غاب سهيل ما يقرب من شهر عن رفيقيْه جَسور وصخر، في هذا الشهر حدث تحول كبير في حياته، وهو ما لمسه رفيقيْه في أول مكالمة فيديو معه.
جَسور: كيف الأحوال؟ لقد تركناك شهراً، بالتأكيد عندك الكثير لتخبرنا به.
سهيل مبتسماً: هذا أعظم شهر مر في حياتي.
صخر: هل الموضوع يستحق؟ أم أنه مجرد مبالغات حول الشياطين والإنس وعلاقتهم؟
سهيل: هذا الموضوع سيكون له تأثير كبير في إنقاذ الكثير من الناس.
صخر: كيف؟
تمتم سهيل ببعض الأدعية ثم قال: المُعلم شمس رجل صادق فعلاً، وهو السبب الأساسي في تغيير حياتي، موضوع المواظبة على الذكر له تأثير عجيب جداً في الشفاء.
جَسور: انتظر قليلاً، أخبرنا من البداية ماذا حدث حتى نستوعب ما تقول، آخر ما علمناه منك أن شمس أخبرك أنك مسحور، ثم انقطع تواصلنا بناء على برنامج طُلب منك أن تركز فيه فقط.
سهيل: في البداية لم أتلق موضوع السحر بجدية، لكن عندما بدأت برنامج الصلاة والذكر، شعرت براحة عجيبة.
صخر: هذا طبيعي، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، ما علاقة ذلك بإثبات وجود السحر؟
سهيل: هناك تغيير كبير حدث في حياتي، أصبحت أقل عصبية تجاه زوجتي وابني، أشتاق الآن إلى لقائهما، وهو ما لم يحدث لي أبداً منذ سنوات، كنت أسافر ولا أعبأ بهما، بل أشعر براحة وأنا بعيد عنهما، حتى زوجتي أخبرتني أن هناك تغيير واضح في شخصيتي وطريقة تعاملي.
صخر: ربما هذه فعلاُ نتائج الذكر الطبيعية التي ستحدث لأي شخص، فالذكر يطمئن القلوب، لذلك تشعر بهذه الراحة.
سهيل: ليس التطور على مستوى السكينة فقط، أصبحت تأتيني رؤى متكررة تخبرني ببعض المعلومات، حتى أنني علمت من فعل السحر.
صخر: ربما هذا بسبب الانشغال بالموضوع، احذر أن توهم نفسك وتخطيء في حق آخرين بسبب الرؤى.
جَسور وقد نفد صبره: هل يمكن يا صخر أن تتوقف قليلاً عن التعليقات؟ أريد أن أعرف ما حدث، ارحمنا يا أخي.
ثم تابع جَسور: أكمل يا سهيل.
سهيل: من التغييرات أيضاً التي ألمسها أنني أصبحت أشعر بالشياطين إن وجدت حولي، كما تعلمت كيف أعالج نفسي إن شعرت بضيق في الصدر، كذلك كنت أسمع أحياناً بعض الأصوات التي تصرخ وكأنها تًعذب. هناك تغيير كبير يصعب إنكاره، الأمر المبشر هو أنني بدأت تعلم العلاج مع المُعلم شمس، وهو ما يعني أنني سأتمكن أيضاً بإذن الله من معرفة المصابين بالأذى الشيطاني، ومعرفة كيفية علاجهم.
جَسور: وما هو البرنامج التدريبي؟ هل توجد طقوس معينة؟
سهيل: كنت أتوقع أن تكون هناك طقوس خاصة، وكنت أخشى أن تكون هذه الطقوس مما أرفضها عقلاً وديناً، لكنني فوجئت أنه لا يوجد أي شيء سوى الذكر ودعاء الله أن يفتح علي في هذا المجال، وأن ينير بصيرتي، ويؤيدني لخدمة عباده ورفع الأذى عنهم، كما يهتم البرنامج بالتعرض لحالات كثيرة وقراءة الرقية عليها، والدعاء لها، ويتم كل ذلك تحت إشراف المًعلم شمس، حتى لا تحدث أشياء غير محمودة عواقبها.
جَسور: غريب جداً، لا يوجد تدريب بمعنى كلمة تدريب.
سهيل: فكرة التدريب كلها هي الشفافية والقرب من الله، وأن يرى الله صدق الرغبة وتمام الإرادة للقيام بهذه المهمة، وبحسب تعبير المُعلم، حينها سيأتيك المدد الإلهي، وتؤيَد بجنده الذين لا يعلمهم إلا هو، فلا تعلم نفس ما أخفي لها من دروع وأسلحة تجابه بها هذه العوالم الخفية.
