ميلاد جديد

سهيل: كيف حالك؟

زوجة سهيل بنبرة توبيخ: الحمد لله بخير، أخيراً تذكرتَ أن تجري معنا مكالمة فيديو لتطمئن على أحوالنا؟!

سهيل: الانشغالات هنا كثيرة، يومياً أعود إلى الفندق متعباً ثم أنام مباشرة,

الزوجة في تململ: أم أنك سعيد بتلك الانشغالات؟ أما زلت لا تطيق البيت؟

سهيل غاضباً وقد احتد صوته: أنا أتصل بك لأسأل عنك وعن عمر، ما الداعي الآن لفتح موضوع البيت؟

الزوجة في استغراب: سألتك بشكل طبيعي، لم أقصد أي شيء يغضبك، أنت أخبرتني أنك ستسافر لتستمع مع أصدقائك، ربما يفيد هذا في تحسين مزاجك، لذلك سألتك إن كنت قد اشتقت إلى البيت.

سهيل مغيراً الموضوع: هل يواظب عمر على دروسه؟ أم ما زال يتسكع مع أصحابه؟

الزوجة: عمر يحتاج إلى دعم نفسي لا إلى توبيخ، فالدراسة تضغط عليه بشكل كبير.

قاطعها سهيل بحدة: أنت من أوصلته إلى تلك الحالة من اللامبالاة والإهمال بسبب تربيتك المتراخية، لم يتعود تحمل المسؤولية.

الزوجة غاضبة: لماذا تلقي باللوم علي دائماً؟ ألم تشارك أنت أيضاً في تربيته؟

سهيل محتداً: إذن أنا المسؤول كالعادة عن كل شيء وأنت بريئة من كل شيء.

الزوجة: لم أقل ذلك، قلت أنت تحملني وحدي المسؤولية ولا تحمل نفسك أي خطأ؟

سهيل: أنا مفتري، لديك شيء آخر تريدين قوله؟

الزوجة في غضب: نعم، أريد أن أقول أنك شخص لا يطاق.

غضب سهيل وأغلق المكالمة، أخذ يتجول في الغرفة ذهاباً وإياباً كأسد في قفص، محاولاً التنفيس عن غضبه، ثم فكر: هل أتصل بالمُعلم شمس أم أن الوقت تأخر؟

نظر في الساعة ثم قال: الساعة الثامنة، الوقت لم يتأخر بعد، لأجرب حظي.

اتصل سهيل بالمُعلم شمس، وطلب منه اللقاء لعله يستريح معه قليلاً.

رحب المعلم شمس باللقاء، واتفقا أن يلتقيا في الحديقة المجاورة للفندق.

*******

المُعلم شمس: ماذا جرى؟ لا تبدو بحالة جيدة؟

سهيل: أبداً، مكالمة مع زوجتي انتهت بشجار كالعادة، دعك من هذا الأمر، أنا أريد لقاءك لتغيير جو ونسيان ما حدث.

المُعلم شمس: ليكن إذن، في ماذا تريد أن تتحدث؟

سهيل: عن موضوعاتنا التي جئت من أجلها، أنت أخبرتني أنني مسحور، لا أكتمك سراً أنا لا أصدق في موضوعات السحر، فكرة أن إنسان يتحكم في إرادة إنسان آخر أو يعطل حياته أمر غير معقول، أضف إلى ذلك أنني لا أعاني من أي أعراض غريبة.

المُعلم: إذن أنت ترى أنه من الطبيعي أن تنتهي دائماً مكالمتك مع زوجتك بشجار، أنت ذكرت ذلك منذ قليل، هل ترى هذا طبيعي؟

سهيل: لم لا؟ يمكن أن يحدث خلاف بين الأزواج حتى أنه يصل إلى الطلاق، هل المطلقون مسحورون؟

المُعلم: بالتأكيد ليس كل المطلقين مسحورين، أخبرني، هل علاقتكم متوترة منذ البداية؟ أم حدث هذا قريباً؟

سهيل: بدأت الفجوة بيني وبين زوجتي منذ ثلاث سنوات، كانت علاقتنا تشوبها بعض المشاكل العادية، حتى فاض بي الكيل ولم أعد أحتمل، فهي ترد على كل كلمة بكلمة مثلها، ولا تعترف بأخطائها أبداً.

