لم يكن في الغرفة أحد، إذن ما هذه الأصوات التي سمعوها؟! نظر الثلاثي إلى بعض في وجوم، ثم تسابقوا في الخروج من الغرفة سريعاً، كان باب الشقة لا يزال مفتوحاً، فأسرعوا للخروج منه، لكنه أُغلق قبل أن يدركوه، لم يعرفوا إن كان أغلقه أحد أم هو تيار الهواء القادم من النافذة؟!
أمسك صخر مقبض باب الشقة ليفتحه وتبعه صاحباه، واضح أن قرار الهروب كان عليه إجماع، ولم يتطلب أي تشاور، وفور أن فُتح الباب وجدوا أمامهم رجلاً وامرأة، كان الرجل في الأربعينيات أما المرأة ففي الثلاثينيات، قال الرجل مبتسماً: نعتذر إن كنا تأخرنا عليكم، لقد عدنا للتو من جنازة الشيخ.
خجل الثلاثي من الاعتراف بالشروع في الهروب، قال صخر: عندما لم نجد أحد آثرنا الانتظار في الشارع أسفل المكتب.
رد الرجل بذوق بالغ: أعتذر مجدداً، سامحونا أنتم تعرفون ظروف اليوم.
ثم تقدم الرجل والمرأة نحو غرفة الشيخ، وسار الثلاثي من ورائهما وكأنهم يحتمون بهما، جلست المرأة على كرسي المكتب المخصص للشيخ، بينما جلس الرجل على الكرسي المقابل، وأشار للثلاثي بالتفضل بالجلوس على الأريكة.
قال الرجل: أعرفكم بنفسي أنا مصطفى الذي اتصلت بسهيل، من فيكم سهيل؟
قال سهيل: أنا سهيل وهذا صخر وهذا جَسور.
قال مصطفى: ما شاء الله أسماء عظيمة تنبيء بأشياء عظيمة.
ثم تابع مصطفى: أنا سكرتير الشيخ المكلف بترتيب كل مواعيده، ثم أشار إلى المرأة قائلاً: وهذه درة بنت الشيخ.
جَسور: تشرفنا بمعرفتكما.
مصطفى: أعرف أن لديكم الكثير من الأسئلة التي كنتم تريدون سؤال الشيخ عنها، ستقوم درة بالإجابة على أسئلنكم.
بدأ الأمل يدب في وجوه الثلاثي، فقد عادوا للإمساك بطرف الخيط من جديد.
قالت درة: لقد أوصاني الشيخ بكم، ثم نظرت إلى سهيل وقالت: هل تذكر يا سهيل حين كنت في مكالمة مع الشيخ وأخبرك أنه مضطر لإلغاء المكالمة بسبب قدوم ضيف؟!
سهيل: نعم بالتأكيد.
درة: كنت أنا ذلك الضيف، لقد أنهى المكالمة معك وحكى لي عن تفاصيل ما تريدون.
قال صخر وهو يحاول انتقاء ألفاظه: لكن هل ستستطيعين الإجابة على كل أسئلتنا؟!
درة تجيب بتحد وهي تعلم أن صخر يستخف بها: سأجيبكم على ما يمكن أن تستوعبوه الآن فقط، ليست المشكلة في وجود الإجابة، المشكلة فيمن يستوعب.
قال سهيل في نفسه: وكأنها تتحدث بنفس طريقة الشيخ.
نهضت درة من مقعدها لتنهي المقابلة قائلة: بالتأكيد أنتم مجهدون اليوم، وأنا ورائي الكثير من الالتزامات بسبب الجنازة، سنلتقي هنا يوم الأربعاء في العاشرة صباحاً، أي بعد ثلاثة أيام إن شاء الله.
تساءل جَسور: إذن لن نسافر وسنعود إلى الفندق؟!
قال مصطفى مازحاً: لا يوجد سفر، أنتم بالكاد وصلتم إلى وجهتكم، سيوصلكم السائق إلى الفندق.
قال صخر موجهاً حديثه لدرة: لدي فقط استفسار صغير.
