لماذا خلق الله الشر والبلاء؟ ولماذا لم يخلقنا في عالم مثالي
وفقاً للمنطق فإن النقيضين لا يتلاقيا أبدأ في ذات النقطة. فمثلاً إذا اخترنا الوجود مقابل العدم علماً بأن العدم ليس إلا اللاوجود. فهذا المقال الذي بين يديك إما موجود وأنت تقرؤه الآن أو لا موجود وأنت الآن تبحلق في العدم. فإن ادعينا بإمكانية التقاء النقيضين يصبح هذا المقال موجوداً ولا موجوداً في آن واحد، وأنت تقرؤه وتنظر إلى العدم في ذات اللحظة، وهو ما يستحيل عقلياً حدوثه في نفس المكان والزمان إلا على التتابع كوننا لا نملك إلا ذاتاً واحدة تخضع لحيز الزمان والمكان. فإذا كان أحدهم قريباً بجسده من نقطةٍ ما في لحظةٍ ما فمن الاستحالة أن يكون بعيداً بجسده عن نفس النقطة وفي ذات اللحظة الزمنية. قد يكون قريباً منها وبعد دقيقة بعيداً عنها. أو قريباً من نقطة وبعيداً عن أخرى. أما القرب والبعد بنفس الجسد وفي نفس التوقيت ومقارنة بنفس المكان فيستحيل.
ولما كان النقيضان لا يلتقيان أبداً، فإذا افترضنا وقوفك في لحظة ما في مكان ما أمام نقيضين يجب عليك تنفيذهما، فلن يكون أمامك سوى الاختيار بينهما، إذ ليس من سبيل لاختيارهما معاً في نفس حيز الزمان والمكان. فإن لم يتواجد النقيضين فليس من سبيل للاختيار أصلاً.
النقائض ضرورة للاختيار
إن الاختيار يقتضي وجود النقيضين. فالكذب والصدق، والحركة والسكون، والكرم والبخل، والحب والكره، والعنف واللاعنف وغيرها من المتضادات ما هي إلا نقائض. ويستحيل الاختيار إلا في وجود النقيضين. فالسيارة التي نركبها يمكننا أن ننطلق بها بسرعة 200 كم متر في الساعة أو نوقفها تماماً لتكون حركتها صفر. وجود هذين النقيضين يوفر لنا طيف واسع من السرعات التي يمكننا الاختيار بينها بما يناسب الموقف. وتقديرك للاختيار المناسب لا يقع في الفراغ؛ وإنما يقع داخل نقيضين آخرين. فالطريق إما مسدود أو متدفق مرورياً، وبين الانسداد والتدفق المروري الكاملين طيف واسع من درجات السيولة المرورية. فالاختيار السليم أن تدرك درجة السيولة المرورية من نقيضي الانسداد والتدفق، ثم تختار السرعة المناسبة لها من نقيضي (200 كم/ساعة – 0 كم/ساعة). فإن أسأت التقدير والاختيار فقد تتسبب في حادث نتيجة السرعة الزائدة أو اختناق مروري نتيجة البطء الشديد.
نحن نعيش في عالم يسبح في دوائر متشابكة من النقائض التي يلف بعضها بعضاً. فالاختيار أمر لا مفر منه. في كل ثانية نختار إما أن نأكل أو نمسك، نجلس أو نقف، نجد في العمل أو نتكاسل، نطيع أو نعصي، نعدل أو نظلم، نستسلم أو نقاوم. عالم لا نهائي من الاختيارات على مسطرة كل نقيضين يتيح لنا مساحة لا متناهية من الاختيار الحر في أدق تفاصيل حيواتنا. ونتاج هذا التداخل الشديد فإن كل اختيار تأخذه يؤثر فيمن حولك ومن يتعرضون لك ليضعهم أمام دوائر من النقائض متعلقة بالتكذيب أو التصديق، الإحسان أو الإساءة، التحدث أو الصمت، وغيرها. ما يجعلنا نعيش في فقاعات من النقائض تبدو متزاحمة، شديدة التداخل، ودائمة التجدد في كل لحظة، تتجاوز تأثيراتها الذات إلى الآخرين، تتيح لنا عدداً لانهائياً من الاحتمالات والسيناريوهات التي نختار فيما بينها.
النقائض ضرورة للتوازن
خلقنا الله خلقاً نمتاز بهذه القدرة على الاختيار. وصمم لنا الكون الذي نعيش فيه ليوفر لنا بيئة خصبة متجددة منتجة للنقائض ومن ثم الاختيارات. ومن ثم فتوازن هذا العالم الذي نعيش فيه قائم على فكرة النقيضين. فالخير والشر موجودان، والبلاء والنعمة، والصحة والمرض، والسلم والحرب، وغيرها من النقائض اللازمة لاستمرار الكون منتجاً ومبدعاً لسلة الاختيارات التي ننتقي منها ما نشاء.
