بعد أن يتجاوز الزائر لمدينة الغيب المعالم الأولى التي يجدها على الطريق، بداية من الهواتف الخلوية الثلاثة، إلى الشيخ بدر، ثم المُعلم شمس؛ إذا بالطريق ينعطف يميناً، ليجد الزائر لافتة ضخمة لموقع http://www.photoandhealing.org ، ذلك الموقع الذي يدخله الملايين يومياً من كل أنحاء العالم، ويعمل بخمس لغات. ويجد الزائر لوحة إلكترونية عليها عدد زوار الموقع الذي يزداد كل ثانية، كما يجد أهم الإحصاءات على الموقع، تلك الإحصاءات التي شكلت منعطفاً مهماً في الطريق نحو المعركة ضد الشيطان، ثم تأسيس مدينة الغيب لاحقاً.
فبعد أن أرسل جاك رسالته بالتعافي؛ اقتنع صخر وجَسور بوجود علاج ما يتم عن بعد، للتشافي من بعض أشكال المعاناة التي يعيشها الناس، وأن الموضوع لا علاقة له بإيهام الأشخاص، فقد نجحت التجربة مع شخص لا يعرف أي شيء عن الموضوع، والعجيب أنهم لم يعثروا بأنفسهم على الحالة التي سيُجرون عليها التجربة، لكن الحالة هي التي جاءتهم بنفسها، ليتأكدوا أن هناك عالماً آخر غير هذا العالم المرئي، فالطريق الذي تبحث عنه يبحث عنك، وعوالم الغيب تعمل بصورة مختلفة عما تعودنا عليه في عالم الشهادة.
قال سهيل: الآن هل تأكدتم من أن العلاج عن بعد يعمل بشكل حقيقي؟
صخر: نعم، الآن تأكدت، لكن..
سهيل مقاطعاً: أما زال هناك لكن؟! كنت أتعجب كيف يكفر أناس برغم المعجزات التي رأوها على يد أنبيائهم، ثم زالت الحيرة حين رأيتك يا صخر.
ضحك جَسور ثم قال: ما زال هناك اختبار أخير.
فرح صخر وقال: نعم، بالضبط، لا بد من اختبار أخير.
وهو قطعاً لا يدري ما هو الاختبار، لكنه لا يريد أن يستسلم بهذه السهولة.
سهيل: أي اختبار؟!
جَسور: نريد أن نختبر هذه الفكرة على نطاق واسع، في النهاية نحن تعرضنا فقط لحالتيْن، لن ننكر النتائج التي لمسناها، لكنها ليست كافية لإثبات ظاهرة الأذى الشيطاني والتعافي منه.
صخر متحمساً: بالضبط، ليست كافية.
سهيل: وما الحل؟ سنحتاج سنوات إذا كنا نريد التعرض لحالات أخرى، نحتاج على الأقل مائة حالة.
جَسور: وماذا إن كانت بضعة أشهر وأكثر من مائة حالة؟
سهيل: كيف؟
جَسور منتشياً وهو يستعرض عبقريته التكنولوجية: سأنشيء لكم موقعاً على الإنترنت، هذا الموقع سيتيح لأي شخص إمكانية أن يرسل لنا صورته، ويسجل شكواه، ثم سيكشف عليه المُعلم شمس ويعالجه، ثم يسجل صاحب الشكوى إن كانت شكواه زالت أم لا.
صخر: فكرة عبقرية، لكن هل سيقبل المُعلم شمس؟
جَسور: هذا اختبار آخر له، لماذا يرفض؟! إلا إن أبدى أسباباً منطقية.
صخر: لنطرق الحديد وهو ساخن، ليتصل الآن سهيل بالمُعلم شمس ويخبره بالفكرة، وينظر كيف سيكون رده.
سهيل: اتفقنا، سأتصل به الآن وأخبركم بالرد فوراً.
