كرامات الشيخ بدر

كان مكتب الشيخ بدر عبارة عن شقة صغيرة متواضعة في عمارة بسيطة، لكن هذا المكتب لا يخلو من زائر، كأعظم عيادة لطبيب مشهور، يمكن اعتبار هذه الشقة هي المَعلم الثاني في مكة بعد الحرم من حيث وفود الناس عليه من بلدان شتى طلباً للتشافي الروحاني، فقد اشتُهر الشيخ بكرامته في علاج المصابين بالمس والسحر، وهو ما جعل الكثيرين يأتونه من بقاع شتى، لعلهم يجدون حلاً فيما لم يتمكن الطب العضوي أو النفسي من علاجه.

كان الشيخ في منتصف السبعينيات من عمره، تكسو وجهه لحية بيضاء تزيده وقاراً، وتعلو هذه اللحية ابتسامة دائمة لا تفارقه، ويُشع من وجهه نور يريح كل من يراه، كانت مجرد رؤيته تفتح أبواب الشفاء، يبدو أنه ولي صاحب كرامة، وله حال خاص مع الله.

ذات يوم رن هاتف الشيخ، إنه سهيل، فقد عاود الاتصال بالشيخ بعد أن اتفق مع صخر وجَسور على معرفة أسرار الشيخ.

رحب الشيخ بدر بسهيل وساله بود عن صديقه المريض الذي عالجه قبل شهرين.

قال سهيل: لقد أصبح في خير حال، أُبشرك يا شيخ، لقد وُلد بالفعل من جديد كما أخبرتني.

الشيخ: الحمد لله.. هذا كله بفضل الله.. فهو الشافي، وهو من جعل الداء والدواء.

سهيل: لقد تحدثتُ مع مجموعة من الأصدقاء حول تجربة العلاج التي خضناها معك، وأخبرتهم عن كرامتك، وذُهلوا من تمكنك من تشخيص الداء وإعطاء الدواء عن بعد، دون حتى أن ترى صديقي المريض.

تنهد الشيخ ثم قال: الكرامة.. الكرامة.. هل تعرف ما هي الكرامة؟

سهيل دون أن يفكر كثيراً: المعجزة، أن تأتي بشيء لا يستطيع الآخرون فعله ولا تفسيره!!

الشيخ: كلام جميل.. إذن بناء على تعريفك هذا هل تعرف ما هي أكبر كرامة؟

سهيل: ما هي؟

الشيخ: أكبر كرامة هي لزوم الاستقامة.

سهيل: كيف يا شيخ؟

الشيخ: إذا كانت الكرامة هي أن تأتي بشيء يعجز الآخرون عن تفسيره، فكيف بمن استقام على طريق الله رغم كل المغريات من حوله؟! كيف بمن اتبع سنة الرسول في عصر تحارب فيه السنة؟! كيف بمن أسر الناس بسلوكه دون وجود سبب واحد منطقي يساعد الناس في هذا العصر على أن يحسن سلوكهم؟! كيف بمن امتلأ قلبه بحب الناس رغم كل ما يرى منهم من شرور؟! أي منطق في هذا؟ كيف بمن امتلأ قلبه بحب الله حتى ما عاد يتعلق إلا بالله؟ فيحب الجميع لله، لكنه لا يحب أحداً مع الله.. هل لديك تفسير لذلك؟! أليست هذه كرامة؟! أن يصطفي الله قلباً ويصنعه على عينه؟!

سهيل: لم أنتبه من قبل إلى هذه الأمور، دائماً أفكر في الكرامات أنها أمور غيبية.

الشيخ: كلامك صحيح، هي أمور غيبية، لكن بقدر تجليها في الواقع بقوة تكون الكرامة، فكرامة النبي محمد عليه الصلاة والسلام أن يقول الله فيه “وإنك لعلى خلق عظيم”، ولك أن تفكر أي قوة غيبية تلك التي وهبت نبينا ذلك الخلق العظيم، الوحي كرامة من الله، لكن الوحي لا يأتيه على مدار الساعة، كان يأتي وينقطع، أما خلقه العظيم فلا يفارقه، فهو أوضح كرامة، وهي الكرامة التي لم يختلف عليها حتى أعداؤه.

سهيل: كلامك جميل يا شيخ بدر، كان غرضي من المكالمة سؤالك عن أمور العلاج، لكنك أعطيتني ما هو أثمن.

الشيخ بدر ضاحكاً: لا تقلق سأجيبك على أسئلتك التي تؤرقك حول العلاج، أعطني السؤال الأول.

أجاب سهيل بسرعة مستثمراً الفرصة بعد أن فتح الشيخ باب السؤال: لدينا الكثير من الأسئلة، هل فعلاً يوجد أذى شيطاني يصيب الإنسان جسدياً ونفسياً؟ كيف عرفتَ بوجود الأذى فقط بمجرد رؤية الصورة؟ كيف عالجتَ صديقي عن بعد في الوقت الذي عجز الطب عن علاجه؟

الشبخ مازحاً: مهلاً مهلاً، أنت خالفت القانون، طلبتُ منك السؤال الأول.

