لماذا لا تتعدد الآلهة؟
يفتقد عالمنا “الإنسان الكامل” القادر على القيام بكل مهام الحياة بتخصصاتها المختلفة التي تحتاجها المجتمعات البشرية. وحتى إذا افترضنا وجوده فسيحتاج إلى ملايين المساعدين المتخصصين ليتمكن من استيعاب هذا القدر الهائل من الاحتياجات البشرية اليومية. وبالتالي فحياتنا تستمر “بالإنسان الناقص” الذي يتخصص في مجال ما في بيئة معينة يقوم فيها بدوره. ومن مجموع مليارات من هذا “الإنسان الناقص” تنجح مجتمعاتنا في إدارة نفسها وتوفير احتياجاتها.
فإذا كان هذا هو الحال، فلماذا نعتقد بوجود إله كامل لا يعتريه النقص، قادر على تدبير أمور الكون كله في لمحة بالبصر؟ أليست فكرة تعدد الآلهة بتخصصاتها المختلفة أكثر منطقية؟
خطة كونية واحدة
هذا السؤال يضعنا أمام فرضيتين. أولهما أن كل إله من هؤلاء مستقل تماماً عن الآلهة الأخرى فيما يتعلق بمجال تخصصه، أي أنه يخلق وينشئ ويدبر أمر مخلوقاته. وثانيهما أن هناك إله واحد خلق وأنشأ وغيره من الآلهة إنما يشاركونه في الإدارة.
أما الافتراض الأول المتعلق بتعدد الخالقين فيبطله كون الكون كله مبنٍ وفق خطة واحدة وخامة واحدة وفلسفة واحدة. فالبنظر للخطة التشريحية لكل الحيوانات نجدها كلها تشترك في ذات الخطة مع فارق بسيط في التفاصيل بما يقتضيه حجم الحيوان ووظيفته وطريقة حركته إن كانت زحفاً أو سيراً أو طيراناً أو سباحة. وإذا اختبرنا كل صنوف الحياة من النباتات والحيوانات بأشكالها ودرجاتها وتصنيفاتها المختلفة سنجد انها كلها بنيت على مركبات الكربون وأنها تتفحم بالإحتراق. حركة الكون كله ابتداءً من المستوى الذري وحتى كواكب المجموعة الشمسية ومليارات المجموعات النجمية المختلفة كلها تتحرك بنفس الكيفية وفي ذات الاتجاه وتخضع لنفس القوانين الفيزيائية والكيمائية. الأدلة على أن الكون كله مصمم وفق خطة واحدة يمكن تتبعها والبحث عنها والقراءة فيها، فهي أكثر من ان تحصى وأظهر من ان ندلل عليها، ويضيق المقال عن الاستطراد في سردها.
اتفاق قديم أبدي
فإن قلت بأن وحدة الخلق لا تجعل تعدد الخالقين مستحيلاً، بل لا يزال تعددهم ممكناً، إذا افترضنا وجود اتفاق قديم فيما بينهم على الخلق بهذه الطريقة وألا يشذ عن ذلك إله، وأن يلتزموا جميعاً بهذه الخطة إلى الأبد فمنطقنا البشري يقودنا إلى أن هذا الاتفاق بين الأنداد المتساويين في القدرة والإمكانات على وحدة الصنعة غير ممكن، وحتى إن تم الاتفاق قديماً فاحتمالات الشذوذ في الخلق والخروج عن الخطة قائمة وممكنة وغير مستحيلة، وهو ما يعني خلاف بين الآلهة وتناحر بينها. فإن قلت أن الخلاف لن يحدث بينهم جميعاً جملة واحدة، فإن شذ أحدهم ردوه حفظاً لمصالح المخلوقات، في هذه الحالة نكون قد دخلنا في سلسلة لا متناهية من الافتراضات والسيناريوهات المتعقلة بالاتفاق ومقدماته وأسبابه وتوابعه. ومن ثم نكون قدمنا الشك على اليقين. فما نراه يقيناً أن الكون خلق وفق خطة واحدة تدل على صانع واحد. فنقض هذا اليقين يقتضي أكثر من مجرد فرضيات لا متناهية لا يمكنها أن ترقى لدرجة اليقين. ومن ثم فالأقرب للمنطق والأسهل على الأفهام انه خالق واحد خلق وفق خطة واحدة وفلسفة واحدة.