صخر: ما أتخوف منه في هذا الموضوع فقط هو الوقوع أسر الوهم، بالوهم يمكن أن نسمع أصوات، بل ونرى كائنات لا وجود لها.
سهيل: وأنا أيضاً متفق معك في ذلك، لكن ما لا يمكن أن نخطئه هو النتائج، دعك مما نراه أو نسمعه، لنعتبره وهماً، ماذا عن النتائج الملموسة؟
صخر: كيف؟
سهيل: ما حدث في حياتي من تغييرات، أليس نتائج ملموسة؟
صخر: نعم ولكن يمكن أن يكون تفسيرها هو الذكر فقط، لا شيء أكثر، لا شياطين ولا سحر.
جَسور: عندي فكرة جيدة لحل هذه الإشكالية؟
صخر: الحقني بها.
جَسور: إن كان فعلاً ما يقوله سهيل صحيحاً؛ أن العلاج يتم عبر الذكر والدعاء، فيمكن أن نجري اختباراً على حالة، هذه الحالة لن تعرف أي شيء عن الموضوع، لكن يجب أن يكون لديها شكوى واضحة ومحددة، سنرسل هذه الحالة إلى شمس، ليخبرنا إن كانت مصابة بأذى شيطاني، ثم سنطلب منه علاجها دون أن نخبر هذه الحالة بأي شيء، فإن تحسنت فهذا يعني نفي الوهم، فهذا شخص لم يتأثر إطلاقاً بهذا الكلام عن الشياطين، كما أنه ليس مجرد الذكر الذي يريح القلب، لأن هذا الشخص لم يخض برنامج الذكر، ومع ذلك تحسنت أحواله فقط بواسطة ما يقوم به شمس، المهم أن تكون الشكوى في قمة الوضوح.
صخر: فكرة رائعة جداً، ما رأيك يا سهيل؟
سهيل وقد تجاوز فكرة الاختبار: بالنسبة لي ليس لدي شك يتطلب اختباراً، لا تنسوا أنني في البداية تعرفت على الشيخ بدر من خلال صديقي المصاب الذي عوفي، ولم ير أو يعرف شيئاً عن الشيخ، لكن لا بأس إن كنتم تودون أن تتيقنوا، فليكن، ابحثا عن حالة وسأرسلها للمعلم.
صخر: اتفقنا سأبحث عن حالة خاصة، وليفعل جًسور نفس الشيء، ومن يصل إلى حالة واضحة الشكوى فليرسلها إلى سهيل.
جَسور يسأل سهيلاً: ما المطلوب حت يتم الكشف على هذه الحالة؟
سهيل: فقط صورة شخصية سأرسلها للُمعلم شمس، وهو سيشخص الحالة ويعالجها.
جَسور: جميل جداً، إذن سنلتقي فور العثور على الحالة.
سهيل: لي فقط طلب بسيط.
جَسور: ما هو؟
سهيل: قبل أن تبحثا عن الحالة استغفرا الله ألفاً، ثم صليا على النبي ألفاً، ثم اسألا الله أن ينير بصيرتكما وأن يريكما الحق حقاً ويرزقكما اتباعه، دعونا نبدأ من الله وننتهي إليه، هذه المرة لن تُكتب الحكاية كما كنا نتصور أننا من نكتبها في مشاريعنا السابقة، هذه المرة علينا أن نوقن أن الله يكتب الحكاية، ليفعل الله ما يشاء.
صخر: اتفقنا، سنلتقي بعد أسبوع لنقيم الحالات التي لدينا، ثم نختار واحدة منها.
***
مر أسبوع على التزام صخر وجَسور بالبرنامج، بدأو المكالمة بإعلان من صخر وجَسور أنهما لم يعثرا بعد على تلك الحالة التي سيستوثقون من خلالها على صحة ما يزعمه شمس، وطلبا المزيد من الوقت.
سهيل: لا بأس، لكن انتظرا قليلاً.
أخذ سهيل يتمتم ببعض الأدعية، ثم طلب من صخر وجَسور أن يسألا الله الهداية والرشاد، ثم أنهوا الاتصال سريعاً.
بعد حوالي 10 دقائق وصلت رسالة إلى صخر عبر الهاتف:
“صخر.. أنا أمر بأسوأ فترات حياتي، لا أعرف لماذا اخترتك أنت كي أخبرك، لكنك أنت الشخص الذي تبادر إلى ذهني فجأة، يكفي أن تعلم أنني كل يوم أهم بإلقاء نفسي في الطريق أمام أية حافلة لأتخلص من حياتي، فقط أردت أن أودعك”.