سهيل ضاحكاً: الفرصة لا تأتي مرتين يا شيخ.

الشيخ: الفرصة تتطلب أن تكون جاهزاً لها، هل تتوقع أنك وأصدقاءك جاهزون لتلقي الأجوبة؟! بعض هذه الأسئلة تستغرق إجابتها ساعات، وبعضها شهوراً، وبعضها يتطلب سنوات.

سهيل مازحاً: لا تقلق يا شيخ، كلنا خريجي جامعات وتخصصات راقية، أنا درست الفلك، وجًسور درس الهندسة، وصخر وهو أصعبنا في النقاش درس الفلسفة، لا تقلق كلنا نستوعب سريعاً.

الشيخ: لكن لا يبدو من كلامك السابق أنك تستوعب سريعاً!!

سهيل: كيف يعني؟

الشيخ: ألم تستوعب من دراستك أن لكل علم أسسه التي إن لم تكن عندك لن تفهم شيئاً في العلم، بل إن مجرد ذكر مصطلحاته ستكون غامضة بالنسبة لك، جرب اشرح نظرية من نظريات الفضاء أو الفيزياء التي بنيت على أسس رياضية، لصاحبك الفيلسوف صخر، ذي العقل سريع الاستبعاب بحسب تصورك، وأخبرني إن فهم منك شيئاً.

سهيل: لن يفهم لأنه على عداوة مع الرياضيات منذ الصغر، تريد إذن أن تقول أن إجاباتك ستكون أكثر تعقيداً من علوم الفضاء.

الشيخ: لا علاقة للموضوع بالتعقيد أو التبسيط، الموضوع مرتبط بإمكانياتك ومدى جاهزيتك لفهم مجال معين، حتى نستوعب شيئاً في أي مجال؛ يجب أولاً أن نكون مؤهلين لاستيعابه، إجاباتي تتطلب تأهيلاً خاصاً لفهمها فضلاً عن قبولها، هل الفضاء يُعرف فقط من الكتب؟! أم يحتاج أدوات مثل التيليسكوب ليقوي بصرك، فيُسهل على العقل مهتمه؟! أنتم ليس لديكم التيليسكوب الروحاني بعد، بصركم ضعيف وعقلكم مقيد بما ترى أبصاركم. كل ما ستفعلونه أنكم ستحاولون استعمال الأداة الوحيدة لديكم، العقل، وهذا ظلم بالغ لها، فالعقل لا يجدي نفعاً وحده، تحتاج حاسة التذوق حتى يستطيع عقلك وصف طعم المانجو، بدونها عقلك غير مفيد، بل سيُضللك بإنكار أن للمانجو أي مذاق، ثم يتجاوز حده لتزداد جهالته منكراً على من زُودوا بحاسة التذوق.

سهيل: ماذا يعني هذا؟

الشيخ: هذا يعني أننا أمام مجال له أدواته، وهذا أمر سيطول شرحه، لذلك أخبرتك أن بعض الأسئلة تتطلب ساعات، وهي الأسئلة التي يمكن لعقولكم بإمكاناتها المتواضعة الحالية أن تستوعبها، لكن هناك أسئلة ليس مجال استيعابها العقل، ستحتاج إلى تنشيط أجهزة أخرى للاستقبال تضيف إلى العقل إدركات أخرى، وتُسهل مهمته، وهي أجهزة خاصة بالعلم الروحاني مودعة في الإنسان، وبدونها لن تفهم شيئاً، بل ستنكر أغلب الأمور لمجرد عجز عقلك الصغير.

سهيل: أي أجهزة أخرى؟

الشيخ: لا يوجد مجال الآن على الهاتف كي أجيبك على الأسئلة، فكل إجابة ستخلق سؤالاً جديداً كما ترى، هذا الموضوع يتطلب جلسات مطولة.

سهيل في تردد: هل يمكن أن أدعو أصدقائي لحوار قريب معك في لقاء عبر الإنترنت؟

الشيخ: أنا عمري 75 سنة، ولا طاقة لي بالأحاديث المطولة عبر الإنترنت، لكن يمكنكم أن تشرفوني بزيارة في مكة.

سهيل وهو يكاد لا يصدق سهولة التواصل مع الشيخ: حقاً يا شيخ؟! هذه فكرة رائعة، متى يمكن أن تكون هذه الزيارة؟

الشيخ: لحظة واحدة أراجع جدول المواعيد.

سهيل: تفضل خذ وقتك.

لم يتأخر الشيخ كثيراً: حسناً، يمكن أن نلتقي في الأسبوع الأول من الشهر القادم إن شاء الله، ليكن موعدنا الخامس من يوليو.

سهيل: ممتاز.

الشيخ: أرجو التأكيد قبل الموعد بيومين، اتصل بي يوم 3 يوليو لتأكيد الموعد.

سهيل: بالتأكيد سأتواصل معك يا شيخ بدر، لا تدري مدى سعادتي بهذه المكالمة، وشكراً لثقتك بنا ودعوتنا للزيارة.

الشيخ: عفواً، لا يمكن أن أطلب منك أن تثق بي إذا لم أثق أنا بك.