المعلم: هل تعرف بماذا وصف الله السحر في القرآن؟

سهيل: للأسف لا أتذكر.

المعلم: وصفه بأنه يفرق بين المرء وزوجه، أنت قلت أنك لا تشكو من أعراض غريبة، أحياناً نفقد التمييز بين الطبيعي والغريب حين نعتاد على الشيء، مثلاً أنت تغضب بسرعة منذ ثلاث سنوات، ربما اعتدت الغضب خلال هذه المدة فلا تشعر أن بك أي سؤء، فأصبح الغضب بالنسبة لك طبيعي.

سهيل: لكن ماذا تعني بالسحر؟ شخص عمل لي عملاً ليفسد علاقتي بزوجتي؟

المُعلم: السحر باختصار هو تسليط شيطان على الإنسان ليقوم بمهمة محددة، اعتبر الشيطان في هذه الحالة مثل القاتل المأجور، فهو متجه لتنفيذ المهمة المكلف بها، مثلاً إيذاء جسدي، أو تعطيل أعمال، أو إفشال علاقات.

سهيل: إذن الشياطين هي التي تصنع مشاكل الإنسان إن كان كلامك صحيحاً.

المُعلم: لا، الشياطين لا تصنع المشكلة، كل ما تفعله أنها تهاجم نقاط ضعف الإنسان، فهي مثلاً تعلم أن هناك بذورة مشكلة مع زوجتك لأسباب طبيعية مثل أي علاقة، تأتي الشياطين وتضخم هذه المشكلة في عقلك، وتجعلك متحفزاً لأي كلمة تقال، هي تشوش جهاز استقبالك بحيث تستقبل الإشارات من زوجتك بصورة مبالغ فيها، ثم توحي إليك أن تتخذ سلوكيات معينة من خلال الوسوسة، فقط هي تقترح عليك سلوكاً معيناً، والقرار لك، هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى؟!

سهيل في حيرة: أنا أثق في أمانتك وصدقك، هل تجدني فعلاً مسحوراً؟

المُعلم: بدون شك، وهو سحر تفريق، سأسألك سؤالاً خاصاً بإمكانك أن تيجيبني أو لا.

سهيل: تفضل سأجيبك قطعاً.

المُعلم: هل تنفر من البيت؟

سهيل: نعم، أحياناً أتجول في الشارع بالساعات، لا أريد العودة إلى البيت أبداً، وعندما أدخل البيت أشعر أنني أريد الخروج منه، حتى ابني عادة ما أشتبك معه لأدنى خطأ يقوم به، فور أن أراه أشعر أنني أنجبت كتلة من الغباء، لذلك أفر بالسفر لأتخلص من ضغوط البيت.

المُعلم مازحاً: هناك دراسة علمية بالمناسبة تقول أن الغباء وراثي.

ضحك سهيل: إذن العيب من عندي.

المُعلم: تأمل ما ذكرتَه الآن، هل طبيعي أن تنفر من البيت إلى هذا الحد؟ أنت تظنه طبيعي لأنك اعتدت عليه.

ثم وضع المُعلم شمس يده على كتف سهيل قائلاً بجدية: هل ترغب في أن تتخلص من كل هذا الكرب الذي تعيشه؟

سهيل: بالتأكيد حتى أنني فكرت جدياً في الانفصال كحل.

المُعلم: أتفق معك، لابد من الانفصال، ولكن ليس عن زوجتك، بل عنك أنت.