***
مرت نصف ساعة، ثم جاءت مكالمة الفيديو الجماعية من سهيل,
سأل جَسور بلهفة: أخبرنا، ماذا حدث؟ هل وافق؟
سهيل في سعادة: نعم وافق بحماس شديد، بل وأعطانا أكثر مما أردنا.
صخر: ماذا؟
سهيل: سيجعلنا مساعدين له في الموقع للتدريب، واقترحَ أن تكون هناك مساحة تفاعلية مع كل حالة، لتسأل ويجيبها هو، وبذلك سنرى بأنفسنا حوارات الحالات معه، كما سيعلمنا كيف نرد على الحالات لاحقاً ونوفر عليه هذا المجهود، بالإضافة إلى ذلك سنساعده في علاج بعض الحالات السهلة.
جَسور: عظيم جداً، وسأهتم أن يعكس الموقع الكثير من الإحصاءات التي نحتاجها للتثبت من حجم الظاهرة وفعالية العلاج.
صخر متحمساً: كم سيستغرق عمل ها الموقع؟
جَسور: خلال أسبوعين يمكن أن يتوفر الموقع بالوظائف الأساسية فقط، مثل رفع الصورة وتسجيل الشكوى، وبالتدريج سأطور الموقع.
سهيل: ما رأيكم هل سنقوم بعمل دعاية له؟
صخر: لا أقترح عمل دعاية، نريد حالات حقيقية وليست وهمية تهدر وقتنا، رأيي نبدأ بالأصحاب والأقارب، ونجعل هذه الدائرة الموثوقة تتسع شيئاً فشيئاً.
جَسور: هذه فكرة جيدة ومناسبة للشكل البدائي للموقع في نسخته التجريبية.
***
بدأ جَسور في عمل الموقع، أما سهيل فأخذ يٌحدث بعض الأصدقاء والمعارف عن الموقع المرتقب، أما صخر فجمع بعض الكتب التي تتحدث عن عالم الجان، كان يقرأ ويلخص، ويسجل الملاحظات التي يود مناقشة المُعلم شمس بشأنها، وذات يوم أثناء القراءة انفجرت لمبة الغرفة التي يجلس فيها، ذهب إلى المطبخ ليحضر شمعة فانفجرت لمبة المطبخ، قال في نفسه: هل هذا بسبب قراءتي عن الجن؟! ثم قال: لا أظن.. مجرد صدفة، خلل كهربائي عادي.
مر أسبوعان، وأصبح الموقع جاهزاً لاستقبال الحالات، بدأ الموقع بعشر حالات، وكانت الشكاوى متنوعة، عدم رغبة في العمل، الحرص على البقاء في الأماكن القذرة، الحياة الزوجية لا تطاق بعد ود طويل، اختناقات، أثار ضرب على الجسد، أصوات غريبة تتحدث، أقزام أو عمالقة يظهرون، حيوانات غريبة تسير في البيت، عشرات الأنواع من الشكاوى التي لم تكن تخطر ببال الثلاثي.
أخذ جَسور يطور النظام بحيث يعكس الطبقات الاجتماعية والديانة والبلد ومستوى التعليم وغيرها من الأمور التي توضح طبيعة أصحاب الشكوى.
ومن طرف المُعلم شمس كان التشخيص متنوعاً، ما بين سحر ومس وتلبس، وما بين ضرورة الذهاب إلى طبيب نفسي، لم يكن يُشخص بناء على شكاوى المصاب، بل بناء على ما يراه هو في الصورة، وقد كان متعاوناً إلى أقصى حد، فأعطى الثلاثي الفرصة ليختبروا الفكرة كيفما شاءوا، فطلب من جَسور ألا يجعل الشكوى تظهر له على الموقع، حتى لا يتأثر وهو يكشف على المصاب من خلال صورته، وأوضح أن معرفة الشكوى لا تفيده، وإنما تفيد من يبحث ليتأكد من هذا الأسلوب في التشخيص والعلاج.