قالت درة بعد أن نظرت إلى ساعة الحائط، وبدا أنها في عجلة: ما هو؟
صخر: لقد سمعنا أصواتاً تأتي من هذه الغرفة، وعندما فتحنا الباب لم يكن هناك شيئاً، ماذا كان هذا الصوت؟
حملت درة حقيبة يدها لتغادر المكتب قائلة: فرق كبير بين أن تقول لم أجد شيئاً وأن تقول لم يكن هناك شيئاً، هل تعرف الفرق؟ على كل حال فكر في الفرق إلى أن نلتقي، ثم ابتسمت للجميع قائلة: أشكركم على المجيء، إلى اللقاء.
غادر مصطفى ودرة المكتب، ثم غادره الثلاثي وتوجهوا إلى الفندق في سيارة السائق.
قال صخر: هل درة هذه مغرورة؟ ألم تلحظا ذلك من أسلوبها؟
جَسور: أو لماحة شعرت أنك تستخف بها؟
صخر: صراحة أًصبت بخيبة أمل عندما علمت أن هذه المرأة الثلاثينية هي التي ستجيب على أسئلتنا، كنا ننتظر خبرة الشيخ الكبيرة.
سهيل: يا جماعة المرأة دفنت والدها منذ قليل، وأتت مشكورة للموعد رغم أنه كان بإمكانها الاعتذار، قد تكون متوترة بعض الشيء، فضلاً عن أن أسلوب صخر كفيل بإطلاق طاقة من التوتر لدى أي أحد. وعموماً هذه المرأة أفضل من لا شيء، لم يعد الشيخ موجوداً.
وهكذا استمروا في تقييم الجلسة الأولى حتى وصلوا إلى الفندق.
بعد ثلاثة أيام كان الثلاثي في مكتب الشيخ في الموعد المحدد، لم يكن هناك زائرون سواهم، طرقوا باب غرفة الشيخ، فوجدوا درة تجلس على كرسي مكتب الشيخ، قامت من مقعدها ورحبت بهم بحرارة، ثم طلبت منهم الجلوس.
درة: أعتذر إن كان اللقاء السابق سريعاً، أو لم أُحسن التعامل معكم، كان عقلي مشوشاً، فالوالد كان شيخي ووالدي ومستشاري وأخي.
جَسور: بالعكس نحن نشكرك على ذلك اللقاء رغم صعوبة اليوم على نفسك، ورحم الله الوالد وأسكنه فسيح جناته.
طرق الباب العامل الذي يقدم الطلبات في المكتب، أحضر صينية كبيرة عليها فطائر وأطباق بلاستيكية وبراد شاي وأكواب.
قالت مبتسمة: نحن هنا نهتم بغذاء البدن والروح معاً.
قال صخر مازحاً: بداية عظمية، يبدو أننا سنتفق كثيراً.
بعد أن جهزوا أطابق الفطائر وأكواب الشاي قالت درة: هيا أنا جاهزة لأسئلتكم.
بدأ سهيل الأسئلة: لقد قال لنا أستاذ مصطفى في مكالمة قبل أن نأتي إلى مكة أن الشيخ سوف يجيبنا على بعض من أسئلتنا في الجنازة، حينها تعجبنا، كيف سيجيب الشيخ وهو ميت؟! ومرت الجنازة ولم نتلق أية أجوبة؟!
قالت درة: هل أنت متأكد أنكم لم تتلقوا أية أجوبة؟
قال صخر متباهياً: لقد أخبرتهم أن الأجوبة كانت في الجنازة، بعض الإشارات المتناثرة التي تتطلب فقط أن تتجمع في صورة واضحة مفهومة.
قالت درة: بالضبط، كانت الأجوبة في الجنازة. هل تتذكرون تلك الإشارات؟
قال جَسور وقد فتح هاتفه: نعم لقد سجلتها حتى لا أنساها، سلسلة من الأسماء تبدأ من عبد القادر الجيلاني وتنتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أسماء الله الحسنى، راية ضخمة مكتوب عليها “هو الله”.
درة: عظيم، هل هناك شيء آخر.
سهيل: شعر كل منا بانجذاب باسم معين من الأسماء الحسنى عند رؤيته، وكانت المشاعر بصفة عامة جارفة، لم نمر بهذه الحالة من قبل.