سهيل متعجباً: ماذا تقصد؟

المُعلم: ابدأ القطيعة مع نظام حياتك القديم الذي أفقدك التمييز بين الطبيعي وغير الطبيعي، ولا تجعل الشيطان يقترب منك أبداً,

سهيل: وهل معقول ألا يقترب الشيطان مني أبداً؟

المُعلم: يمكن أن تجعل تكلفة الاقتراب باهظة جداً عليه، هو لك عدو فاتخذه عدواً، هل يمكن أن تخبرني متى كانت آخر مرة ذكرت فيها الله، أقصد التسبيح أو التهليل أو الاستغفار أو أي شيء من هذا القبيل.

سهيل: لم أذكر الله بهذا الشكل إلا في مناسبات قليلة، لكن قلبي عامر بحب الله.

المُعلم: أغلبنا يا سهيل لا يكره الله، لكن هذا لا يعني أننا نحبه، الكراهية ليست مقابل الحب، لذلك نحن لا نكره الله، لكن هل فعلاً نحبه؟

هرول طفل صغير نحو سهيل والمُعلم، قال لسهيل: هل يمكن أن تعطيني الكرة؟

سهيل: أي كرة؟

الطفل مشاوراً على قدم سهيل: تلك الكرة التي بين رجليك.

نظر سهيل، فوجد الكرة وقال بصوت منخفض: غريبة، لم أنتبه تماماً.

أمسك سهيل الكرة وابتسم للصغير وأعطاها له ومسح على شعره، ثم جرى الطفل بالكرة.

المُعلم: أنت بالتأكيد لا تكره هذا الطفل، لكن هل تستطيع أن تقول أنك تحبه؟

سهيل: لا أستطيع.

المُعلم: لذلك أقول لك أنت لا تكره الله، لكنك لا تحبه، لو أحببته حقاً لما مللت من ذكره، ولأصبح عنوان حديثك الدائم مع كل من تقابل، لا تستطيع أن تكتم حبك، سيفضحك عشقك، ولتحولت إلى شاعر يكتب فيه أشعاراً كما يفعل العشاق.

دمعت عين سهيل وهو يسمع كلام المُعلم: هل أنا بعيد إلى هذه الدرجة؟

المُعلم: ليست المشكلة في بعدك، فالله أقرب إليك من حبل البريد، لا توجد مسافات مع الله، لكنها الغفلة تجعلنا لا نشعر بهذا القرب، كما لم نشعر بهذه الكرة من فرط انشغالنا بالحديث.

سهيل: قل لي ماذا أفعل وسأفعله مباشرة.

المُعلم: ستفعل أمرين، علاقة قوية بالله تجلب الأنوار، وحرب شرسة ضد الشيطان تقهر الظلام، بعدها ستكتشف بنفسك إن كنت مسحوراً أم لا.

سهيل: هل يوحد برنامج عملي؟

المُعلم: سأعطيك برنامج علاج عليك الالتزام به، ويمكن أن تضيف إليه ما تشاء.

سهيل: ما هو البرنامج؟

المُعلم: الزم لا إله إلا الله فبها تستجلب الأنوار وتقهر الشياطين، وعليك بالاستغفار لتنقية القلب، والصلاة على النبي لتخرجك من الظلمات إلى النور.

سهيل: هل يجب التركيز والخشوع؟

المُعلم: يجب أن تذكر الله ذكراً كثيراً، هذا ما قاله الله ولم يزد على ذلك في الكيفية، فإن رزقك الحضور فهذا كرم وفضل منه، الحضور ليس اختيارنا.

سهيل: وماذا عن الحرب ضد الشيطان؟

المُعلم: اجعل بيتك دائماً عامراً بالقرآن حتى وأنت خارج البيت، لتحصن البيت، وافعل كل ما من شأنه أن يغيظ الشيطان، واذكر الله قبل الشروق وقبل الغروب، فهذه هي مواعيد التحصين، واحرص على الوضوء وتلاوة أذكار النوم دائماً قبل النوم، ويمكن أن تضيف ما شئت، هذه معركتك فافعل ما يحلو لك.