آلهة ممكنة ناقصة خاضعة
وعلى ما سبق نعتمد الافتراض الثاني القائل بأنه ليس سوى خالق واحد، وإن كان معه آلهة فهم إنما يشاركونة في تدبير شئون الموجودات كلها. وهنا نجد أنفسنا أمام احتمالين، أحدهما أن الآلهة الأخرى قادرة على الخلق ولكنهم ارتضوا هذا الدور الأدنى وفق بنود اتفاق قديم وهو ما يعيدنا للفرضية الأولى التي طرحناها جانباً وبالتالي نطرح هذه الفرضية. والآخر أن هذه الآلهة غير قادرة على الخلق ابتداءً وهو ما يضعها في رتبة أدنى من الإله الخالق. ولكن الأهم أن افتقاد تلك الآلهة لصفة الخلق يجعل وجودها بالأساس “ممكناً” منطقياً وليس “واجباً” منطقياً. إذ أن وجود الموجودات والمخلوقات ليس مستحيلاً في حال عدم وجود هذه الآلهة. فأصبحت درجتها على مسطرة اليقين المنطقي “ممكنة” وليس “واجبة”. بينما وجود الإله الخالق “واجب” لأن غيابه يعني غياب جميع الموجودات.
ومما يضعف الترجيح العقلي لاحتمال وجود هذه الآلهة عدم إدعاء أحدها مشاركتها الخالق الواحد في تدبير الكون، بينما أرسل الله رسلاً وأنزل كتباً يؤكد فيها في أكثر من موقع أنه هو وحده من يدبر الأمر ويرعي مخلوقاته. فلماذا هذا الصمت المطبق من قبل هذه الآلهة؟ لماذا لم ترسل رسلاً وتنزل كتباً تخبر الناس بما تقدمه لهم من خير وتأمرهم أن يتقربوا إليها لينالوا رضاها فتصب عليهم الخير صباً؟
نحن أمام آلهة ناقصة لعدم قدرتها على الخلق، ممكنة الوجود، صامتة لا أثر لها، لا اتفاق بينها وبين الإله الكامل واجب الوجود لأن الاتفاق بين الأطراف يقتضي الندية ابتداءً لتتوفر القدرة على المؤاخذة في حالة التقاعس عن تنفيذ الأوامر أو على المكافأة في حالة التميز في الأداء، وهو ما يتوفر لطرف واحد – الإله الخالق الكامل واجب الوجود – ولا يتوفر للطرف الثاني الأقل قدرةً ومكاناً. فما الذي يجعل الله يعقد اتفاقاً ملزماً له مع آلهة يشركها المخلوقات معه في العبادة والثناء والدعاء. العلاقة الوحيدة الممكنة بين الطرفين هي علاقة الانصياع والخضوع وتنفيذ الأوامر. وهو ما يضع هذه الآلهة في مصاف الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. فليس ثمة آلهة أخرى وإنما ملائكة يأمرهم الله بما يشاء، وجودهم واجب بالبرهان الديني لذكرهم بأدوارهم وبعض أسمائهم صراحة في القرآن، ووجودهم ممكن بالبرهان العقلي لوجودهم وراء نطاق إدراكات الحس.

الخلاصة
مظاهرالكون تدلنا على أنه ليس هناك سوى خالق واحد لم يشاركه أحد في إبداع الموجودات. وإن كان ثمة آلهة أخرى فهي ناقصة لعدم قدرتها على الخلق ووجودها لا يرقى فوق درجة “ممكن الوجود”. ولا يمكن القول باتفاق قديم ملزم لجميع الأطراف لغياب الندية بين الأطراف. العلاقة الوحيدة الممكنة هي علاقة الخضوع والانصياع التي هي للملائكة. ومن ثم لا خالق إلا الله ولا مدبر للكون إلا هو. ومن عنده ملائكة لا يعصونه فيما أمرهم ولا يستكبرون.

أضف تعليق