لماذا يتدخل الله؟
يسأل سائل: لماذا يتدخل الله في تفاصيل الحياة؟ أليست هذه من توافه الأمور التي لا تليق في حق الإله؟ هل يمكن أن يكون الخالق خلق الكون ثم ترك مكوناته تتفاعل فيما بينها وفقاً لقوانين الكون الصارمة؟ هل من المعقول ان الخالق يتدخل لتحقيق احتياجاتي الشخصية التي هي أقل شأنا وقدراً من أن يوليها اهتمامه؟
معضلة قياس التمثيل
من الطبيعي أن نحتكم في أحكامنا وتساؤلاتنا إلى منطقنا البشري، ولكن هذا المنطق يقودنا عند التفكير في أفعال الله إلى مغالطة قياس التمثيل. وهي تعني قياس ما لا نعلم بمثال مما نعلم. فإذا واجهتنا معضلة فكرية أو منطقية نبحث في عقولنا عن أقرب مثال يمكن قياس ومقارنة الحالة به.
في سؤالنا هذا تواجهنا إشكالية أننا نبحث في أفعال الخالق الذي هو محتجب عن حِسِّنَا وعقلنا. فلا سبيل لندرك ذاته ولا لنحيط بعلمه، ومن ثم يستحيل علينا إدراك حكمة فعله ما لم يخبرنا هو بذلك. فعندما نريد البحث في حكمته التي أخفاها عنا أو غابت عنا فإننا نقيس أفعال الله وأحكامه وأوامره وحكمته بما اعتدنا نحن البشر أن نفعله أو نراه في عاملنا. بما كان يمكننا أن نقوم به إذا أجاز لنا الملك أن نصدرنحن الأمر بدلاً منه . فنقيس طريقة خلق الله للكون بطريقتنا في خلق الأشياء ولا نتصور الخلق من العدم، أو طريقته تبارك وتعالى في تدبير الأمور الكون بطريقتنا في إجارة بيوتنا ومؤسساتنا.
تفكيك المعضلة
وبالرغم من الخلل المنطقي في السؤال كونه يقوم في بنيانه على مغالطة قياس التمثيل إلا أنه سؤال منضبط من جهة الشعور والإحساس وليس من جهة المنطق. وابتداءً سنستخدم نفس منطق السؤال في الإجابة عليه. ولنأخذ مثال ذلك الشخص الفيلسوف المفكر الغني العبقري، الذي يملك ويدير أحد أكبر المؤسسات العالمية في مجال صناعة السيارات، هل كان ليغض الطرف عن أدق التفاصيل فيما يتعلق بما خلقت الشركة من سيارات. إذ ليس من المنطقي أن يرمي بسياراته في السوق يتفاعل معها المستخدمون أنى شاؤوا بدون أن يلم بتفاصيل السيارات الجديدة وأنواعها ومميزاتها ومكامن قوتها وضعفها، وما تتميز به عما تخلقه الشركات المنافسة، وما تحتاجه من خدمات الصيانة وتحديث أنظمتها الملاحية والإلكترونية وأنظمة الأمان وتوفر قطع الغيار لضمان أن ما صنعه يعمل على أكمل وجه. فلماذا نفترض أن الإله الخالق الذي لم يشرك معه أحد في الخلق يترك ما خلق فلا يتعهده بالرعاية والحفظ خلافاً للمنطق الغالب أن من يصنع أو يخلق شيئاً مهماً يحفظه ويهتم به؟
احتمالية الترك
ولننحي الآن هذه المغالطة المنطقية جانباً ونستند للمنطق الرياضي. إن الترك يعني أن الكون يدير أمره بنفسه. وحركة الكون يحكمها مجموعة من القوانين الصارمة غير العاقلة، التي لا إرادة لها، فهي قوة عمياء لا تزال غير قادرة على تفسير الحركة الفوضوية في الكون التي منها مساقط المياه وتشكل الغيوم وحركاتها، وانفجار البراكين، وتشكل السواحل والجبال، وتقلب المناخ والدوامات النهرية، وتوزع الإلكترونات الحرة في المواد الصلبة، وانتشار حريق أو وباء، وكل ما يتعلق بالظاهرات الاجتماعية والاقتصادية والعلاقات البشرية. هذا الخليط من القوة العمياء وما يصاحبها من الظاهرة الفوضوية لا يستحيل رياضياً – ولكن يستحيل بالترجيح العقلي – أن يسيرا الكون من أكبر نجم إلى أصغر وحدة مروراً بحاجاتنا الشخصية التي نود إشباعها.