درة: هذا ما أراد الشيخ تعليمه إياكم في الجنازة، الآن سأوضح لكم الصورة.
كان الشيخ بدر ينتمي إلى هذه السلسلة التي رأيتموها تبدأ من الرسول وتنتهي إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، هل يعرف أحدكم الشيخ الجيلاني؟
قال جَسور: لقد بحثت سريعاً عنه على الإنترنت، وعلمت أنه من أئمة المسلمين الذين اشتُهروا بتزكية النفس.
درة: أحسنت، كان الشيخ عبد القادر عالماً ذا فقه عظيم، وكان إمام الحنابلة في عصره، توفي في القرن السادس الهجري وكان يلقب بـ”سلطان الأولياء”، و”تاج العارفين”، وصفه ابن تيمية بأنه من أعظم مشايخ زمانهم أمراً بالتزام الشرع، والأمر والنهي، ومن أعظم المشايخ أمراً بترك الهوى,
وقد تلقى الوالد رحمه الله من نفس النبع، وكان يتمسك ما استطاع بمباديء الشيخ الجيلاني الخمسة، فأراد أن تعرفوا من هو، فكانت هذه إجابة أول سؤال.
سهيل في تشوق: وماذا كانت مباديء الشيخ الخمسة؟
درة: ذكر الشيخ الجيلاني مبادئه الخمسة في أبيات شعرية يقول في مطلعها:
إذا لم يكن للشيخ خمس فوائد وإلا فدجال يقود إلى جهل
هذه المباديء هي العلم بأحكام الشريعة والحلال والحرام، والعلم الروحاني وأحوال القلوب وطرق تزكيتها، واشترط أن يكون تلقاه عن شيخ متصل سنده إلى الرسول، وأن يكون سخياً كريماً مع ضيوفه لأن الله كريم.
قاطعها صخر: لقد لفت انتباهي في الجنازة اسم الله الكريم، لعلها إشارة للتحلي بالكرم.
قال جَسور في غيظ: أنت تقاطع كثيراً، من فضلك لا تقطع تسلسل الأفكار يا صخر، الآن عرفنا ثلاثة مباديء للشيخ، العلم بالشريعة، والعلم الروحاني، والكرم، بقي اثنان.
قالت درة: أن يكون متواضعاً للناس، وأن يكون ناجحاً في مساعدة المريدين لتزكية أنفسهم، وهذا لا يتم إلا أن هذب نفسه أولاً على يد شيخ، ثم يأذن له هذا الشيخ بمساعدة الآخرين في تزكية نفوسهم.
قال سهيل: إذن المباديء الخمسة هي العلم بأحكام الشريعة والحلال والحرام، والعلم بالروحانيات وأحوال القلوب وطرق تزكيتها، والكرم، والتواضع، والقدرة على تربية المريدين.
قال صخر: إذن هل كان الشيخ يكتسب قدراته الروحانية بسبب التزامه بتلك المباديء؟!
قالت درة: أنت تحاول القفز إلى نتائج سريعة، لكن لأخبرك أن القدرات الروحانية مودعة لدى كل البشر، دور المباديء أن تحسن استعمال تلك القدرات دون أن تهوي في طريق الشيطان، فالشفافية الروحية ورؤية ما هو مستور عن العين موجود لدى المسلمين والمسيحين والبوذيين والهندوس، يمكن لأي إنسان أن تشف روحه، أما كيفية الوصول إلى الشفافية أو في أي أغراض تستخدم؛ فهنا يؤثر فيه المنهج، فالساحر والشيخ كلاهما لديه قدرات روحانية، وشتان بين طريقة اكتساب القدرات لدى الاثنين، أو أغراض الاستخدام، أو حتى مدى قوة هذه القدرات، فالساحر أقصى ما يستطيعه في رقيه أن يكون ولياً لإبليس، أما المؤمن فيكون ولياً لله، لا يستويان، قل هل تستوي الظلمات والنور؟!
سعد جَسور بالرد وقال: لا أدري لماذا شعرت الآن بقشعريرة، وكأن روح الشيخ بدر حضرت معنا؟!
