقب ويبحث، ونفساً ما زادتني معرفتها إلا جهلاً بها. فكل ما تضمنه الكتاب من معانٍ وأفكار سطرتها لتكون للسائرين إلى الله تبارك وتعالى منهج سير يستلهمون منه طرائقهم، ويسترشدون به في رحلتهم، فيزيدون عليه مما فتح الله عليهم به من خير، فيرتفع البناء، وتتضح المعالم. ومن وجد من العبارات ما جانب الصواب في الصياغة فليسأل الله لي المغفرة وليتأمل في المعنى، فليست العبرة بالعبارة وإنما بالمعنى المراد شرحه، إذ أن توضيح المعاني الذوقية يشق على من لهم باع وقدم راسخة في الأدب والبلاغة، لذا أوتي سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم.
فمن عاين تلك الرسائل وفهم معانيها، وأيد قلبه بأمثالها مما كتب أهل الذوق، وسار في طريقه إلى الله بقلب يقظ وعقل متقد، أوشك أن يكون – برحمة الله وواسع وعظيم فضله – ممن غرس الرحمن كرامتهم بيديه، وقربهم وأكرمهم، وجعل لهم عنده زلفى ومنزلة، ورزقهم صحبة حبيبه محمد صلوات الله وسلامه عليه، وصحبة خليله وكليمه وروحه وكلمته وخليفته في الأرض عليهم جميعاً صلوات الله وبركاته وسلامه، وفوق ذلك كله زادهم بلقائه تبارك وتعالى، فنظرت العيون، وأشرقت الوجوه، وانفرجت الأسارير، وتلألأت القلوب، وهاجت الأشواق ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[4]. فاللهم هيأنا وأدبنا وأصلحنا لنكون من أهل لقائك.
اللهم ربنا تقبل عملي هذا، وارض عنه وبارك فيه، وأَسْمِعْ بهذه الكلمات المقربين المصطفين من عبادك، واجمعني بهم في الأولى، واجمعهم علي في الآخرة، واجعل هذا الكتاب نوراً هادياً في الدنيا وفي القبر وعند البعث والحشر، وعلى الصراط وعند الحساب، وفي الجنة يا أكرم الأكرمين.
[1] سورة الشعراء. الآيات 88-89
[2] سورة الأنفال. الآية 2
[3] سورة الحديد. الآية 16
[4] سورة العنكبوت. الآية 5
مجموعة رسائل المقربين


أضف تعليق