سهيل: إن شاء الله سألتزم بهذا البرنامج.

ثم أكمل: لقد تذكرت الآن حلماً رأيته في الطفولة.

المُعلم: خيراً إن شاء الله؟

سهيل: رأيت أن أحدهم يعطيني سيفاً ذهبياً منقوشاً عليه لا إله إلا الله، وأنني أقاتل به الشياطين.

المُعلم في فرح: ما شاء الله، سيكون ما رأيت بإذن الله، هذا الحلم لا يتطلب تأويلاً، ويل للشياطين من شر قد اقترب.

عاد سهيل إلى الفندق بغير الوجه الذي ذهب به، توضأ وضوء النوم، لكنه لأول مرة ينتبه لكل قطرة ماء تمس جلده، وكأنه أول وضوء في حياته.

وما إن دنا من الفراش لينام إذا بآية ترن في أذنه: “كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون.. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون.. كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون”.

قال في نفسه سأنام ثم أستيقظ وأصلي بعد ساعة، ثم تذكر وقال: لن ينتصر الشيطان في أول معركة بهذه السهولة، سأصلي الآن.

فرش السجادة وتهيأ للصلاة، لم يكن يحفظ كثيراً من القرآن، فأمسك المصحف وفتحه على صفحة بشكل عشوائي، فوقعت عينه على قول الله: “ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين”، أخذ يكرر الآية حتى تشرب بها قلبه، ففاضت على جسده، وانهمرت دموعه الغزيرة وهو يردد، “ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً فهو له قرين”.

شعر بحالة غريبة لم يعشها من قبل، إقبال على الله، والرغبة في المزيد من الصلاة، فتح المصحف مرة أخرى ليقرأ ما يصادفه فوجد قول الله “واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان  وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا، يعلمون الناس السحر”، لم يكمل الآية وأخذذ يردد “ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر”، لقد سمع هذه الآية من قبل كثيراً لكن هذه المرة لها وقع مختلف، وما إن وصل إلى قول الله “فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله” حتى شعر أن جسده كله ينتفض.

لم يستطع أن يكمل الصلاة، فأخذ راحة، جلس على السجادة وأخذ يهلل، ثم أُلهم الدعاء، اللهم إن كنتُ حقاً مسحوراً فخذ هذه الشياطين أخذ عزيز مقتدر، الله اجعلهم عبرة لمن خلفهم، اللهم فجر الأرض من تحتهم وأصلهم العذاب ألواناً.

عندها سمع صوت صراخ، في البداية ظن أنه يتوهم، فنهض إلى الصلاة، وعندما بدأ التلاوة إذا بالصراخ يتكرر، كأنه صوت شخص يُعذب، وكلما استمر في التلاوة زاد الصراخ.

سمع سهيل التكبير يرج الوجود، إنه أذان الفجر، فأنهى صلاته، وقرر أن يصلي الفجر في المسجد، وهو أمر لم يفعله إلا نادراً.

خرج يتنفس نسيم الفجر، وشعر أنه يولد من جديد، هكذا بدأ سهيل المسيرة بإرادة صلبة، وهكذا بدأ اختبار الطريق، ولعل من توفيق الله أنه كان الشخص المختار بين الثلاثي للبدء، فهو إن قرر فعل شيء أخذه بقوة وجدية، لا يعرف التدرج إليه سبيلاً، يثق سريعاً دون شك طويل، روحه تسبق عقله، وحدسه يسبق تخطيطه، أما سيفه المسلط على الشياطين؛ فينتظر منه أن يتهيأ ليعلن الحرب، لقد كان يوم ميلاد جديد له، ويوم وبال على الشياطين، فليصرخوا ماشاءوا، فقد اقترب الوعد الحق.

وائل عادل

أضف تعليق