تزايد عدد الحالات يوماً بعد يوم، عشرات، ثم مئات، ما هذا؟! كل هذا العدد من الدوائر المقربة كان يعاني ولا يعرف أحد؟! وكأنهم اجتمعوا على كتمان سر لا يستطيعون البوح به لأحد، فأصبح الموقع هو ملاذهم الوحيد، أخيراً وجدوا من يستمع إليهم، بل ويحاورهم بنفس اللغة.
تطور الموقع مع زيادة عدد الحالات، واقترح المُعلم شمس أن يكون هناك ركن خاص بالموهوبين، فبعض الحالات كانت تعاني من شكاوى من نوع خاص، ولم تكن هذه الشكاوى سوى قدرات استثنائية لكنها تظنها مرضاً، مثل رؤية وسماع الجن، وتعهد المُعلم شمس هذه الحالات، لأنه كان يعتبرهم المعالجين المرتقبين، الذين سيتصدون معه لرفع الأذى عن الناس، كانت نظريته تقول، الأكثر إصابة وحساسية تجاه هذه العوالم الخفية؛ هو الأكثر استعداداً للتطور السريع والتعامل مع هذه العوالم، ولذلك خلقهم!!
كشف هذا الموقع الغطاء عن المجتمع في شريحة نخبوية منه، فحتى من يقومون بالأسحار تجدهم في علية القوم، ومن الطبقة المتعلمة والغنية، ليسوا أولئك البسطاء أو الجهال فقط، لقد استحوذ الشيطان على الكثيرين كما توعد، الفرق أن البسطاء قليلي التعليم صادقون يعترفون بأنهم يؤمنون بهذه الأمور، أما الطبقة الراقية فتنكرها علناً وتمارسها سراً، يتظاهرون أمام بعضهم البعض بالبراءة، بل ينكرون هذه الأمور ويصفونها بالخرافة، بينما كثيرون منهم غارقون فيها، يستخدمونها أملاً في جلب مصلحة أو درء مفسدة.
كشف الموقع نموذجاً لم يدر ببال الثلاثي لحجم الإفساد في الأرض، وحقيقة تواصل الشياطين مع البشر، فهناك حالة كان الُمعلم يحذرها بوضوح شديد، الشيطان يكذب عليك، لن يعطيك شيئاً، كان المذهل للثلاثي أن الحالة لا تنكر ذلك، وتقول لكنه يعطيني أموراً كثيرة أريدها، لقد وعدني أن يخبرني عن مكان ابني الذي فقدته قبل يومين.
كان الثلاثي يراقب عن كثب مثل هذه الحالات، وكان الجدل الدائم بينهم وبين المعلم أن هذا قد يكون نوع من الأمراض النفسية، فما المانع أن يتخيل شخص أن الشيطان يحاوره؟! أخبرهم المُعلم احتمال أن يتوهم شخص كل ذلك، ولكن ما قيمة الكشف إذن الذي نقوم به؟ أليس غرضه التمييز بين الوهم والحقيقة؟
بعد ثلاثة أيام طلب منهم المُعلم أن يتابعوا ما وصلت إليه هذه الحالة، كتبت الحالة على الموقع، لقد صدق الشيطان وعده، أخبرني عن مكان ابني الذي فقدته قبل يومين، وبالفعل ذهبتُ ووجدتُه في المكان!!
كان الموقع بمثابة مدرسة مركزة للثلاثي، وكانوا كل يوم يزدادون يقيناً أن الكثير من البشر يعيشون معاناة لم يكن يدور ببالهم أبداً أنها موجودة، أو أن للشياطين دور أساسي بها.
بدأت لغة الأرقام في الموقع تقول كلمتها، وصل العدد إلى ألف حالة خلال ستة أشهر، فقط عبر دوائر المعارف التي تتسع يوماً يعد يوم، كانت نسبة من سجلوا التشافي الكامل من الشكاوى تزيد عن 65%، وهناك 10% من الحالات تنفي التحسن على الإطلاق، والبقية لم تتواصل.