وفقاً لقانون الاحتمال الرياضي إذا قلنا للسائل أن هناك سلة بها كرة، وادعى أحدهم ان رجلاً اخذ الكرة وصوبها إلى زاوية المرمى “قاصداً” ولم يستطع الحارس صدها وادعى الآخر أن طفلاً كفيفاً هو الذي أصاب المرمى “مصادفةً”. فأيهما نرجح؟ عادةً يميل العقل لتصديق القصة الأولى ولكن تبقى المصادفة ممكنة. ولكن إذا تم وضع عشر كرات مرقمة من رقم واحد إلى رقم عشرة ومبعثرة داخل الصندوق. وفي كل مرة تدخل الكرات بترتيبها الرقمي الصحيح في المرمى ولا يستطيع الحارس صدها. فأيهما يترجح “القصد” أم “المصادفة”؟ العقل يقول أن “القصد” يرجح على “المصادفة” حتى تكاد فكرة المصادفة أن تتلاشى لان إصابة الهدف بهذا التتابع وهذا التعاقب يجعل “المصادفة” بعيدة جداً وإن لم تكن مستحيلة رياضياً. فرياضياً حظ “المصادفة” في هذه الحالة واحد ضد عشرة مليارات. فمن كل عشرة مليارات محاولة لسحب الكرات العشر على ترتيبها ثم إصابة الهدف عشر مرات عن طريق المصادفة يمكن أن ينجح الطفل مرة واحدة فقط. وهو احتمال ضعيف جداً يكاد يلاشي فكرة المصادفة.
هذا في الأعداد القليلة. فإذا نظرنا إلى كل ما في الكون من ذرات وعناصر ونظم وقوانين وروابط وعلاقات وأحجام وكتل وأوزان وأوقات وازمان وأشكال وألوان وحركات وسكنات وأجناس وانواع واصناف والتي هي أكثر من ان تحصى، ثم افترضنا أن هذه العناصر جميعها تنظم نفسها بنفسها يومياً عن غير قصد لتنتج لنا هذا اليوم الذي نستمتع به تتلاشى فكرة الصدفة، لأننا امام معادلة رياضية نعجز ابتداءً ان نحصي مكوناتها، وإذا أحصيناها سيكون حظ المصادفة واحد ضد رقم هائل لا ينتهي من التريليونات. ما يلاشي فكرة المصادفة او الترك بالترجيح العقلي إذ يرحج العقل استحالتها وإن لم تستحل رياضياً.
الوعي بالتافه والمهم
أما القول بان أمور الحياة تافهة في قدر الله ولا تجوز في حق الألوهية، فوفقاً لنظرية تأثير الفراشة التي ابتكرها عالم الرياضيات والأرصاد الجوية إدوارد نورتون لورنتز عام 1963 فإن أبسط التغيرات قد تولد سلسلة متتابعة من النتائج والتطورات المتتالية التي يفوق حجمها النهائي حدث البداية، وهو ما عبر عنه مفسرو النظرية بشكل مجازي أن رفرفة جناح فراشة في الصين قد يتسبب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في العالم. ولا يقصدون بذلك أن الفراشة تقوم بتوليد الطاقة أو إنشاء الإعصار مباشرة، ولكن رفرفة أجنحتها جزء من الظروف البدئية – نسبة إلى البدء – بحيث تسهم مع مجموعة أخرى من الظروف في إحداث إعصار. فهي تمثل تغيرًا طفيفًا في الحالة الأولية للنظام يؤدي إلى تغيير شامل في الأحداث. لذلك يقول يوهان جوتليب فيتشه في كتابه (The Vocation Of Man): “لا يمكنك إزالة حبة رمل واحدة من مكانها دون تغيير شيء ما عبر جميع أجزاء الكل اللامحدود”. ومن ثم لم يعد المجتمع العلمي يقسم الأحداث لتافهة ولأخرى أعلى شأناً وأجدر بالاهتمام. بل ينبغي دائماً الاهتمام بجميع المتغيرات اهتماماً متساوياً ما لم يتم استبعاد تأثيرات أحدها بالتجربة محل الدراسة. فطائر لا قيمة له مصاب بفيروس في أقاصي الصين يتسبب في جائحة تجتاح العالم وتسقط اقتصادياته وتعيد تشكيل أفكاره. فقد ينهي الله حياة طائر حفظاً للبشرية، ويترك أخرى لتستفز قدرات البشر لتنتقل إلى مرحلة جديدة.
الخلاصة
الله الخالق تبارك وتعالى خلق الكون، وبما يتفق والمنطق البشري ما كان له إلا أن يرتب كل شيء لضمان استمرار ما خلق على أفضل وجه. ولو لم يرتب لما كان هو الخالق. ووفقاً لمنطق الاحتمالات الرياضي يستحيل قلبياً أن يكون الكون مداراً بالصدفة. فنحن أمام خالق يتوخى الخير فيرتب أدق التفاصيل بقصد وحكمة كونه عالماً بدقائق ما خلق. والعلم يخبرنا بأن أتفه المقدمات في تقديرنا قد تؤدي إلى أخطر النتائج، وأخطر المقدمات قد تنتهي إلى لا شيء. فلكون الله يعلم، فلا مقدمة لديه تافهة ولا أخرى لديه خطيرة. بل كلها أحداث يخلقها لحكمة قد يبديها لنا وقد يخفيها عنا، ولا نملك إلا إعمال النظر ساعيين وراء كمال الإدراك.

أضف تعليق