الشيخ مستطرداً: لقد أتاني ضيف الآن، أنا مضطر لإنهاء المكالمة، وأراكم الشهر القادم إن شاء الله.

سهيل: تفضل يا شيخ.

أغلق الشيخ الهاتف ثم نظر إلى الضيف وقال: يبدو أن الوقت قد حان، وربما أتى الله بمن يفعلون ما لم أستطع فعله، فكما ترى لقد وهن الجسد، وهذه المهمة تتطلب شباباً.

الضيف: وما سبب ثقتك أن هؤلاء هم المنتظَرون لحمل الأمانة؟!

قال الشيخ متأثراً وقد وضع راحته على قلبه: هذا ما رأيته بقلبي، وهذا تأويل رؤياي من قبل، طيار في السماء، ومخترع يقيم عروضاً بالتكنولوجيا في سيرك عالمي، وأخر يضرب الأرض بيده فتنفجر ينابيع أفكار، أليسوا هؤلاء أهل الفلك والهندسة والفلسفة؟!

قال الضيف: يبدو أنك متحمس لهم بشدة,

الشيخ: قلبي يقول أن هؤلاء هم الذين سيمسكون بالصُور، فينفخون فيه النفخة الكبرى لإحياء الأموات.

ثم رفع الشيخ كفه يدعو بخشوع: اللهم إن كانوا هم جندك المنتظَرين؛ فقّو ظهورهم، وأيدهم بما لم تؤيد به أحداً من العالمين.

على الطرف الثاني، كان سهيل في قمة السعادة بعد المكالمة، لم يكن يتخيل أن الشيخ بهذا النضج العلمي والثقافي في النقاش، ظن أنه سيتحدث مع درويش عجوز.

أسرع سهيل بالاتصال بجَسور وصخر، ليزف إليهما الخبر السار، كانا في شوق لمعرفة نتيجة المكالمة.

قال سهيل وهو فرح بنتيجة المكالمة: هذا الشيخ مريح جداً، وقد كان واضحاً وصادقاً فيما يمكن أن يجيب عليه الآن، وما سيؤجل إجابته، في النهاية لقد اجتاز الاختبار الأول، لم يهرب منا، بل رحب بلقائنا.

جَسور: رائع.. ما هي الخطوة اللاحقة إذن؟

سهيل: سنذهب لزيارة الشيخ في مكة بعد شهر؟

جَسور وهو لا يكاد يصدق: حقاً؟ بهذه السرعة؟! ما أروعك،  لكن ألا يمكن أن تكون الزيارة بعد أسبوع؟

سهيل: للأسف جدول مواعيد الشيخ مزدحم، وهذا هو الموعد المناسب.

صخر: على كل حال شهر مدة كافية لتحضير كل أسئلتنا.

جَسور: أقترح أن نلتقي نحن في مكة قبل الموعد بأسبوع، فمن خلال جلسات العصف الذهني سنجمع وننظم أسئلتنا.

مرت ثلاثة أسابيع، والتقى الثلاثي في مكة في الأسبوع الأخير، جهزوا غرفة الفندق بأدوات مكتبية تساعدهم على التفكير، سبورة وأقلام شاهدان على هذا الحدث الذي يخوضونه بكيانهم كله، كانوا يعقدون اجتماعات يومية لتحضير أنفسهم، امتلأت السبورة بالأسئلة، ما بين أسئلة حول الشياطين، وأخرى حول طريقة تشخيص الأذى الشيطاني، وأخرى حول العلاج. الحماس يزداد يوماً بعد يوم، ولم يتبق سوى يوماً واحداً ثم يلتقون بالشيخ.

وبينها هم مجتمعون إذا باتصال هاتفي يأتي سهيل، نظر سهيل إلى الهاتف بفرحة كبيرة، قال لهما: إنه الشيخ، ثم ضرب رأسه براحته وقد تذكر شيئاً مهماً: يا للإحراج كان يفترض أن أتصل به بالأمس لأؤكد الموعد. 

قال صخر: أجبه بسرعة، واعتذر له عن تأخر الاتصال به، وأخبره أننا هنا منذ أيام نستعد لهذا اللقاء العظيم، وأننا في قمة الحماس.

أجاب سهيل المكالمة والسعادة تزين صوته: مرحباً شيخ بدر، كيف حالك؟ نحن هنا في مكة ومستعدون إن شاء الله لزيارتك.

سكت سهيل لفترة.. بدت عليه علامات التوتر، ثم تجمدت ملامح وجهه.

قال جَسور: ماذا بك؟ هل أجَّل الشيخ الموعد؟

أغلق سهيل الهاتف وهو لم يفق من الصدمة بعد، ثم قال بصوت منخفض متحشرج: لقد تم إلغاءالموعد.

جَسور غاضباً: لماذا؟ لماذا لم تخبره أننا لم نقصد التأخر في التأكيد عليه؟ لماذا لم تخيره أننا بالفعل هنا منذ أيام؟!

سهيل في دهشة: لا يمكنني أن أخبره.. لقد مات الشيخ!!

وائل عادل

أضف تعليق