كشفت هذه الحالات خطورة إحالة كل أذى روحاني إلى الطب النفسي، وخطورة إحالة كل خلل نفسي إلى الأذى الروحاني، لا مفر من العلم بالمجاليْن، النفسي والروحاني، وإلا سيتم علاج الناس بناء على تشخيص خاطيء أو ناقص.
كما عكست هذه العينة الأولية اضطراب الوعي بموضوع الأذى الشيطاني، ما بين مبالغ في تأثيره على حياته، أو من ينفيه تماماً، فهناك من يؤمن بوجود الأذى الشيطاني، لكنه يحيل إليه كل أذى يصيبه، ليريح نفسه من تحمل أي مسؤولية عن أخطاء حياته، هؤلاء بحاجة إلى أن يعرفوا حدود الأذى الشيطاني، وأن يتحرروا من وهم أنهم تحت السيطرة الكاملة.
وعلى النقيض هناك شريحة نخبوية متعلمة وحاصلة على أعلى الدرجات العلمية في تخصصاتها، لكنها جاهلة تماماً، بل ولديها جهل مركب، فهي لا تعترف بأنها جاهلة بهذا المجال، إنها لا تكتفي بقول لا علم لنا، ولكنها تنفي أي تأثير لهذه العوالم الخفية على حياتنا، ثم تتهم غيرها بالجهل لأنه يتحدث عن أشياء لا علم لها بها.
لكن هذه الشريحة إن وعت أمكنها أن تُحدث فارقاً كبيراً في المعركة، فهي شريحة أهل العلم، وقد نجح الشيطان في عزل هذه الشريحة عن المعركة، ونجح أن يكون آخر المشتبه فيه بالنسبة لهم فيما يمس البشر من أذى، واتخذ من هذه الشريحة المتعلمة والبارعة في مجالاتها درعاً، فهذا هو جيشه الذي سيُخَذل عنه، ويمحو تحت ستار العلم آثار الجريمة، لم يجد الشيطان أفضل من الاستحواذ على هذه الشريحة، ولكن بطريقة ناعمة، فهو لا يتشبك معهم بشكل مباشر، وإلا لفت انتباههم، بل خطته تقوم على دورهم المتفاني في نفي وجوده لمجرد جهلهم بالأمر، أو لاصطدام الأمر بقناعاتهم التي نشأوا عليها، أو لتجربة سيئة مع مشعوذ سمعوا عنها أو مروا بها.
كان الثلاثي من هذه الشريحة، وقد أخذوا على عاتقهم استنهاض تلك الشريحة، بل ودفعها دفعاً لاستيعاب هذه المعركة وحقيقة وجودها، فمن لم يقتنع بالقول؛ أدخلوه المعمل ليلمس بنفسه آثار التجارب كما حدث معهم، سيُظهرون لتلك الشريحة كم كانوا جهالاً حينما كانوا ينكرون حقائق لمجرد عمى أعينهم وصمم آذانهم، سيزلزلون قناعاتهم السخيفة، ولكن باللغة التي يفهمونها، سينتزعون طمأنينتهم الفكرية بتعريضهم مراراً وتكرراً لما كانوا يفرون من سماعه، سيرون الآيات في الآفاق حتى يتبين لهم أنه الحق.
كشف الموقع للثلاثي خارطة الطريق، فهناك الموهوبون الذين ستتم رعايتهم وإعدادهم، وهناك الشريحة المتعلمة الجاهلة، وهذه تحتاج إلى معجزة تظل أعناقهم لها خاضعة، فكر الثلاثي ثم قرروا.. سيصنعون المعجزة.
انتهى الجزء الأول من مدينة الغيب.. يليه قريباً الجزء الثاني إن شاء الله
وائل عادل

أضف تعليق