قالت درة وقد أفلتت منها دمعة حين تحدث جَسور عن الشيخ: كان الوالد رحمه الله يستمد قوته من الله نور السماوات الأرض.
صخر: فالشيخ بدر إذن كان من أولياء النور، وهذا هو سر قوته؟
درة: بالضبط هذا ما أرادكم أن تعرفوه، أن طريق الروحانيات قد يكون عبر النور أو الظلام، والطريق الذي اختاره يتصل سنده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، السراج المنير.
قاطع جَسور وكأنه تذكر أمراً مهماً: الآن تذكرت إشارة جديدة، فقد دخلنا في حالة هيستيرية من الصلاة على النبي فور أن رأينا رايته الخضراء، هل الصلاة على النبي ضرورية في هذا الطريق؟!
درة في خشوع: عليه الصلاة والسلام.. لا وصول بدون الصلاة على الرسول، فهي بوابة عظمى لاستجلاب النور.
قال سهيل: لقد تحدثت كثيراً عن النور، ربما لهذا السبب تحرك قلبي فور أن رأيت راية اسم الله النور في الجنازة.
قالت درة: أنتم تتعجلون في تفسير كل شيء، هل تعلم ما هي المشكلة؟
قال سهيل: ما هي؟
درة: أنك تريد تفسير كل شيء بناء على عقلك والمعلومات البسيطة المحشورة فيه، فأنت سمعت الآن عن قوة النور، فأردت أن تربط ما شعرت به في الجنازة بما عرفت الآن.
قال سهيل: صحيح.. ولكن ما المشكلة في ذلك؟
درة: المشكلة هي الاستعجال في التفسير بأول شيء يتبادر إلى ذهنك، أغلب ما ستمر به في عالم الروحانيات لا يعرف عقلك عنه أي شيء، فهو لم يمر بهذه التجربة من قبل، سيستوعب عقلك أشياء جديدة تضيف إلى منظومة أفكاره معارف جديدة وليس العكس، فهو لن يحاول أن يفسر كل شيء بناء على منظومة أفكاره القديمة.
قال صخر: إذن ما المقصود؟ هل نوقف عقولنا؟
ابتسمت درة قائلاً: وهل تظن أن تركها تعمل سيفيد؟ ثم قالت كلمات بلغة غريبة وكأنها لغة صينية، ثم سألته: هيا أعمل عقلك، اجعله يفسر ما قلت، هل يستطيع؟
قال صخر: لم أتعلم هذه اللغة، بل لا أعرف ما هي أصلاً.
قالت درة: إذن يستوي إعمال العقل أو تجاهله، ليتك تدخل عالم الروحانيات بمثل هذا التواضع.
قال جَسور: حسناً.. متفقون.. لكن هل سنترك عقولنا إلى الأبد؟
درة: لا.. بإمكان عقلك الآن أن يرصد فقط ما يحدث، ارصده ودونه ولا تنشغل بتفسيره، سيتطور العقل شيئاً فشيئاً حتى يتحول اللامعقول الذي لا يحيط به العقل إلى معقول يحيط به، سنتعلم اللغة تدريجياً.
قال صخر: الآن فهمتك، فعقلي يقبل – بحكم التجربة الآن- أننا سمعنا ذكراً بصوت عال في الغرفة، ثم توقف عندما دخلنا الغرفة ولم نجد أحداً.
قالت درة مبتسمة: انظر كيف يضللك عقلك الصغير؟! ومن قال لك أن الصوت توقف، ليتك تتواضع للكون أكثر وتعترف بقصور حواسك، الصوت موجود لكنك لا تسمعه.
فجأة شعر صخر بيد تربت على كتفه الأيمن، نظر عن يمينه ظاناً أنه سهيل، فلم يجد جَسوراً أو صخراً، نظر أمامه فلم يجد درة، وجد شكل الغرفة مختلفاً تماماً، المكتب غير موجود، والغرفة شديدة الاتساع، نظر أسفل منه فإذا به يجلس على حمام سباحة في قاعة مغلقة.
وائل عادل

أضف تعليق