في مدخل مدينة الغيب يجد الزائر ركناً خاصاً بـ”المُعلم شمس”، لا يوجد شيء محدد يلفت الانتباه في هذا الركن، غير التعريف بالمُعلم شمس، معالج ذو باع كبير في التصدي للأذى الشيطاني، والمشرف الروحاني الذي يتعهد المعالجين في مدينة الغيب بالتدريب والرعاية، ركن بسيط في هيئته، يشبه صاحبه.
فهيئة المُعلم شمس لا تشبه الشيوخ، فهو يبدو من مظهره وملبسه كأي شخص مقبل على الحياة، لكنه يتميز عن الناس العاديين في أنه مقبل على الحياتيْن، الحياة في عالم الشهادة، والحياة في عالم الغيب.
فور أن رآه سهيل في المغرب تعجب، كان يتوقع أن يرى شخصاً أقرب لهيئة الشيوخ، أدرك المُعلم شمس ذلك بحدسه، فقال له: أعلم أنك تتساءل!! أهذا هو المُعلم الروحاني؟!
قل سهيل في خجل: نعم، بصراحة أنت خالفت كل توقعاتي.
المُعلم مازحاً: رائع، وسأستمر في مخالفة توقعاتك كلما اقتربت مني، فما حباني الله إياه أكبر كثيراً مما يبدو على هيئتي، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
سهيل: اسمح لي هل لديك بعض الغرور؟
المُعلم: كيف أكون مغروراً وقد جرؤت على سؤالي هذا السؤال، هل كنت تستطيع أن تقول للشيخ بدر أنت مغرور، لو كنت لمست فيه الغرور؟! كنت ستُسر بها في نفسك.
سهيل مازحاً: إذن كوني تمكنت من قولها صراحة بشكل مباشر ينفيها.
المُعلم مبتسماً: بالضبط.
ثم أكمل مستطرداً: هناك فرق بين الغرور والثقة، يوماً ما أنت أيضاً يجب أن تثق فيما لديك، هذا أمر جد وما هو بالهزل، إما أن تفهم فيه أو لا تفهم، كأي مجال في الحياة، تكتسب الثقة بقدر علمك به وتمرسك، وقد منحني الله في المجال الروحاني الكثير، فأنا منذ الطفولة على اتصال بعوالم الغيب.
سهيل متعجباً: كيف ذلك؟ هل أنت مولود بقدرات خارقة؟
المُعلم: ليست قدرات خارقة، هي قدرات عند كل البشر، لكنها ظهرت عندي دون مجهود، البعض يحتاج إلى مجهود حتى تظهر، مثل القدرة على الحفظ مثلاً، بعض الناس مولودة بقدرات عالية على الحفظ، والبعض سيحفظ لكن ببذل الجهد والوقت، لقد يسر الله لي التواصل مع العوالم الموازية منذ الطفولة.
سهيل: هل تقصد التواصل مع الجن؟
المُعلم: كنت أراهم وأسمعهم منذ الطفولة، وكنت حيثما ذهبت إلى مكان أجد شيخاً بلحية بيضاء يتبعني، في البداية كنت أخاف ثم اعتدت على ذلك.
سهيل: ولماذا كان هذا الشيخ يتبعك؟!
المُعلم: عالم الجن فيه الصالح والفاسد مثل البشر، والجن يستطيع معرفة الشخص الموهوب روحانياً منذ طفولته، هذا الطفل يكون محط أنظار الجن، إما أن تتابعه الشياطين، أو يتابعه الجن الصالح لحمايته حتى يكبر.
سهيل متعجباً: لكن ماذا سيستفيد الجن من هؤلاء الموهوبين روحانياً؟
المُغلم: الموهوبون روحانياً هم حلقة الوصل بين عالم الشهادة وعالم الغيب، هم الذين يرون الشياطين أو الجن الصالح، ومنهم من قد يرى الملائكة أو أثرها، هؤلاء هم خط الدفاع الأول عن الإنس، أو خط الإفساد الأول حين يتجهون للسحر، ويكونون أولياء للشياطين.
سهيل: من أين لك هذه المعلومات؟ هل هي في كتاب محدد؟
المُعلم: هذه أمور عشتها وشاهدتها كثيراً، بالنسبة لي لم أتعلمها من كتاب.
سهيل: هل تنصح بمرجع محدد أقرأ فيه المزيد؟
المُعلم: لماذا؟
سهيل: حتى يزداد يقيني وأثق بك.
المُعلم: ومن قال لك أنني أريدك أن تثق بي بهذه الطريقة؟! ليس مطلوب منك تصديق أي شيء لم تعشه بنفسك، أنا أجيب على أسئلتك بصراحة، لكن لا يعنيني في شيء هل تصدق الآن أم تكذب ما أقول؟!
