المقربون هم صفوة أهل الآخرة، الذين سابقوا في الدنيا إلى كل خير، وسارعوا إلى كل عمل صالح، فنالوا بذلك فضل الله العظيم، وقربهم إليه زلفى، وسبقوا الخلائق في الآخرة. فهم السابقون السابقون. السابقون في العاجلة دار البلاء والمتاع، والسابقون في الآخرة دار النعيم والقرار.
وسنتجول معاً في الصفحات التالية مع المقربين في سوقهم، ذلك السوق الذي اشتروا منه بضاعتهم وزادهم ليعينهم في طريقهم إلى القربى. وهي سوق عريقة متاجره، دقيقة ومتقنة بضاعته، غالية وثمينة سلعه، سهل شراؤها، عظيم وثقيل حملها، كالأطواد الشوامخ تُجَّارُهَا، كثير روادها، قليل منهم من يشتري، وعزيز منهم من يقدر على حمل ما اشتراه والسير به إلى نهاية طريقه.
ومتاجر هذه السوق عريق بنيانها، قوي أساسها، مشهورة ومعروفة أسماؤها وعلاماتها. فهناك متجر عبد القادر الجيلاني، ويقابله متجر أبي حامد الغزالي، ثم متجر أبي طالب المكي، وبجواره متجر الحارث المحاسبي، ثم متجر ابن قيم الجوزية، والهروي، والنفري، وابن عطاء، والقشيري، وغيرها الكثير من المتاجر ذات البضاعة النفيسة. ثم هناك متجر صحيح السنة وما يشمله من صحيح أحاديث رسول الله ﷺ وأقوال صحابته الكرام رضوان الله عليهم جميعاً، وهو متجر كبير يفوق باقي المتاجر حجماً وجمالاً وبهاءً. وهناك أكبر متاجر هذا السوق وأعلاها ارتفاعاً وأفخمها بنياناً، يراه أهل السوق جميعهم أينما كانوا، وهو متجر القرآن الكريم، لا يفرغ من الرواد، وليس لبضاعته انتهاء.
ثم غلبني حالي، وألحت علي نفسي، وتبعها هواي وقلبي، أن أفتتح لي خاناً صغيراً، وزاويةً متواضعةً في زقاق خلفي في هذه السوق المبارك أهلها وروادها وتجارها وكل من مر بها، لعلي أنال من بركاتها، فجوار الأولياء والصالحين كله نور وخير وبركة. فألصقت نفسي بهم رجاء أن تصيبني رحمات الله ووده اللذين يصبهما على أوليائه صباً.
وخاني هذا قليلً بضاعته، عظيم أثرها على نفسي. إذ أن ما أعرضه فيه هو درري الثمينة، وأحجاري الكريمة، التي صقلتها شعلة قلبي، وأذابها موقد نفسي. فلعلها تصادف قلباً نائماً فتوقظه، أو قلباً تائهاً محتاراً فتدله على الطريق، أو قلباً منتبهاً فتشعل فتيله لينطلق طاوياً الأحوال والمقامات والدرجات. وهذه الدرر الثمينة نتاج أحوال تأثرت فيها برفاقي في الطريق، وبمن سبقنا على الطريق، وبمن انتهى به الطريق.
وأعرض في هذا الخان عصارة قلبي، وجوهر أدوائه ودوائه وترياقه. وهي أدوية عميق أثرها، شديد فعلها في النفس، ماضٍ سيفها في القلب. ولشدتها لا تؤخذ جملةً واحدةً؛ وإنما رشفات لينات مفرقات يرشفهن القلب على مكث وتؤدة. فما أعرضه في الخان رشفات، وكل رشفة تشمل كلمات وجيزات تعبر عن حالٍ ومشاعرَ، حيرةٍ وهدايةٍ، اضطرابٍ واطمئنان، سقوطٍ وارتقاء. وهي ليست حالات متعاقبة؛ بل متداخلة متشابكة، فاهتدائي غارق في حيرتي، واطمئناني منطلق بمركبة اضطرابي. كما تشمل حديثي وكلامي عن ربي، وبثي إليه، مصاغة بأسلوب مخاطبة القارئ. ولأنها أحوال ومشاعر ففهمها وتلقيها يختلف من قارئ لآخر بحسب ما وصل إليه من حال وشعور. فقد تفتح لواحد باباً، وقد تصل بآخر إلى حالٍ لم يصله من قبل، وقد تعطي لثالثٍ معنىً وفهماً لحيرة تمزقه، وقد يراها رابعاً موعظةً ونصحاً، وقد يراها خامساً أدباً وسجعاً. لذلك اخترت ألا أشرح وأفند ما فيها، لكيلا أضيق لأحدهم واسعاً، ولا أُوَسِّعَ لأحدهم ما ضاق استعداد قلبه عنه.