فوجيء صخر بالرسالة، لم يكن يعرف هل يحزن من أجل هذا الشخص أم يفرح باستجابة الدعاء، رد عليه صخر سريعاً: “أهلاً يا مارك، أذكر تلك الرحلة الرائعة التي تعارفنا فيها في روسيا، تحمل قليلاً وسأعاود الاتصال بك فور عودتي إلى المنزل، هل يصح أن تغادر الحياة قبل أن أراك وأسمع صوتك؟! انتظرني يا صديقي”.
أرسل صخر رسالة إلى رفيقًيه: وجدتها.. يجب أن نتحدث فوراً.
أجرى صخر مكالمة جماعية، وتحدث عن هذه الرسالة الغريبة التي وصلته من صديقه الذي تعرف عليه في روسيا.
قال سهيل: سبحان الله، هذه حالة مثالية، ما ديانة هذا الشخص؟
صخر: لا يؤمن بالأديان، فقط يؤمن بوجود الله.
سهيل: هل عندك صورة له؟
صخر: نعم وجدت صورة من رحلتنا قبل سنوات؟ هل مناسبة؟
سهيل: سنرسلها للمُعلم وهو يقرر.
جَسور: حتى تكتمل التجربة لا تخبر شمساً أي شيء عنه، لا تخبره عن شكواه، دعنا ننظر إلى الأمور من خلال الماورائيات فقط، أخبره أن هذا الشخص يهم جًسور أمره فقط، وأنك تريد معرفة إن كان مصاباً أم لا.
***
التقى سهيل بالمُعلم شمس في الحديقة المجاورة، سأله إن كان بإمكانه أن يكشف على شخص عزيز عليه، فرحب المُعلم.
قال المُعلم: انظر أنت إلى صورته أخبرني إن كنت تشعر بشيء تجاهه، مثلاً هل هو مصاب أم لا؟
فكر سهيل كيف يفلت من هذا المأزق، فهو لا يريد إظهار أية معلومة للمعلم، نظر إلى الصورة وتفرس فيها ثم قال: يبدو بالنسبة لي شخصاً طبيعياً، كما يبدو طيب القلب.
المُعلم: هل هذا الشخص ما زال على قيد الحياة؟
سهيل متفاجئاً: نعم، لماذا تسأل؟
المُعلم: هذا الشخص يفكر في الموت باستمرار.
سهيل مندهشاً يكتم سعادة غامرة بداخله، فثقته بالمُعلم تزداد: هل يمكن معرفة السبب؟
المُعلم: انتظر لنرى.
أخذ المعلم يدعو أن يفتح الله عليه حجب الغيب وأن يمده بجنده الغالبين، ثم أقسم على الله بأسمائه الحسنى أن يريه إن كان هذا الشخص مصاباً بأذى شيطاني.
اقشعر جسد سهيل وهو يسمع دعوات المُعلم.
بعد دقيقتين قال الُمعلم: هذا الشخص مصاب إصابة شديدة قد تقوده إلى الجنون، فهو محاط بشياطين تسبب له الشعور بالاختناق والرغبة في ترك الحياة.
سهيل: هذه هي الحالة الثانية كم طرفي التي ترغب في الانتحار ويتم تشخيص السبب أنه شيطاني، هل كل رغبة في الانتحار سببها أذى روحاني.
المُعلم: لا، أحياناً الاضطراب النفسي إن لم تكن له جذور روحانية بالأساس يؤدي إلى الرغبة في الانتحار، وهذا درس لك، قم بالتشخيص بناء على ما ترى، فليست كل مشاكلنا بسبب الشيطان، هذه الحالة واضح فيها الأذى الشيطاني.
المعلم مستأنفاً: على كل حال دعنا لا نضيع الوقت سأعالجه الآن؟
سهيل: ماذا ستفعل؟
المُعلم: سأصرف عنه تلك الشياطين حالاً.
ثم أخذ المعلم يدعو لمارك وهو ينظر إلى صورته.
***
مر يومان وإذا بصخر يتلقى رسالة من مارك، كانت في الرسالة صورة مارك مبتسماً وبجواره صديقته تضع يدها على كتفه:
“مرحباً عزيزي صخر، أعتذر عن الرسالة التي أرسلتها لك قبل يومين وأزعجتك بها، لا أدري ماذا كان يحدث لي؟! أنا بخير حال، وكما تراني أتنزه مع صديقتي الآن، فقط أردت أن أطمئنك، انس كل ما ذكرته لك، واعتبر أن من أرسل الرسالة شخصاً آخر، أتمنى أن أراك قريباً مجدداً.”
كانت هذه الرسالة هي نقطة التحول لدى صخر المتشكك، وجَسور الذي يريد أن يحسم الأمر إن كان هذا الأمر يستحق أو لا، كان هذا هو اليوم الذي بدأ فيه جَسور يقول: المُعلم شمس، وليس فقط.. شمس.
وائل عادل

أضف تعليق