سهيل: كيف؟ ألا يعنيك حقاً أن أصدقك؟!
المُعلم: يعنيني شيء واحد، أن تفتح قلبك وعقلك للوجود، حتى تتلقى الإجابات بنفسك عبر التجربة العملية، لن يسعدني أن تقول لي أصدقك، فأنت هنا معتمد على الثقة وليس على علم حقيقي، وهذه أدنى درجات العلم، هذا علم مع أول صدمة ستتخلى عنه، لأنك لم تحصل عليه عبر مساره الصحيح، المسار الروحاني وليس مسار الاطلاع، تجربتك الخاصة لا تجربة يرويها غيرك لك.
سُهيل وقد بدت على وجهه أمارات الاطمئنان: أنا لاحظت فيكم جميعاً المنطق والحكمة، وهو عكس ما كنت أتوقعه، الشيخ بدر ودرة وأنت، جميعكم فعلاً خالفتم التوفعات في طريقة كلامكم ومنطقكم.
المُعلم مبتسماً: يبدو أن الصورة لديك عن الروحانيين هي نفسها التي تسوقها الأفلام عن الدجالين والمشعوذين.
سًهيل: صراحة في البداية كنت أظن أن كل من يتحدث في هذا المجال دجال.
المُعلم: هو مجال مثل أي مجال، فيه الصالح والفاسد، وهذا لا يعني أن نترك ما فيه من خير بسبب كثرة الدجالين، كم من طبيب باع ضميره وسرق أعضاء المرضى، أو مهندس غش في مواد البناء فانهار المبنى مخلفاً مئات الضحايا، هل ننفي وجود الطب والهندسة بسبب المجرمين في هذا المجال؟!
سهيل: بالتأكيد لا.
المُعلم: لذلك علينا أن نزيد أعداد الروحانيين الصادقين، فالدجالون هم أدوات الشيطان لتنفير الناس من هذا المجال، لأن الشياطين لن يسرها أن يقبل الناس على فهم المعركة الدائرة معها، فضلاً عن تعلم فنون العلاج ودفع الأذى الشيطاني.
*****
استمر اللقاء الأول مع المعلم من الصباح حتى المساء، وكلما عرف سهيل معلومة جديدة أدرك أن المجهول أكثر بكثير من المعلوم، وأن المشوار ما زال في البدايات، وسيتطلب الكثير من الصبر,
عاد سهيل إلى الفندق المطل على الشاطيء، أطفأ النور ليكتفي بذلك النور الخافت المتسلل إلى الغرفة، تمدد على الفراش وهو يفكر في حديث اليوم.
وبينما هو شارد الذهن، وجد فجأة يداً تلمس بده، لم تكن يد إنسان، كانت غريبة أشبه بقدم البط، وكأنها لكائن بحري، ثم أظلمت الغرفة تماماً، وإذا بأسواط من النار تنهال على ظهره، أحس سهيل بسخونة في ظهره، ما هذا؟ إنه ألم حقيقي، أخذ يستعيذ بالله من الشيطان، لكن لسانه لا يقوى على ذلك، وانهالت السياط النارية عليه، ثم صرخ، أين أنت يا شمس، حدثتني أن الإنسان أقوى من الشيطان، أين تلك القوة؟ بل أين قوتك أنت؟ وكلما صرخ واستنجد؛ تنهال المزيد من السياط النارية على ظهره، حاول أن يقرأ آية الكرسي، ولكنه وجد لسانه ثقيلاً جداً لا يقدر على القراءة، صرخ مجدداً أين أنت يا شمس؟ تركتني وحدي؟ عليك اللعنة يا دجال يا مشعوذ، ما لي وهذا العالم؟! لقد فتحت علي أبواب الجحيم.
انتفض سهيل من الفراش، فإذا بالشمس قد أشرقت، فأدرك أنه كان في كابوس لم ير مثله قط، أخذ يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم شعر بألم خفيف في ظهره، وثب من الفراش وكشف عن ظهره ونظر في المرآة، فوجد على ظهره علامات أشبه بالخدوش، كشف عن صدره فوجد احمراراً في الرقبة والصدر.
كان على موعد مع المعلم بعد الشروق، فهرول إلى الشاطيء ينتظر المعلم، ليقص عليه ما جرى.
جاء المُعلم مبتسماً فزال التوتر قليلاً عن سهيل، سأله المُعلم: كيف أصبحت؟
سهيل: كنت متوتراً وزال التوتر قليلاً عندما جئت.
المُعلم: خيراً، ماذا حدث؟
سهيل: لقد عشت ليلة أمس كابوساً لم أر مثله أبداً.
المُعلم: خيراً ماذا رأيت؟
أخبره سهيل بتفاصيل الكابوس، ثم أراه ظهره.