فإذا قلنا ولكن كان في مقدور الله تبارك وتعالى أن يخلق لدينا القدرة على الاختيار بدون هذه الشبكة من النقائض اللامتناهية فهو لا يعجزه شيء. نعم، الله لا يعجزه شيء، ولكن هذا لم يكن ليلغي التساؤل وإنما كان سينقله لمساحة أخرى. فقدرتنا على الاختيار الحر تقتضي القدرة على التفكير المركب الذي يشمل النقد والتفكيك والتركيب. فأياً كانت الكيفية التي سيختارها الله سيقوم العقل البشري بمحاولة تفكيكها وفهمها والتساؤل حول كنهها.
اختيار مطلق لا مقيد
ثم قد تقفز في أذهاننا فكرة ولماذا تهيمن فلسفة النقيضين على الكون؟ لماذا لا تكون الاختيارات بين مجموعة من الفضائل؟ ألم يكن الله قادر على خلق الاختيار بين طيف من الاختيارات الخيرة دون ضرورة لوجود الشر؟ في هذه الحالة فنحن نتحدث عن اختيار مشروط مقيد. ولكن الخالق أراد لنا حرية الاختيار المطلقة، فلا قيود إلا ما يحددها المرء لنفسه. فهي قيود نصممها بأنفسنا وباختيارنا إما لوازع من دين أو ضمير أو أخلاق أو مصلحة. اما الاختيار بين مجموعة من الفضائل فهو اختيار يقهرك فيه الله ويجبرك على مسار محدد لا تستطيع الخروج عنه. كمن يسألك اليوم لماذا لا تترك هذا الزحام على كوكب الأرض وتعيش في أي كوكب آخر، فتخبره أنك مقهور ومجبر على الحياة على الأرض، إذ لا سبيل للنجاة على كواكب أخرى في يومنا هذا، ولا سبيل للوصول إليها أصلاً. فحياتنا على الأرض حتى عصرنا هذا ليست اختياراً بين بدائل. بينما تفاصيل حياتنا اليومية يحيط بها ما لا نهاية له من البدائل والاختيارات والمسارات.
الخلق المثالي
فإن قفزت على هذه الفكرة وقلت ولكنني لا أريد كل هذه الاختيارات. أنا أريد عالماً هادئاً مثالياً بلا هذه النقائض فنحن هنا لا نناقش خَلْقَنَا بالبيئة التي أوجدنا الله فيها لنقوم بأدورانا؛ وإنما نسأل لماذا لم يخلقنا الله خلقاً آخر في عالم آخر لا يعرف الشر. والإجابة أن هذا الخلق وهذا العالم موجود بالفعل. فالملائكة لا تملك القدرة على العصيان إذ ان عالمها قائم على الطاعة والخير فقط. لا يعرفون نقيضاً للطاعة ولا يقدرون على التخطيط للشر. إذا أردت عالماً مثالياً وخلقاً مثالياً فتدبر في وصف الله لملائكة بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. ولا تقتصر المثالية على الملائكة؛ بل حتى عندما ينشئنا الله في الجنة بعد الموت فلا نقائض هناك. لا حر ولا برد، ولا جوع ولا تخمة؛ بل عالم مثالي كامل يُخلق فيه الإنسان خلقاً آخر. فلا حزن ولا هم ولا تعب ولا مشقة، ولا حقد ولا بغض ولا حرمان. وهو العالم الذي يعدنا الله به إن أحسنا الاختيار والموازنة بين النقائض التي نواجهها في العالم الذي نحياه اليوم.
ليس خلق العالم المثالي بمعجز لله؛ ولكنه لكمال قدرته أراد أن يخلق خلقاً آخر يملك الإرادة الحرة ويقدر على الاختيار. فإن اتبعه وأطاعه كان أشرف وأفضل من الملائكة. وإن عصاه وضل كان أقل مرتبة من الملائكة. فلبني آدم نزعة نحو السمو والارتفاع إلى مرتبة الملكية أو تجاوزها إلى مراتب أعلى. ﴿فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ﴾، فأكلهما من الشجرة لم يكن عن هوىً وإنما كان عن تدبير وتفكير لما ظن أنه الموصل للدرجات العلى. إذ رأى أن الخلود بجوار ربه هو الغاية الكبرى، وأن انتقاله من الآدمية إلى الملائكية هو أعلى وأفضل. فلما فكر في حاله ودبر لنفسه أكل من الشجرة رجاء القربى.
الخلاصة
أراد الله أن يبدع خلقاً جديداً قادراً على الاختيار. وصمم له عالماً يتيح له الحرية المطلقة للاختيار حتى وإن اختار أن يعصيه. والاختيار المطلق غير المشروط يقتضي وجود النقيضين ليختار الإنسان من طيف البدائل الواسع المتاح بينهما. فالكون مبني على النقائض ولا يتحقق التوازن إلا بها. أما العالم المثالي والخلق المثالي فهو موجود في عالم الملائكة ومن سيلحق بهم أو يتجاوزهم ممن سيحسنون الاختيار بين البدائل في عالم النقائض.

أضف تعليق