وقد قسمت الخان على ثمانية عشر ركناً. ولهذا التقسيم ثلاث منطلقات. أولها أن صفات المقربين خمس أساسية منها تتفرع أي صفات وشمائل أخرى. فالمقربون هم من تخلقوا بالأخلاق الحسنة، وراعوا الآداب الرفيعة، وتعلقت قلوبهم بحب الله وحب رسوله محمد ﷺ، ودلهم ربنا عليه فأكرمهم بمعرفته، ثم ألبسهم تاج توحيده ليكونوا ملوك الدنيا، فيقومون بأمره فيما أقامهم فيه من أمور خلقه فيها. ثم هم أصفياءه في الآخرة، الذين أدناهم منه، وقربهم إليه، مع من قرب إليه من سائر من اصطفى ممن خلق. وثانيها أن لطريق المقربين خمس جسور كبرى، كل جسر يقطع بالمسافر هوة سحيقة ما كان له أن يجتازها إلا بعبور هذا الجسر. فمن اجتازها وعبرها وصل بفضل الله، ومن حاول الالتفاف حولها تعطل وتأخر، ومن لم يرها تاه وضل إلا أن يتغمده الله برحمته وفضله، فيرده إلى طريقه بلطفه ورأفته. هذه الجسور هي الاستماع، وخدمة الخلق، والزهد، والرحمة، ثم الكرامة الكبرى وهي الاستقامة. أما ثالثها فهو زاد المسافرين على طريق القربى وهو الفرائض، والذكر، والخلوات، وقلة الكلام، وقلة الأكل، والصحبة، والتعلم.

فأركان الخان الثمانية عشر تتضمن داخلها كل ما ورد في هذه المنطلقات الثلاث. وترتيب هذه الأركان على النحو التالي:
- ركن التوحيد: وفيه الحديث عن توحيد الله وما يحققه في القلب وما يعطله.
- ركن المعرفة: وفيه الحديث عن معرفة الله وإزالة الحجب.
- ركن المحبة: وفيه الحديث عن حب الله والقرب والبعد ومحبة مخلوقاته.
- ركن الأدب: وفيه الحديث عن الأدب مع الله وآداب الأوقات والمخلوقات.
- ركن السلوك: وفيه الحديث عن الأخلاق والمعاملات مع جميع المخلوقات.
- ركن الطريق: وفيه الحديث عن وصف الطريق.
- ركن الاستقامة: وفيه الحديث عن استقامة القلب والجوارح.
- ركن الرحمة: وفيه الحديث عن آثار رحمة الله.
- ركن الزهد: وفيه الحديث عن الدنيا والموت، والشهوات وطغيانها وتوازنها.
- ركن الخدمة: وفيه الحديث عن خدمة الخلق ودرجاتها.
- ركن الاستماع: وفيه الحديث عن مبدأ الأمر ومنتهاه، وهو استماع القلب.
- ركن العبادات: وفيه الحديث عن الفرائض والطاعات.
- ركن الذكر والخلوات: وفيه الحديث عن أسرارهما وما يعين عليهما.
- ركن العلوم والواردات: وفيه الحديث عن الكشف والإلهام وما يأتيك من الله.
- ركن الصحبة: وفيه الحديث عن صحبة الطريق وأثرها وصفاتها.
- ركن الملائكة: وفيه الحديث عمن يذكرون الله ويطيعونه ولا يفترون.
- ركن الأنبياء: وفيه الحديث عن المصطفين الأخيار وحديث خاص عن رسول الله ﷺ.
- ركن “الله”: وهو ركن الأنوار.
وفي كل ركنٍ وضعت ما في جعبتي من تراقيَ وأكاسير على من سيرمي به الفضول إلى عتبات زاويتي. وحلاوة التراقي وأثرها ذوقي ثم عقلي. مشاعر وأحاسيس تخالط القلب، فليس ثَمَّةَ معرفة ومعلومات يحللها العقل. فمن أقبل شارياً أو متفرجاً فليخلع عقله على عتبات الخان، لا تعطيلاً لأدوات العقل وإنما تقديماً لأدوات القلب. فمن حاول تذوق الطعام الشهي بعقله لم يظفر بلذةٍ ولا بزيادة علمٍ. ومن أقبل على الدرس والعلم بقلبه فقط خسر العلم وكفر بالذوق. فلوحة المقربين خامتها وأصلها التزام بالشرع وعمل في عالم المادة والشهادة – وهذا عمل العقل – وقصتها وألوانها وتفاصيلها ودقتها والمشاعر التي تنقلها عمل ذوقي، وهذا عمل القلب.
ولأنها رشفات متفرقات لأحوالٍ ومعانٍ مقتحماتٍ تحيل ركود القلب والنفس إلى عواصف هادرة، فلا ينصح بقراءتها دفعة واحدة، بل برويةٍ وتأنٍ ليأخذ القلب وقته في تذوقها. وليس بالضرورة أن تقرأ بالترتيب، بل بحسب حال القارئ واحتياجه. وقد يشعر القارئ أن الرشفات عابرة للأركان والأقسام الموضوعة، وهو شعور صادق، وذلك لعجز الكلمات عن الإحاطة بالمعاني، ولتداخل الأحوال والمشاعر، فقد تعبر الرشفة عن أكثر من حال، وتفضيل عرضها في ركن محدد لغلبة ذلك على حالي وقلبي ومشاعري. ورجائي أن يجد كل عابرٍ بهذه الأوراق في أي كلمةٍ أو حرفٍ منها ما يتزود به في طريقه. ومقابل ما يشتري شفاعته لي يوم القيامة، فيشفع لي عند ربه، ويستنقذني من زحام الحساب وهوله، ويدخلني معه في وفد المقربين.

أضف تعليق