سأله المُعلم: وما تفسيرك أنت لما جرى؟ هل أنا دجال ومشعوذ؟
سهيل: العجيب أنني استيقظت بانطباع مخالف تماماً لحالتي الكارهة لك في الكابوس، استيقظت وفي قلبي تفسير ما رأيت.
المُعلم: رائع، أخبرني إذن بالتفسير؟
سهيل: الشيء الأساسي الذي وجدته طاغياً على فكري أو ربما قلبي فور الاستيقاظ؛ أن هذه محاولة من الشياطين لإثنائي عن هذا المجال، فقد جاءوا بسلاح الخوف والشك، يخوفونني من قوتهم ويشككونني فيك.
المُعلم: وما هو قرارك؟
سهيل: سأكمل هذا الطريق ولو كرهَتْ الشياطين، طالما أنهم قاموا بكل هذا العرض؛ فهذا يعني أن ما أنا مقبل عليه أمر عظيم يؤلمهم، بل ويخيفهم.
المٌعلم: أحسنت، إذن اجتزت الاختبار، وأريد أن أطمئنك، لن يأتي هذا الكابوس لك مجدداً أبداً.
سهيل مبتسماً مبدياً فرحته بهذه البشرى: بشرك الله بالخير، لكن كيف عرفت؟ هل تستطيع معرفة أحلامي قبل أن أراها؟
المُعلم: هذا ليس حلماً بالمعنى الدارج، هذا تفاعل حقيقي مع العالم الموازي، وهو كذلك يعكس مدى قدرتك على التصدي لمثل هذه الهجمات.
سهيل: صحيح هناك أمر غريب لفت انتباهي، لماذا كانت الاستعاذة بالله ثقيلة وكذلك تلاوة القرآن؟
المُعلم: لأنك لم تكن تواجه مجرد شياطين عابرة ستوثر السلامة عند سماع القرآن، أنت أمام مردة الشياطين الذين جاءوا من أجل مهمة محددة، أمام مقاتلين أولي بأس شديد، وأنت ضعيف تستخدم القرآن لأول مرة، فالقرآن سلاح، يحتاج إلى حامل قوي، لذلك لا يُنصح أن يرقي أي شخص غير متمرس في العلاج غيره، لأن هذا الشخص إن كان هو نفسه ضعيفاُ روحانياً سيتأذى كثيراً، رغم أنه قرأ القرآن، فقد خاض معركة ومعه سلاح، لكنه ليس مؤهل لاستخدامه.
سهيل: هل معنى ذلك أن القرآن عنصر مهم في العلاج لأنه ليس الوحيد؟
المُعلم: بالضبط هذا ما أردت قوله، يكفي أن تعرف أن بعض المعالجين يتركون هذا المجال بسبب الأذى الذي يصيبهم، فكلما ارتقى المعالج في المستوى احتاج إلى تحصين أقوى لأنه يواجه نوعية أقوى من الشياطين.
سهيل: هذا ما تعلمته في الكابوس عملياً، حين عجزتُ عن استخدام القرأن، شعرت بضعفي الشديد وليس ضعف الآيات، فأنا غير قادر على حملها.
المُعلم: وهذا ما أردت قوله لك عندما أخبرتك أن هذا المجال ستتعلمه عملياً في العالم الروحاني أكثر مما ستتعلمه نظرياً من الكتب، ستأتيك الدروس تلو الدروس، دوري معك فقط هو شرح الدروس التي تتلقاها أنت، اعتبر هذا الكابوس درساً تعليمياً لك، لكنه درس متكامل، لا تحصل فيه فقط على معلومات، بل أيضاً تعيش التجربة الروحانية بالمشاعر، فتخاف وتجزع.
سهيل: وماذا عن هذه اليد التي تشبه قدم البط؟
المُغلم مبتسماً: أنت تسكن على الشاطيء، هذا من جن البحار، لم يأت ليؤذيك، فقط كان لديه فضول التعرف على الزائر الجديد.
سهيل: ولماذا هو مشغول بي؟
المٌعلم مازحاً: حقاً؟! أظن أنك أنت المشغول بهم، أنت من يرغب في أن تكون لك قدم في عالم الشهادة وأخرى في عالم الغيب، أنت من بدأ الفضول.
سهيل ضاحكاً: عندك حق، أشكرك جداً على هذه الأجوبة الشافية والمريحة، وبالفعل اليوم تأكد لي أن هذا الطريق لا يصلح بدون معلم ودليل، أنا متحمس للبدء معك، أخبرني كيف سأتعلم المجال الروحاني؟
نظر إليه المُعلم متأملاً وجهه ثم قال: لن أعلمك ألان، سأعالجك أولاً.
سهيل: تعالجني؟ أنا لا أشعر بشيء سيء؟ هل أنا مريض.
المعلم ضاحكاً: أنت مسحور يا عزيزي.
وائل عادل

أضف تعليق